فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ} (11)

{ كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر( 9 )فدعا ربه أني مغلوب فانتصر( 10 )ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر( 11 )وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر( 12 )وحملناه على ذات ألواح ودسر( 13 )تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر( 14 )ولقد تركناها آية فهل من مدكر( 15 )فكيف كان عذابي ونذر( 16 ) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر( 17 ) } .

تقرير لسنة الله تعالى التي أمضاها في الأولين ، ولا تتبدل في الآخرين ، وبيان لما جاءهم من أنباء السابقين ، التي يتعظ بها وينزجر كل ذي عقل سليم ؛ وما أنت بأول رسول يكذبه قومه ، بل كذبت قبل عشيرتك عشيرة نوح وقومه ، إذ جحدوا الرسالات ، وقالوا ما حكاه القرآن الحكيم : { . . ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة . . } فكذبوا عبدنا نوح ورمَوْه بالجنون ، واتهموه بأن الجن زجرته وأذهبت عقله- أو هو إخبار من الله عز وجل بأنه-عليه السلام-زُجِر عن التبليغ بالأذى الذي آذوه ، فتضرع إلى ربه راجيا نصره .

[ وهذا وعيد من الله-تعالى ذكره- وتهديد للمشركين من أهل مكة وسائر من أرسل إليه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم على تكذيبهم إياه ، وتقدم منه إليهم إن هم لم ينيبوا من تكذيبهم إياه بأنه مُحِلّ بهم ما أحل بالأمم الذين قص قصصهم في هذه السورة من الهلاك والعذاب ، ومُنْجٍ نبيه محمدا والمؤمنين به كما نجى من قبله من الرسل وأتباعهم من نقمته التي أحلها بأممهم ؛ فقال جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : كذبت يا محمد قبل هؤلاء الذين كذبوك من قومك-الذين إذا رأوا آية أعرضوا وقالوا سحر مستمر-قوم نوح فكذبوا عبدنا نوحا إذ أرسلناه إليهم ، كما كذبتك قريش إذ أتيتهم بالحق من عندنا . . . ]{[5931]} .

فاستجبنا دعاءه وفتحنا جهة العلو والسماء بماء منصب ، وتفجرت عيون الأرض فكأن أديمها كله أصبح عيونا ، حتى التقى الماء النازل ، بالماء الصاعد ، على قدر سبقت به مشيئة الله القوي القادر ، وكان في هذا القدر إغراق الكافرين المكذبين ؛ أما الرسول الكريم ومن معه من المؤمنين ، وكذا الخلق الذي عهدنا إلى نوح أن يحمله في الفلك المشحون ، فقد حملناهم على سفينة ليست من المنشآت المشرعات كالأعلام ، وإنما هي ألواح ومسامير .

عناية الله أغنت عن مضاعفة *** من الدروع وعن عال من الأطم

وإذا العناية لاحظتك عيونها *** نم فالمخاوف كلهن أمان

فجرت ونحن نراها ونرعاها جزاء وثوابا لرسولنا الذي كان نعمة أنعمها الله تعالى على قومه فكفروا بها ؛ أو جحدت نبوته عليه السلام ؛ ولقد تركنا هذه القصة برهانا على اقتدارنا ، وجعلنا إهلاك المفسدين وإنجاء المؤمنين عبرة للمعتبرين ، فهل من متذكر ومتدبر ؟ !

[ استفهام تعظيم وتعجيب ، أي كانا على كيفية هائلة لا يحيط بها الوصف ]{[5932]} .

ولقد سهلنا القرآن للتدبر وجعلناه يسيرا لمن تذكر في مثانيه ، وتبصر في أنواره وهدايته ومعانيه ، وجعلناه قيِّما لا عوج فيه ، وحقا لا يشوبه باطل .

ولو تدبر الناس كتاب رب العالمين ، واعتبروا بما في قصص المرسلين -صلوات الله عليهم أجمعين- لهُدوا إلى الحق المبين : { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين }{[5933]} .

وقد تثنى قصة منها في أكثر من سورة لأن التكرير يوجب التقرير ، والتذكير ينبه الغافل ؛ على أنها في كل سورة ذكرت فيها تُفيض في جانب من النبأ غير ما فُصِّل في السورة الأخرى ؛ فنحن نقرأ من نبأ نوح في سورة نوح عليه السلام بيان سبل الدعوة -سرا وجهارا ، ليلا ونهارا- وما وعدهم به من خيرات الدنيا إن هم استجابوا لمولاهم : { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا . يرسل السماء عليكم مدرارا . ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا }{[5934]} .

بينما تبين الآيات في سورة هود عليه السلام كيف سخر قوم نوح من نوح ، وعيروه بفقر أتباعه ، وفي سورة يونس تعلمنا آيات الله الحكيم كيف كان يقين نوح عليه السلام ، واعتزازه بولاية ربنا-الملك العلام- دون سائر الأنام : { واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون }{[5935]} .

وهكذا الشأن في قصص الأنبياء ، فتبارك مُنْزِلُه الحكيم الحميد .


[5931]:أورده الطبري جـ27ص54.
[5932]:مما أورد الألوسي.
[5933]:سورة هود. الآية120.
[5934]:الآيات:12،11،10.
[5935]:الآية 71.