الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} (42)

{ إذ أنتم بالعدوة الدنيا } نزول بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة وعدوكم نزول بشفير الوادي الأقصى إلى مكة { والركب } أبو سفيان وأصحابه وهم أصحاب الابل يعني العير { أسفل منكم } إلى ساحل البحر { ولو تواعدتم } للقتال

43 44 { لاختلفتم في الميعاد } لتأخرتم فنقضتم الميعاد لكثرتهم وقلتكم { ولكن } جمعكم الله من غير ميعاد { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } في علمه وحكمه من نصر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } أي فعل ذلك ليضل ويكفر من كفر من بعد حجة قامت عليه وقطعت عذره ويؤمن من آمن على مثل ذلك وأراد بالبينة نصرة المؤمنين مع قلتهم على ذلك الجمع الكثير مع كثرتهم وشوكتهم { وإن الله لسميع } لدعائكم { عليم } بنياتكم

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} (42)

ولما ذكر لهم يوم ملتقاهم ، صور لهم حالتهم الموضحة للأمر المبينة{[35008]} لما كانوا فيه من اعترافهم بالعجز تذكيراً لهم بذلك ردعاً عن المنازعة ورداً إلى المطاوعة فقال مبدلاً من { يوم الفرقان } { إذ أنتم } نزول { بالعدوة الدنيا } أي القربى إلى{[35009]} المدينة { وهم } أي المشركون نزول { بالعدوة القصوى } أي البعدى منها القريبة إلى البحر ، والقياس قلب واوه ياء ، وقد جاء كذلك إلا أن هذا أكثر {[35010]}كما كثر{[35011]} استصوب وقلّ استصاب ، والعدوة - بالكسر في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب ، وبالضم في قراءة غيرهم{[35012]} : جانب الوادي وشطه ، ومادتها - بأي ترتيب كان - تدور على الاضطراب ويلزمه{[35013]} المجاورة والسكون والإقبال والرجوع والاستباق والمحل القابل لذلك ، {[35014]}فكأنها الموضع{[35015]} الذي علا عن محل فكان السيل موضعاً للعدو { والركب } أي العير الذي فيه المتجر الذي خرجتم لاقتطاعه ورئيس جماعته أبو سفيان ، ونصب على الظرف قوله : { أسفل منكم } أي أيها الجمعان إلى جانب البحر على مدى من قرية تكادون تقعون عليه وتمدون أيديكم إليه مسافة ثلاثة أميال{[35016]} - كما قال البغوي ، وهو كان قصدكم وسؤلكم ، فلو كانت لكم قوة على طرقه لبادرتم إلى الطرف وغالبتم عليه الحتف ، ولكن منعكم{[35017]} من إدراك مأمولكم منه من كان جاثماً بتلك العدوة جثوم الأسد واثقاً بما هو فيه من القوى والعدد كما قال صلى الله عليه وسلم لسلمة بن سلامة بن وقش رضي الله عنه - لما قال في تحقيرهم بعد قتلهم وتدميرهم : إن وجدنا إلا عجائز صلعاً ، ما هو إلا أن لقيناهم{[35018]} فمنحونا أكتافهم - جواباً له " أولئك يا ابن أخي الملأ لو رأيتهم لهبتهم ولو أمروك لأطعتهم " مع استضعافكم لأنفسكم عن مقاومتهم لولا رسولنا يبشركم وجنودنا تثبتكم ، {[35019]}وإلى مثل هذه المعاني أشار تصوير مكانهم ومكان الركب إيماء إلى ما كان فيه العدو من قوة الشوكة وتكامل العدة وتمهد أسباب الغلبة وضعف حال المسلمين وأن ظفرهم في مثل هذا الحال ليس إلا صنعاً من الله{[35020]} ، وما في البيضاوي تبعاً للكشاف من أن العدوة الدنيا كانت تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها تقدم رده أول السورة بأن المشهور في صحيح مسلم والسير{[35021]} وغيرها أن المؤمنين هم السابقون إلى الماء ، وأن جميع أرض ذلك المكان كانت رملاً تسوخ فيه الأقدام ، فأتى المسلمين{[35022]} به من المطر ما لبد لهم الأرض ، وأتى المشركين منه ما لم يقدروا معه على الحركة { ولو تواعدتم } أي أنتم وهم على الموافاة إلى تلك المواضع في آن واحد { لاختلفتم في الميعاد } أي لأن العادة{[35023]} قاضية بذلك لأمرين : أحدهما بعد المسافة التي كنتم بها منها{[35024]} وتعذر توقيت سير كل فريق بسير صاحبه ، والثاني كراهتكم للقائهم لما وقر{[35025]} في أنفسهم من قوتهم وضعفكم ، وقد كان الذي كرّه إليكم لقاءهم قادر على أن يكره إليهم لقاءكم ، فيقع الاختلاف من جهتهم كما كان في بدر الموعد ، وأما في هذه الغزوة فدعاهم من حماية غيرهم داع لم يستطيعوا التخلف معه ، وطمس الله بصائرهم وقسى قلوبهم مع قول أبي جهل الذي كان السبب الأعظم في اللقاء لمن عرض عليه المدد بالسلاح والرجال{[35026]} : إن كنا نقاتل الناس فما بنا ضعف عنهم ، وإن كنا إنما نقاتل - كما يزعم محمد - الله فما لأحد بالله من طاقة ، وقوله أيضاً في هذه{[35027]} الغزوة للأخنس بن شريق : إن محمداً صادق وما كذب قط ، فعل الله ذلك لما علم في ملاقاتهم لكم من إعلاء كلمته وإظهار دينه { ولكن } أي دبر ذلك سبحانه حتى توافيتم إلى موطن{[35028]} اللقاء كلكم في يوم واحد من{[35029]} غير ميعاد ولم تختلفوا {[35030]}في موافاة{[35031]} ذلك الموضع مع خروج ذلك عن العادة لكونه أتقن أسبابه ، فأطمعكم في العير أولاً مع ما أنتم فيه من الحاجة ثم وعدكم إحدى الطائفتين مبهماً وأخرج قريشاً لحماية عيرهم إخراجاً لم يجدوا منه بداً ، ولما نجت عيرهم أوردهم الرياء والسمعة والبطر بما هم فيه من الكثرة والقوة كما قال أبو جهل : لا نرجع حتى نرد بدراً فننحر بها الجزور ونشرب الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم من حضرنا من العرب فلا يزالون يهابوننا مدى الزمان -{[35032]} { ليقضي الله } أي الذي له جميع الأمر من إعزاز دينه بإعرازكم وإذلالهم { أمراً كان } كما تكون الجبلات والطبائع في التمكن والتمام { مفعولاً } أي مقدراً في الأزل من لقائهم{[35033]} وما وقع فيه من قتلهم وأسرهم على ذلك الوجه العظيم فهو مفعول لا محالة ليتبين به أيمان من آمن باعتماده على الله وتصديقه بموعده{[35034]} وكفر من كفر .

ولما علل ذلك التدبير في اللقاء بقوله : { ليقضي الله }{[35035]} علل تلك العلة بقوله : { ليهلك } أي بعد رؤية ذلك القضاء الخارق للعادة { من هلك } أي من الفريقين{[35036]} : الكفار في حالة القتال وبعدها ، والمسلمين هلاكاً متجاوزاً و{[35037]} ناشئاً { عن } حالة { بينة } لما بان من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الوقعة في كل ما وعد به وكذب الكفار في كل ما كانوا يقولونه قاطعين به مع أن ظاهر الحال يقضي لهم ، فكان ذلك من أعظم المعجزات { ويحيى من حيّ } أي بالإسلام حياة هي في أعلى الكمال بما تشير إليه قراءة نافع والبزي عن ابن كثير وأبي بكر عن عاصم بإظهار الياءين ، أو في أدنى الكمال بما يشيرإليه إدغام الباقين تخفيفاً حياة متجاوزة وناشئة { عن } حالة { بينة } أي كائنة بعد البيان في كون الكافرين على باطل والمؤمنين على حق لما سيأتي من أنهم كانوا يقولون

{ عن هؤلاء دينهم }[ الأنفال : 49 ] فحينئذ تبين المغرور وكشفت{[35038]} عجائب المقدور عن أعين القلوب المستور .

ولما كان التقدير : فإن الله في فعل ذلك لعزير حكيم ، عطف عليه قوله : { وإن الله لسميع } أي لما كنتم تقولونه وغيره{[35039]} { عليم* } بما كنتم تضمرونه وغيره فاستكينوا لعظمته وارجعوا عن منازعتكم لخشيته ،


[35008]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ فحذفناها.
[35009]:زيد من ظ.
[35010]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35011]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35012]:وبالفتح أيضا في قراءة الحسن وقتادة وزيد بن علي وعمرو بن عبيد.
[35013]:من ظ، وفي الأصل: يلزم.
[35014]:في ظ: فإنها المرجع.
[35015]:في ظ: فإنها المرجع.
[35016]:من ظ ومعالم التنزيل 3/30، وفي الأصل: أيام.
[35017]:في ظ: منعتم.
[35018]:في ظ: لقينا.
[35019]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35020]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35021]:زيد من ظ.
[35022]:في ظ: المسلمون.
[35023]:في ظ: العادية.
[35024]:زيد من ظ.
[35025]:في ظ: قفر.
[35026]:في ظ: للرجال.
[35027]:في ظ: عدة.
[35028]:من ظ، وفي الأصل: مواطن.
[35029]:في ظ: عن.
[35030]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35031]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35032]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[35033]:من ظ، وفي الأصل: لقايكم.
[35034]:في ظ: موعوده.
[35035]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[35036]:من ظ، وفي الأصل: فريقي.
[35037]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[35038]:من ظ، وفي الأصل: كشف.
[35039]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} (42)

قوله تعالى : { إذ أنتم بالعداوة الدنيا وهم بالعداوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم } .

{ إذ } ، بدل من قوله : { يوم الفرقان } { والركب } اسم للجمع وليس بجمع تكسير لراكب{[1666]} .

ذلك تذكير من الله لعباده المؤمنين بلقاء أعدائهم المشركين في بدر ؛ أي اذكروا إذ أنتم نزول { بالعداوة الدنيا } أي بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة ، والدنيا تأنيث الأدنى { وهم بالعدة القصوى } يريد أعداءهم المشركين ؛ إذ كانوا بشفير الوادي الأقصى من المدينة . والقصوى تأنيث الأقصى . وإذ ذاك كان الركب وهم أبو سفيان وأصحابه والعير التي معه { أسفل منكم } أي في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر على عدة أميال من بدر .

قوله : { ولو تواعدهم لاختلفتم في الميعاد } وذلك أن المسلمين خرجوا ليأخذوا العير ، وخرج الكفار ليمنعوها فالتقى الجمعان على غير ميعاد . ولو أنهم تواعدوا قبل ذلك على الاجتماع ثم علم المسلمون كثرة المشركين وقتلهم هم لخالفوا موعدهم معهم ، فما اجتمعوا وما التقوا . لكن الله جل وعلا قدر لهم أن يتلاقوا { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } أي ليقضي أمرا من نصر دينه وإعزاز كلمته وهدم الكافرين وإذلالهم . وقيل : أي كان أمرا مقدرا في الأزل .

قوله : { ليهلك من علك عن بينة ويحيي من حي عن بينة } أي ليقتل من قتل من الكافرين عن بيان من الله رآه ، وحجة قامت عليه وإعذار بالرسالة . وكذلك ليعيش من عاش عن بيان من الله وإعذار ، ليس لأحد عليه حجة . وقيل : معناه الكفر من كفر بعد قيام الحجة عليه . ويؤمن من آمن على مثل ذلك . وبذلك فإن الهلاك معناه الكفر ، والحياة معناها الإيمان .

قوله : { وإن الله سميع عليم } الله سميع لما يقول الناس ، مؤمنين وكافرين ، وهو كذلك عليم بما تخفيه صدورهم من المكنون والنوايا{[1667]} .


[1666]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 388.
[1667]:البحر المحيط جـ 4 ص 500، 501 وتفسير البغوي جـ 2 ص 252.