الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (17)

{ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } يعني الذين اتخذوه الها { قل فمن يملك من الله شيئا } فمن يقدر أن يدفع من عذاب الله شيئا { إن أراد أن يهلك المسيح } أي يعذبه ولو كان الها لقدر على دفع ذلك

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (17)

ولما تم ذلك موضحاً لأن من لم يتبع الكتاب الموصوف كان كافراً وعن الطريق{[24816]} الأمم جائراً{[24817]} حائراً ، وكان محصل حال اليهود كما رأيت فيما تقدم ويأتي من نصوص التوراة - أنهم لا يعتقدون على كثرة ما يرون{[24818]} من الآيات أن الله مع نبيهم دائماً ، وكان أنسب الأشياء بعد الوعظ أن يذكر حال النصارى في نبيهم ، فإنه مباين لحال اليهود من كل وجه ، فأولئك على شك في أنه معه ، وهؤلاء اعتقدوا أنه هو ، فقال تعالى مبيناً أنهم في أظلم الظلام وأعمى العمى : { لقد } أو يقال : إن اليهود لما فرطوا فكفروا ، أفهم ذلك أن النصارى لما أفرطوا كفروا ، فصار حالهم كالنتيجة لما مضى فقال : لقد { كفر الذين قالوا } مؤكدين لبعد ما قالوه من العقل فهو في غاية الإنكار { إن الله } أي على ما له من جميع صفات الكمال التي لا يجهلها من له أدنى تأمل إذا ترجى الهدى وانخلع من أسر الهوى { هو المسيح } أي عينه ، وهو أقطع الكفر وأبينه بطلاناً ، ووصفه بما هو في غاية الوضوح في بطلان قولهم لبعده عن رتبة الألوهية في الحاجة إلى امرأة فقال : { ابن مريم } فهو محتاج إلى كفالتها بما لها من الأمومة .

ولما بطل مدعاهم على أتقن منهاج وأخصره ، وكان بما دق على بعض الأفهام ، أوضحه بقوله : { قل } دالاً{[24819]} على أن المسيح عليه السلام عبد مملوك لله ، مسبباً عن كفرهم { فمن يملك من الله } أي الملك الذي له الأمر كله { شيئاً } أي من الأشياء التي يتوهم أنها قد تمنعه مما{[24820]} يريد ، بحيث يصير ذلك{[24821]} المملوك أحق به منه ولا ينفذ له{[24822]} فيه تصرف { إن أراد } أي الله سبحانه { أن يهلك المسيح } وكرر وصفه بالبنوة إيضاحاً للمراد فقال : { ابن مريم } وأزال الشبهة جداً بقوله : { وأمه } ولما خصهما دليلاً على ضعفهما المستلزم للمراد ، عم دلالة على عموم القدرة المستلزم{[24823]} لتمام القهر لكل من يماثلهما{[24824]} المستلزم لعجز الكل المبعد من رتبة الإلهية ، فقال موضحاً{[24825]} للدليل بتسويتهما ببقية المخلوقات : { ومن في الأرض جميعاً } أي فمن يملك{[24826]} منعه من ذلك .

ولما كان التقدير : فإن ذلك كله لله ، يهلكه كيف شاء{[24827]} متى شاء{[24828]} ، عطف عليه ما هو أعم منه ، فقال معلماً بأنه - مع كونه مالكاً مَلِكاً{[24829]} - له تمام التصرف : { ولله } أي الملك الأعلى الذي لا شريك{[24830]} له { ملك السماوات } أي التي بها قيام الأرض { والأرض وما بينهما } أي ما{[24831]} بين النوعين وبين أفرادهما ، بما{[24832]} به تمام أمرهما ؛ ثم استأنف قوله دليلاً على ما قبله ونتيجة له : { يخلق ما يشاء } على أي كيفية أراد - كما تقدم أن له أن يعدم ما يشاء كذلك ، فلا عجب في خلقه بشراً من أنثى فقط ، لا بواسطة{[24833]} ذكر ، حتى يكون سبباً{[24834]} في ضلال من ضل به{[24835]} ، ولما دل ذلك على تمام القدرة على المذكور عم{[24836]} فقال : { والله } أي ذو الجلال والإكرام { على كل شيء } أي من ذلك وغيره { قدير * } .


[24816]:في ظ: طريق.
[24817]:سقط من ظ.
[24818]:في ظ: يريدون.
[24819]:من ظ، وفي الأصل: دال.
[24820]:من ظ، وفي الأصل: بما.
[24821]:من ظ، وفي الأصل: بذلك.
[24822]:سقط من ظ.
[24823]:زيد من ظ.
[24824]:في ظ: لصايلها- كذا.
[24825]:من ظ، وفي الأصل: يوصحا- كذا.
[24826]:في ظ: يملكه.
[24827]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24828]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24829]:في ظ: ملك.
[24830]:زيد من ظ.
[24831]:سقط من ظ.
[24832]:من ظ: وفي الأصل: ما.
[24833]:من ظ، وفي الأصل: بواسط.
[24834]:في ظ: سبيلا.
[24835]:سقط من ظ.
[24836]:سقط من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (17)

قوله تعالى : { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن راد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير } هذا إعلان صارم مجلجل لا يحتمل المداهنة أو المواربة أو اللين . إعلان هادر مكشوف بأن الذين تلبسوا بدعوى الإلهية للمسيح كافرون سواء فيهم المبتدعون السابقون في هذه الضلالة الذين اختلقوا هذه الفرية العظمى أو الأتباع الذين جاؤوا من بعدهم فاتبعوهم تقليدا بغير علم ولا حجة ولا منطق سليم . وفي هذا الصدد روي عن محمد بن كعب القرظي أنه لما رفع عيسى عليه الصلاة والسلام اجتمع طائفة من علماء بني إسرائيل فقالوا : ما تقولون في عيسى عليه الصلاة والسلام ؟ فقال أحدهم : أو تعلمون أن أحدا يحيي الموتى إلا الله ؟ فقالوا : لا . فقال : أو تعلمون أحدا يبرئ الأكمه والأبرص إلا الله تعالى ؟ قالوا : لا . قالوا : فما الله تعالى إلا من هذا وصفه . أي حقيقة الإلهية فيه{[924]} .

ويستوي في الكفران من هذى بنسبة الإلهية للمسيح ، أو قال إنه خليقة مزدوجة من اللاهوت والناسوت أو غير ذلك من الهذيان السقيم المحموم . والحقيقة الناصعة الساطعة البلجة أن عيسى المسيح واحد من عباد الله المخاليق ، ذرأه الله من غير أب ، وأمه النقية ، التقية البتول ، المرأة المفضلة المثلى سيدة نساء العالمين عليها السلام .

قوله : { قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا } الفاء في قوله : { فمن } عاطفة من أداة استفهام للإنكار والتوبيخ . ويملك بمعنى يقدر أو يستطيع . والمعنى : قل لهم يا محمد مبكتا : من ذا الذي يقدر أن يمنع من قدرة الله ومشيئته شيئا إن أراد الله أن يهلك المسيح وأمه والعالمين كافة ، فلو كان المسيح إلها كما تزعمون لرد الموت عن أمه أو غيرها . فليس المسيح إلا عبدا من عباد الله المصطفين الأخيار وكفى{[925]} .

قوله : { ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما } الله مالك كل شيء فما في الكون الواسع الرحيب من أشياء وخلائق ظاهرة وباطنه إلا وهي من خلق الله وتحت قهره وفي ملكوته . ومن جملة ذلك كله المسيح ابن مريهم . فهو واحد من الأناسي في هذا الوجود الذي يحيط به علمه وقدرته . فهل يليق بعد ذلك بذي لب أن يصدق اصطناع الألوهية للمسيح . لا جرم أن هذا الزعم هراء . بل إنه افتراء ظالم وممجوج .

قوله : { يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير } وذلك كخلق عيسى من غير أب ، وخلق آدم من غير أم ولا أب بل من تراب . وما يجري في هذه الدنيا من معجزات أو ظواهر خارقة للقوانين الكونية كخلق الطير من الطين وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص . فإن ذلك كله من خلق الله وتدبيره فهو القادر أن يفعل ما يشاء{[926]} .


[924]:- روح المعاني ج 6 ص 99.
[925]:- روح المعاني ج 6 ص 99 وتفسير القرطبي ج 6 ص 119.
[926]:- الكشاف ج 1 ص 602 وتفسير القرطبي ج 6 ص 119 وروح المعاني ج 5 ص 100.