{ أو من كان ميتا فأحييناه } ضالا كافرا فهديناه { وجعلنا له نورا } دينا وإيمانا { يمشي به في الناس } مع المسلمين مستضيئا بما قذف الله في قلبه من نور الحكمة والإيمان { كمن مثله } كمن هو { في الظلمات } في ظلمات الكفر والضلالة { ليس بخارج منها } ليس بمؤمن أبدا نزلت في أبي جهل وحمزة بن عبد المطلب { كذلك } كما زين للمؤمنين الإيمان { زين للكافرين ما كانوا يعملون } من عبادة الأصنام
ولما كان معنى التحذير من طاعة المشركين أنكم إن فعلتم كنتم قد رددتم أنفسكم إلى ظلام الضلال بعد أن منحتم نور الهداية ، فكان التقدير : أ{[31026]} فمن كان هكذا{[31027]} كان{[31028]} كمن نصح لنفسه باتباع الأدلة وتوقي الشبه ، عطف عليه قوله : { أو من كان ميتاً } أي بالغرق في أمواج ظلام الكفر ، ليس لهم من ذواتهم إلا الجمادية بل العدمية { فأحييناه } أي بما لنا من العظمة بإشراق أنوار الإيمان على قبله الذي إن صلح صلح الجسد كله ، وإن فسد فسد الجسد كله { وجعلنا } أي بعظمتنا على وجه الخصوص { له نوراً } أي بالهداية إلى كل خير { يمشي } مستضيئاً { به في الناس } فيعرفون أفعاله وأخلاقه وأقواله { كمن مثله } أي الذي يمثل به ، وهو ما ينكشف{[31029]} بوجه الشبه روح لبه و{[31030]} خلاصة حال قلبه ، حال قلبه ، أو يكون المعنى : صفته أنه { في الظلمات } أي ما له من نفسه من ظلمة الجهل وظلمة ما ينشأ عنه من الهوى وظلمة ما نشأ عن الهوى من الكفر ، وإذا كان المثل الذي هو الأعلى من الممثول في شيء كان الممثول عريقاً فيه بطريق الأولى ، فلذلك قال : { ليس بخارج } أي ذلك المثل { منها } أي الظلمات بما زين له من سوء أعماله حتى صارت{[31031]} أحب إليه من نفسه وماله ، وإذا لم يخرج المثل من شيء لم يخرج الممثول منه وإلا لم تكن بينهما مماثلة ، و{[31032]} ذلك لأنه{[31033]} زين له عمله ، وهي ناظرة إلى قوله أول السورة { إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله }[ الأنعام : 36 ] وقوله : { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات }[ الأنعام : 39 ] .
ولما كان إيحاء الشياطين إلى أوليائهم مما يوجب لزوم العمى ليس إلاّ تزييناً للقبائح{[31034]} ، فكان حالهم مما يشتد العجب منه ، كان كأنه قيل : لولا رؤيتنا لحالهم ما صدقنا{[31035]} أن عاقلاً يرضى ما فعلوه{[31036]} بأنفسهم ، فهل وقع{[31037]} لأحد قط{[31038]} مثل حالهم ؟ فقيل : نعم { كذلك } أي مثل{[31039]} ما زين لهم سوء أعمالهم { زين للكافرين } أي كلهم { ما كانوا } بما جبلناهم{[31040]} عليه { يعملون * } فهم أبداً في الظلمات ، فالآية من الاحتباك : أثبت{[31041]} أولاً كونه في الظلمات دليلاً على تقديره ثانياً ، وثانياً التزيين دليلاً على تقديره أولاً .
قوله تعالى : { أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت ليس بخارج منها كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون } .
قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في حمزة وأبي جهل ، إذ رمى الرسول بفرث{[1264]} فأخبر بذلك حمزة حين رجع من قنصه وبيده قوس ، وكان ذلك قبل أن يسلم ، فغضب وعلا بها أبا جهل وهو يتضرع إليه ويقول : سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا . فقال حمزة : ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله وأسلم{[1265]} وقيل : نزلت في كل مؤمن وكافر .
الهمزة للاستفهام الإنكاري : وقرأ الجمهور الواو بالفتح . وقرأها بعضهم بالسكون من ، اسم موصول في محل رفع مبتدأ . والكاف في قوله : { كمن } خبره{[1266]} . والمراد بالميت هنا الكافر ، فقد أحياه الله بالإسلام . وقيل : كان نطفة فأحياه الله بنفخ الروح فيه . والتأويل الأول أولى لإشعار السياق بذلك . فالمقصود التنفير من اتباع المشركين لأنهم على الكفر وهو عين الباطل . وما يتبع الباطل إلا كل عات جحود ، أو عتل مستكبر كنود . فإن الذي يعرض عن دعوة الله ويستنكف عما يهتف به النبيون والمصلحون والدعاة إلى الله الذين يبلغون الناس رسالة الله ، لا جرم أنه صنو الميت . فكللاهما يخرجان من وهدة سحيقة غائرة واحدة . تلك هي وهدة الظلام والجهالة . وهدة التبلد والموات وركود الذهن . وذلكم الموت الذي لا يسفر عن علم ولا نور ولا هداية ، والمراد به هنا الكفر حيث التخبط والظلم والمرض . والمراد بالنور : الهداية . وقيل : القرآن . والمقصود هو نور الحق من الإسلام الذي جعله الله هداية للناس .
قوله : { كمن مثله في الظلمت } مثله ، مبتدأ مرفوع . وخبره في الظلمات . والجملة صلة لمن . والظلمات جمع ظلمة . وقيل : مجاز عن الكفر . والمعنى : أنه لا يستوي من كان كافرا ثم أحياه الله بالإيمان وجعل الله له نورا وهو الإسلام يمشي به في الناس مستنيرا ومهتديا وداعيا إليه الناس – لا يستوي هو والذي في الظلمات سادرا تائها يتخبط لا يهتدي إلى الصواب ولا يعرف أين السبيل . وشأن هذا كالذي يخبط في الظلمة الحالكة ليهيم على وجهه ضائعا متعثرا . شأنه شأن الكافرين الضالين يهيمون في غياهب الكفر على اختلاف أنواعه ، لا جرم أنهما لا يستويان . لا يستوي المؤمن المهتدي والكافر المتعثر الضال . فالمؤمن مطمئن ومستيقن ومستنير . والكافر تائه وحائر وجهول . وعلى هذا فإن المؤمنين الذين أشربت نفوسهم وأذهانهم معاني الإسلام بكل قيمه وتصوراته وموازينه ، لا شك أنهم راضون وماضون في طريقهم المستنير اللاحب . لكن الكافرين على اختلاف نحلهم ومللهم وتصوراتهم أشبه بالمضللين الحيارى السادرين في الظلام الذين لا يجاوزون ضلالهم المنقطع إلا إلى المهالك والشقوة وسوء المصير .
قوله : { ليس بخارج منها } في محل نصب الحال . أي حال الكافر الضال الذي هوى الظلمات فهام على وجهه تائها سادرا لا يعرف كيف الخروج أو الخلاص .
قوله : { كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون } الكاف في اسم الإشارة في محل نصب صفة للمصدر . والتقدير : زين للكافرين مثل ذلك التزيين أي الشيطان لهؤلاء الكافرين أعمالهم من الشرك وعبادة الأصنام وهو قول ابن عباس . وقيل : زين الشيطان للكافرين الكفر فعملوا به كما زين الله الإيمان للمؤمنين فعملوه{[1267]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.