التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ} (65)

وقوله : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ . . . } بيان للون آخر من معاذيرهم الكاذبة ، وجبنهم عن مواجهة الحقائق .

وأصل الخوض - كما يقول الآلوسى - الدخول في مائع مثل الماء والطين ، ثم كثر حتى صار اسماً لكل دخول فيه تلويث وأذى .

أى : ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين عن سبب استهزائهم بتعاليم الإِسلام ليقولن لك على سبيل الاعتذار ، إنما كنا نفعل ذلك على سبيل الممازحة والمداعبة لا على سبيل الجد .

وقوله : { قُلْ أبالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ } إبطال لحجتهم ، وقطع لمعاذيرهم ، وتبكيت لهم على جهلهم وسوء أخلاقهم .

أى : قل لهم يا محمد - على سبيل التوبيخ والتجهيل - ألم تجدوا ما تستهزئون به في مزاحكم ولعبكم - كما تزعمون - سوى فرائض الله وأحكامه وآياته ورسوله الذي جاء لهدايتكم وإخراجكم من الظلمات إلى النور ؟

فالاستفهام للانكار والتوبيخ ، ودفع ما تذرعوا به من معاذيرهم واهية .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ} (65)

قوله تعالى : { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون 65 ولا تعتذروا قد كفرتم بعد أيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين } روي عن زيد بن أسلم أن رجلا من المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك : ما لقرائنا هؤلاء أرغبنا بطونا ، وأكذبنا ألسنة ، وأجبننا عند الله ، فقال له عوف : كذبت ؛ ولكنك منافق ، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فوجد القرآن قد سبقه ، فقال زيد : قال عبد الله بن عمر : فنظرت إليه متعلقا بحقب{[1840]} ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحاجرة يقول : غنما كنا نخوض ونعلب . فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم : ( أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ) .

وعن قتادة قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوته إلى تبوك وبين يديه ناس من المنافقين قالوا : أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات . فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم : ( احبسوا علي هؤلاء الركب ) فأتاهم . فقال : ( قلتم كذا . قلتم كذا ) قالوا : يا نبي الله إنما كنا نخوض وتلعب . فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم ما تسمعون{[1841]} .

والخوض ، أصله الدخول في مائع كالماء والطين . ثم كثر استعماله حتى أطلق على كل دخول فيه تلويث وأذى ؛ أي كنا نخوض في الباطل .

قوله : { قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون } استفهام يستنكر فعل المنافقين ؛ إذ كانوا يتهكمون ويستهزئون بالله وكتابه ورسوله .

وعلى هذا فإنه لا يسخر من آيات الله أو بعض آياته أو من نبيه صلى الله عليه وسلم إلا كان كفور أثيم ؛ فإن ذلك خوض في دين الله بالباطل ، يستوي في ذلك ما لو كان الخوض على سبيل الجد أو الهزل ؛ فإن ذلكم كله كفر بغير خلاف .


[1840]:الحقب: بالتحريك، معناه الحزام الذي يلي حقو العبير، أي خصوه. انظر المعجم الوسيط جـ 1 ص 187.
[1841]:تفسير الطبري جـ 10 ص 119.