ثم{[38706]} قال تعالى عاطفاً على قوله { فإن فعلت } : { وإن يمسسك الله } أي الذي لا راد لأمره { بضر } أي أيّ ضر كان على أي وجه كان وإن كان ظاهراً جداً بما أنبأ عنه الإظهار { فلا كاشف له } أي أصلاً بوجه من الوجوه { إلا هو } لأنه أراده وما أراده لا يكون غيره فلا ترج سواه في أن يبذله بخير ، وعبر بالمس لأنه أخوف { وإن يردك } أي مطلق إرادة{[38707]} { بخير فلا } أي أصابك لا محالة فإنه لا { رآد } ونبه على أنه لا يجب عليه سبحانه شيء بأن وضع مكان الضمير قوله : { لفضله } أي{[38708]} عمن يريده به كما يفعل بعض العاتين من أتباع ملوك الدنيا في رد بعض ما يريدون ، بل هو بحيث لا ينطق أحد إلا بإذنه فلا تخش{[38709]} غيره ، فالآيه من الاحتباك : ذكر المس أولاً دليلاً على إرادته ثانياً ، والإرادة ثانياً دليلاً على حذفها أولاً ، ولم يستثن في الإرادة كما استثنى في الكشف لأن دفع المراد محال ، وعبر بالإرادة في الخير وبالمس في الضير تنبيهاً على أنه صلى الله عليه وسلم مراد بالخير بالذات وبالضر بالعرض تطييباً لقلبه لما تكرر في هذه السورة من الإخبار بإحقاق العذاب على الفاسقين والإيئاس من الظالمين ، فلما تقرر ذلك حسن موقع قوله مبيناً{[38710]} لحال ذلك الفضل : { يصيب به } أي بذلك الفضل {[38711]}أو بالذي{[38712]} تقدم من الخير والضير { من يشاء } أي كائناً من كان من أدنى وأعلى ، وبين العلة في كونهم مقهورين بقوله : { من عباده } وهذا كله إشارة إلى أن ما أوجب الإعراض عن معبوداتهم بانسلابه عنها أوجب الإقبال عليه بثبوته له واختصاصه به ، وختم الآية بقوله : { وهو الغفور } أي البليغ الستر للذنوب { الرحيم* } أي البالغ في الإكرام إشارة إلى أن{[38713]} إصابته بالخير لا يمكن أن يكون إلا فضلاً منه بعد الستر للذنوب والرحمة للضعف ، فهو الحقيق بأن يعبد ؛ والمس : اجتماع التباين من غير نقص{[38714]} ، ونظيره المطابقة ، والمجامعة نقيضها المباينة ؛ والكشف : رفع الستار ، جعل الضر كأنه مانع من إدراك الإنسان وساتر له .
قوله : { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } الضر ، بالضم ، وهو الفقر والفاقة . وقيل : كل ما كان سوء حال وفقر وشدة{[2042]} .
والمعنى : أن ما يصيب الإنسان من شدة أو ضيق أو غير ذلك من ضروب الكروب ؛ فإنه ليس له من دافع يدفع إلا الله ؛ فهو سبحانه يتولى كشف السوء والبلاء عن المكروب بما شاء وكيف شاء . أما هذه الأصنام الجامدة البلهاء التي لا تريم{[2043]} فأنى لها أن تكشف عن أحد سوءا أو مكروها . حتى الأنداد والمتجبرون من البشر كالظالمين والمستكبرين والطغاة لا يملكون كشف السوء أو البلاء عن أحد إلا أن يشاء الله ذلك ؛ فهو سبحانه يكشف البلاء والأرزاء عن عباده بما يقدره وييسره من الأسباب والوسائل .
قوله : { وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده } إذا أردا الله بأحد خيرا من نعمة أو رخاء أو عافية أو ابتهاج أو انفراج ؛ فليس من أحد يستطيع أن يحول بين العبد المنعم عليه وما كتب الله له من نعمة أو خير . ليس من أحد كائنا من كان يقدر أن يحجب الخير المقدور عن احد من العباد . وإنما السراء والضراء بيد الله وحده يصيب بذلك { من يشاء من عباده } فلا راد لقضائه ولا مانع لفضله إلا هو .
قوله : { وهو الغفور الرحيم } الله الذي يغفر الذنوب للتائبين المنيبين إليه . وهو سبحانه رحيم بعباده المؤمنين المخبتين الذين يعجون إليه في كل آن بالإنابة والاستغفار{[2044]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.