ولما كان معلوماً أن عداوتهم له صلى الله عليه وسلم المشار إليها بقوله { وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً } الآية ، لا{[31042]} يقوم بها إلا أكابر الناس ، لما كان عليه{[31043]} صلى الله عليه وسلم من جلالة المنصب وشرف العشيرة وكثرة{[31044]} الأقارب وأنه لا يتمادى عليها{[31045]} إلا جاهل مطموس البصيرة مزين له قبيح أعماله ، عطف تعالى على التزيين للكافرين قوله : { وكذلك } أي مثل ما{[31046]} زينا للكافرين سوء أعمالهم ، فكان أكابر أهل مكة يمكرون فيتبع غيرهم مكرهم { جعلنا } أي{[31047]} بما لنا من العظمة في إقامة الأسباب لما يعلي كلمة الإنسان أو يجعله حقير الشأن { في كل قرية } أي بلد جامع ، ولما كان الكبر مختلف الأنواع باختلاف أشخاص المجرمين ، طابق بأفعال التفضيل المقصودين لها في الجمع على إحدى اللغتين ، وعبر بصيغة منتهى الجمع دلالة على{[31048]} تناهيهم في الكثرة فقال{[31049]} : { أكبر مجرميها } أي القاطعين لما ينبغي أن يوصل .
ولما كان من شأن الإنسان استجلاب أسباب الرفعة لنفسه ، وكان لا يصل إلى ذلك في دار ربط المسببات بحكمة الأسباب إلا بالمكر ، وكان الأكابر أقدر على إنفاذ المكر وترويج الأباطيل بما لأغلب الناس من السعي في رضاهم طمعاً فيما عندهم ، وكان الإنسان كلما تمكن{[31050]} من ذلك أمعن فيه ، وكان الكبير إنما يصل إلى ما قدر له من ذلك بتقدير الله له ؛ كان بما قدر له من ذلك كأنه خلقه له ، فقال معبراً بالجعل لما فيه من التصيير{[31051]} والتسبيب{[31052]} : { ليمكروا فيها } أي يخدعوا أصاغرهم ويغروهم بما يلبسون عليهم من الأمور حتى يتبعوهم فيعادوا{[31053]} لهم حزب الله .
ولما كان ذلك موجعاً وغائظاً محزناً ، قال تصغيراً لشأنهم وتحقيراً لأمرهم : { وما } أي والحال أنهم ما{[31054]} { يمكرون إلا بأنفسهم } لأن عملهم بالمكر وبال عليهم موبق لهم ، ولأن مكرهم بأولياء الله إنما هو مكر{[31055]} بالله ، وذلك غير متأت ولا{[31056]} كائن بوجه من الوجوه ، وكيف يتأتى مكر من لا يعلم شيئاً من الغيب بمن يعلم جميع الغيب ! { وما يشعرون * } أي و{[31057]} ما لهم نوع شعور بأن مكرهم عائد على نفوسهم ، لأن الله تعالى الذي يعلم سرهم وجهرهم يجعل بما يزين لهم تدميرهم في تدبيرهم ، وإنما أجرى{[31058]} سنته{[31059]} الإلهية بذلك لما يشتمل عليه من أعلام النبوة ، فإن غلبة شخص واحد - بمفرده أو باتباع كثير منهم ممن لا يؤبه لهم مع قلة العدد وضعف المدد لرؤساء الناس وأقويائهم مع طول مكثه بينهم منابذاً لهم منادياً عليهم بأن دينكم يمحى وديني يظهر وإن كرهتم{[31060]} - من خوارق العادات وبواهر الآيات تصديقاً لقوله تعالى :
{ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي{[31061]} }[ المجادلة : 21 ] { وإن جندنا لهم الغالبون{[31062]} }[ الصافات : 173 ] - في أمثال ذلك .
قوله تعالى : { وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ( 123 ) وإذا جاءتهم ءاية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون } مجرميها ، مفعول أول لجعلنا . وأكابر مفعول ثان مقدم ليمكروا . واللام لام كي ، والتقدير : جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر فيتعلق الجار والمجرور بالفعل . وقيل : أكابر مفعول أول . ومجرميها بدل منه{[1268]} .
والأكابر ، جمع أكبر مثل أفضل أفاضل . وأسود أساود . والمراد بمجرميها : فساقها من رؤوس الكفر والضلال والعصيان . وهذه هي سنة الله الظاهرة في الحياة والمجتمعات ، أن يكون المجرمون في كل قرية أو بلد أكابر فساقه ومجرميه . لكن المؤمنين المصدقين – في أغلب الأحوال – يكونون من الضعفاء والفقراء والبسطاء ، لكنهم هم الذين كتب الله لهم النصر وجعل لهم حسن الثواب والعاقبة في هذه الدنيا حيث النصر . وفي الآخرة حيث الجنة والرضوان . ومثل هذه الحقيقة نقف عليها بالملاحظة والتدبر والاستقراء لتعلم أن أكابر الأمصار والأقطار هم من المجرمين العتاة أو الجبابرة العصاة سواء كانوا من الساسة والقادة والحكام أو كانوا من المفكرين أولي النظريات والفلسفات الزائفة الجانحة عن صراط الله ، المناهضة لمنهجه العظيم . وقد خص الله الأكابر ، لأنهم أقدر على الإفساد والتحيل والمكر والكيد . وذلك لسطوتهم ورئاستهم وقوة مكانتهم في الناس . فهم بذلك يستتبعون الضعفاء والمحاويج لجانبهم فيستخفونهم لطاعتهم استخفافا . وفي زمن النبوة كان هؤلاء الفساق المجرمين يجلسون على طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس . عن الإيمان برسول الله ولينفروهم من الإسلام . وهذا ما يحدث للإسلام في كل زمان . إذ يتصدى أكابر المجرمين من ساسة وقادة وحكام متسلطين وأولي فكر مضلل مقبوح ، ونظريات شائهة كاذبة ، وأقلام مأجورة للظالمين والشياطين – يتصدون للإسلام بالتضليل والافتراء أو يتصدون للمسلمين فيذيقونهم النكال والويل والتعذيب .
قوله : { ليمكروا فيها } المكر معناه الاحتيال والخديعة والمكر والختل والغدر نظائر{[1269]} اللام لام كي ، وهو ما بيناه سابقا . وقيل اللام لام العاقبة . ويسمى لام الصيرورة . والتقدير : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليطيعوني ويمتثلوا أمري وكان عاقبتهم أن يمكروا بالمؤمنين وخدعوهم وكادوا بهم لينكلوا بهم ويقضوا عليهم أو يجعلوهم عالة صاغرين مستضعفين .
قوله : { وما يمكرون إلا بأنفسهم } هؤلاء الماكرين الذين يخادعون الإسلام والمسلمين ، والذين يأتمرون بالمسلمين لينكلوا بهم أو يقتلوهم أو يبددوا كلمتهم وشملهم لسوف يحيق بهم هذا المكر الغادر . إذ يجعل الله الدائرة عليهم أو يصيبهم من قوارع الدنيا وكوارثها ما يزلزلهم ويدمر عليهم حتى يصيروا إلى أتعس مآل من الشقاوة والمرض والعيش الآسن المنكود .
قوله : { وما يشعرون } هؤلاء المجرمون المفسدون في الأرض سادرون في غيهم وضلالهم ، لاهون عن مصيرهم الرهيب المحتوم ، وساهون عن مآلهم المظلم الذي ينتظرهم . حتى إذا انتقم الله منهم أو أخذهم أخذ عزيز مقتدر تذكروا وعضهم الاستيئاس والندم ولات حين مندم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.