الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (1)

{ الر } أنا الله الرحمن { كتاب } هذا كتاب { أحكمت آياته } بعجيب النظم وبديع المعاني ورصين اللفظ { ثم فصلت } بينن بالأحكام من الحلال والحرام وجميع ما يحتاج إليه من { لدن حكيم } في خلقه { خبير } بمن يصدق نبيه وبمن يكذبه

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (1)

لما ختمت السورة التي قبلها - كما ترى - بالحث على اتباع الكتاب ولزومه والصبر على ما يتعقب ذلك من مرائر الضير المؤدية إلى مفاوز الخير اعتماداً على المتصف بالجلال والكبرياء والكمال . ابتدئت هذه بوصفه بما يرغب فيه ، فقال بعد الإشارة إلى إعادة القرع بالتحدي على ما سلف في البقرة : { كتاب } أي عظيم{[38744]} جامع لكل خير ، ثم وصفه بقوله : { أحكمت } بناه للمفعول بياناً لأن إحكامه أمر قد فرغ منه على أيسر وجه عنه سبحانه{[38745]} {[38746]}وأتقن إتقاناً لا مزيد عليه{[38747]} { آياته } أي أتقنت إتقاناً لا نقص{[38748]} معه فلا ينقصها الذي أنزلها بنسخها كلها بكتاب آخر ولا غيره ، ولا يستطيع غيره نقص شيء منها ولا الطعن في شيء من بلاغتها أو فصاحتها بشيء يقبل ، والمراد ب { محكمات } في آل عمران{[38749]} عدم التشابه .

ولما كان للتفصيل رتبة هي{[38750]} في غاية العظمة ، {[38751]}أتي بأداة{[38752]} التراخي فقال : { ثم } أي وبعد هذه الرتبة العالية التي لم يشاركه في مجموعها كتاب جعلت له رتبة أعلى منها جداً بحيث لم يشاركه في شيء منها كتاب وذلك أنه { فصلت } أي جعلت لها - مع كونها مفصلة{[38753]} إلى حلال وحرام وقصص وأمثال - فواصل ونهايات تكون بها مفارقة لما بعدها وما{[38754]} قبلها ، يفهم{[38755]} منها علوم جمة ومعارف مهمة وإشارات إلى أحوال عالية ، وموارد عذبة صافية ، ومقامات من كل علة شافية ، كما تفصل القلائد بالفرائد ، وهذا التفصيل لم يشاركه في شيء منه شيء من الكتب السالفة ، بل هي مدمجة إدماجاً لا فواصل لها كما يعرف ذلك من طالعها ، ويكفي في معرفة ذلك ما سقته منها في تضاعيف هذا الكتاب ، وما أنسب ختام هذه الآية للإحكام والتفصيل بقوله : { من لدن } أي نزلت آياته محكمة مفصلة حال كونها مبتدئة من حضرة هي أغرب الحضرات الكائنة من إله { حكيم خبير } منتهية إليك وأنت أعلى الناس في كل وصف فلذلك لا يلحق إحكامها ولا تفصيلها ، أرسلناك به قائلاً :


[38744]:سقط من ظ.
[38745]:زيد من ظ.
[38746]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[38747]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[38748]:في ظ: لا نقيض.
[38749]:راجع آية 7.
[38750]:سقط من ظ.
[38751]:من ظ، وفي الأصل: التي بإرادة.
[38752]:من ظ، وفي الأصل: التي بإرادة.
[38753]:في ظ: متفصلة.
[38754]:زيد من ظ.
[38755]:في ظ: تفهم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مكية . وهي حافلة بأخبار الأولين من الرسل الذين بعثهم الله إلى أممهم فما آمن منهم إلا قليل . وأبي أكثرهم إلا الضلال والعصيان والتكذيب . فأذوا رسالات الله ؛ فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر . لقد أخذهم بشديد الوبال ، والعقاب الوجيع البئيس ، ما بين طوفان جارف غامر اصطلم المشركين جميعا فامحت أعيانهم البتة . أو ريح صرصر عاتية تدمر كل شيء ، أو صيحة قارعة رعيبة تتقطع منها القلوب ، وتتبد منها الأجساد تبديدا ، إلى غير ذلك من ضروب العقاب الذي أنزله بساحة العصاة والمجرمين الذين شاقوا الله ورسوله وحالوا بين منهج الله والناس .

إن هذه الأخبار في ذاتها مخوفة مؤثرة وغاية التأثير ، فلا يمر بها القارئ أو السامع المتدبر حتى تفجأه أحداثها ووقائعها وما آلت إليه من وخيم العواقب ، فيكف إذا كانت هاتيك الأخبار التي والوقائع قد تحدث بها القرآن بسوره العظيمة وآياته المؤثرة العجاب ، وعباراته التي تتزاحم فيها المعاني تزاحما ؟ ! وكذلك كلماته ذات الإيقاع المفزع ، والنعم الباهر الخلاب ؟ ! فلا جرم أن تكون هذه السورة في مبلغ تأثيرها وعجيب إيقاعها وزاخر معانيها المختلفة وشدة روعتها المفزعة التي تأخذ القلوب – باللغة الشأن ، مهيبة القدر والجلال .

تلك هي سورة هود التي وقعت في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم كل موقع حتى شاب منها شعره . وفي هذا أخرج الترمذي بإسناده عن ان عباس قال : قال أبو بكر : يا رسول الله قد شبت . قال : ( شيبتني هود ، والواقعة ، والمرسلات ، وعم يتساءلون ، وإذ الشمس كورت ) وفي رواية : ( هود وأخواتها ) .

روي الطبري عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( شيبتني هود وأخواتها : الواقعة ، والحاقة ، وإذا الشمس كورت ) .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ الر كتاب أحكم آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير 1 ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير 2 وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير 3 إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير } .

{ الر } ، مبتدأ . خبره { كتاب } وقوله : { أحكم آياته } صفة للكتاب{[2046]} والمعنى : أنها نظمت مظما رصيفا{[2047]} ليس فيه نقص ولا ضعف ولا خلل . وقال ابن عباس : أي لم ينسخها كتاب بخلاف التوراة الإنجيل . وعلى هذا الوجه لا يكون كل كتاب محكما ؛ لأنه قد حصل فيه آيات منسوخة ، لكنه لما كان الغالب محكما غير منسوخ صح إطلاق هذا الوصف ( الإحكام ) عليه ؛ لأن الحكم الثابت فيما هو غالب يجري مجرى الثابت في الكل .

قوله : { ثم فصلت من لدن حكيم خبير } { فصلت } بمعنى فسرت ؛ أي بين حلالها وحرامها ، وأمرها ونهيها ، ووعدها ووعيدها ، وثوابها وعقابها . وذلك كله { من لدن حكيم خبير } حكيم في تدبيره وتقديره وأقواله وأفعاله ، خبير بعواقب الأمور وبما ينفع الناس أو يضرهم .


[2046]:تفسير الرازي جـ 17 ص 184.
[2047]:الرصيف: الثابت المحكم الرصين. انظر المصباح المنير جـ 1 ص 245 ومختار الصحاح ص 245.