{ وإذا تتلى عليهم } على هؤلاء المشركين { آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا } لا يخافون البعث { ائت بقرآن غير هذا } ليس فيه عيب آلهتنا { أو بدله } تكلم به من ذات نفسك فبدل منه ما نكرهه { قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي } ما ينبغي لي أن اغيره من قبل نفسي { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } ما أخبركم إلا ما أخبرني الله به أي الذي أتيت به من عند الله لا من عندي نفسي فأبدله
ولما تقدم أن من قضى بشقاوته لا يتأتى إيمانه بآية من الآيات حتى تنزل{[37713]} به{[37714]} سطوته وتذيقه بأسه ونقمته . وكان القرآن أعظم آية أنزلت{[37715]} إلى الناس لما لا يخفى . أتبع ذلك عطفاً على قوله { قال الكافرون إن هذا لسحر مبين } بقوله بياناً لذلك : { وإذا تتلى } بناه للمفعول إيذاناً بتكذيبهم عند تلاوة{[37716]} أي تالٍ كان . وأبداه مضارعاً إشارة إلى أنهم يقولون ذلك ولو تكررت التلاوة { عليهم } أي على هؤلاء الناس { آياتنا } أي على ما لها من العظمة {[37717]}بإسنادها إلينا{[37718]} { بينات } فإنه مع ما اشتمل عليه مما لزمهم به الإقرار بحقيقته قالوا فيه ما لا معنى له إلا التلاعب والعناد ، ويجوز عطفه على { ثم جعلناكم خلائف } - الآية - والالتفات إلى مقام الغيبة للإيذان بأنهم أهل للإعراض لإساءتهم الخلافة ، والموصول بصلته في قوله : { قال الذين لا يرجون لقآءنا } في موضع الضمير تنبيهاً على أن هذا الوصف علة قولهم ، ولعله عبر بالرجاء ترغيباً لهم لأن الرجاء محط أمرهم في طلب تعجيله للخير ودفعه للضمير . فكان من حقهم أن يرجوا لقاءه تعالى رغبة في مثل ما أعده{[37719]} لمن أجابه ، ولوح إلى الخوف بنون العظمة ليكون ذلك أدعى لهم إلى الإقبال { ائت } أي من عندك { بقرآن } أي كلام مجموع جامع لما تريد { غير هذا } في نظمه ومعناه { أو بدله } أي بألفاظ أخرى والمعاني باقية وقد كانوا عالمين بأنه صلى الله عليه وسلم مثلهم في العجز عن ذلك ولكنهم قصدوا أنه يأخذ في التغيير حرصاً على إجابة مطلوبهم فيبطل مدعاه أو يهلك .
ولما{[37720]} كان كأنه قيل : فماذا أقول لهم ؟ قال{[37721]} : { قل ما يكون } أي يصح ويتصور بوجه من الوجوه { لي } ولما كان التبديل يعم القسمين الماضيين قال : { أن أبدله } وقال : { من تلقاء } أي{[37722]} عند وقِبَل { نفسي } إشارة إلى الرد عليهم في إنكار تبديل الذي أنزله بالنسخ بحسب المصالح كما أنزل أصله لمصلحة العباد مع نسخ الشرائع الماضية به{[37723]} ، فأنتج ذلك قطعاً قوله : { إن أتبع } أي بغاية جهدي { إلاّ ما } ولما كان قد علم أن الموحي إليه الله قال { يوحى إلي } أي{[37724]} سواء كان بدلاً أو أصلاً ؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لإنكارهم مضمونه : { إني أخاف } أي على سبيل التجدد والاستمرار { إن عصيت ربي } أي المحسن إليّ والموجد لي والمربي والمدبر بفعل غير ما شرع لي { عذاب يوم عظيم } فإني مؤمن به غير مكذب {[37725]}ولا شاك كغيري ممن{[37726]} يتكلم من الهذيان بما لا يخاف عاقبته في ذلك اليوم ، وإذا خفته - مع استحضار صفة الإحسان - هذا الخوف فكيف يكون خوفي مع استحضار صفة الجلال .
قوله تعالى : { وإذ تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائي نفسي إن اتبع إلا ما يوحي إلي أني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم 15 قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون 16 فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون } .
نزلت في مشركي مكة ، وهم خمسة نفر : عبد الله بن أبي أمية المخزومي ، والوليد ابن المغيرة ، ومكرز بن حفص ، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري ، والعاص بن عامر . قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى . وقيل : نزلت في المستهزئين ؛ إذ قالوا : يا محمد ائت بقرآن غير هذا فيه ما نسألك{[1951]} .
والمعنى : أنه إذا قرئ المشركون آيات الكتاب الحكيم الذي أنزله الله إليك يا محمد بينات واضحات { قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله } أي قال الذين لا يقنون بوحدانية الله ، ولا يصدقون بيوم المعاد ولا بالعبث من القبور { ائت بقرآن غير هذا أو بدله } أي رد هذا القرآن الذي جئتنا به ، وجئنا بغيره من نوع آخر أو بدله إلى موضع آخر . والمراد بالتبديل الذي سألوه إياه هو أن يحول الوعد وعيدا ، والوعيد وعدا ، والحلال حراما ، والحرام حلالا . وقيل : أن يسقط من القرآن ما فيه تسفيه أحلامهم وعيب آلهتهم .
قوله : { قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائي نفسي } أي ليس هذا إلي وإنما هو من شأن الله . وما أنا إلا العبد المأمور والرسول المتبع المكلف بالتبليغ قوله : { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } أي ما أتبع في كل ما جئتكم به من أمر ونهي ، ومن وعد ووعيد ، ومن تحليل وتحريم ، إلا ما جاءني به الوحي من عند الله . فلا أتقول عليكم شيئا من عند نفسي .
قوله : { إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } أي قل لهم يا محمد : إني أخشى من الله إن عصيت بمخالفة أمره أو بتغيير أحكام كتابه ، أو بدلت شيئا من آياته –عذاب يوم القيامة حيث الأهوال والبلايا وعظائم الأمور .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.