{ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } أي لا توارث بينكم وبينهم ولا ولاية والكافر ولي الكافر دون المسلم { إلا تفعلوه } إلا تعاونوا وتناصروا وتأخذوا في الميراث بما أمرتكم به { تكن فتنة في الأرض } شرك { وفساد كبير } وذلك أن المسلم إذا هجر قريبه الكافر كان ذلك أدعى إلى الاسلام فإن لم يهجره وتوارثه بقي الكافر على كفره
ولما بين شرط موالاة المسلم ، بين مولاة الكافر وما يجب من مناظرتهم{[35450]} ومباراتهم فيها ، وأنه لا شرط لها غير مطلق الكفر فإنه وإن اختلفت أنواعه وتباعدت أنحاؤه - يجمعه عداوة الله و{[35451]} ولاية الشيطان فقال : { والذين كفروا } أي أوجدوا هذا الوصف على أي حال كانوا فيه { بعضهم أولياء بعض } أي في الميراث والنصرة وغيرهما ، وهو خبر محض مشير إلى نهي المسلم عن موالاتهم ، وأما الذي مضى في حق المؤمنين فهو أمر في صورة الخبر وصيغته ، يعني أن في كل من الكفار قوة الموالاة للآخر عليكم والميل العظيم الحاث لهم{[35452]} على المسارعة في ذلك وإن اشتدت عداوة بعضهم لبعض لأنكم حزب وهم حزب ، يجمعهم داعي الشيطان بوصف الكفران كما يجمعكم داعي الرحمن بوصف الإيمان ، قال أبو حيان : كانوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يعادي أهل الكتاب منهم قريشاً ويتربصون بهم الدوائر ، فصاروا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يوالي بعضهم بعضاً و{[35453]} إلباً واحداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى . وما ذكره مذكور في السير مشهور عند أهل الأثر { إلا تفعلوه } أي مثله من تولي المؤمنين ومعاداة الكافرين كما يفعل الكفار بالتعاضد والتعاون بالنفس والمال كما أرصدوا مال العير الذي فاتكم حتى استعانوا به على قتالكم في أحد ، فاللائق بكم{[35454]} أن تكونوا أعظم منهم في ذلك ، لأنهم يريدون بذلك رم واهي دنياهم الفانية وأنتم تبنون آخرتكم الباقية ، وداعيكم ولي غنى وداعيهم عدو دنى فضلاً عن أن تنزلوا إلى حضيض التنازع في الغنائم { تكن فتنة } أي عظيمة { في الأرض } اي خلطة مميلة للمقاصد عن وجوهها { وفساد كبير* } أي{[35455]} ينشأ عن تلك الفتنة ، والكبير ناظر إلى العظم ، وقرىء شاذاً بالمثلثة فيكون عظمه حينئذ مخصوصاً بالأنواع ، وبيان الفساد أنه إذا قارب المؤمن الكافر والكافر المؤمن وتناصروا أو ترك المؤمنون التناصر فيما بينهم انخّل النظام فاختل كل من النقض والإبرام ، فاختلف الكلام فتباعدت القلوب ، فتزايدت الكروب ، فالواجب عليكم أن تكونوا إلباً{[35456]} واحداً ويداً واحدة في الموالاة وتقاطعوا{[35457]} الكفار بكل اعتبار ليقوم أمركم وتطيب حياتكم ، وتصلح غاية الصلاح دنياكم وآخرتكم ، والآية شاملة لكل ما يسمى تولياً{[35458]} حتى في الإرث وقتال الكفار ومدافعة المسلمين بالأمر والإنكار ، ولما ترك بعض العلماء إعانة بعض فئة حصل ما خوف الله تعالى منه من الفتنة والفساد حتى صار الأمر إلى ما ترى من علو المفسدين وضعف أهل الدين ، فالأمر بالمعروف فيهم{[35459]} في غاية الذل والغربة ، يرد عليه أدنى الناس فلا يجد{[35460]} له ناصراً ، ويجد ذلك الآخر له على الرد أعواناً كثيرة{[35461]} ، وصار أحسن الناس حالاً مع الأمراء وأعظمهم له محبة من يقنع بلومه على فعله ظناً منه أن ذلك شفقة عليه - والله المستعان .
قوله : { والذين كفروا بعضهم أولياء بضع } أي أن الكافرين بعضهم أعوان بعض وأنصاره . وبعضهم أحق ببعض من المسلمين . فبعضهم أحق ببعض في النصرة والعون وفي الميراث ، هم أحق ببعضهم في ذلك من قرابتهم من المسلمين . وبذلك قطع الله الولاية بين الكفار والمؤمنين فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، والكفار بعضهم أولياء بعض ، يتناصرون بدينهم ويتعاملون تبعا لملتهم . وعلى هذا لا يكون مؤمنا من كان مقيما بدار الحرب ولم يهاجر . وقد ذكر أن الرجل كان ينزل بين المسلمين والمشركين ، يقول إن ظهر هؤلاء كنت معهم . وإن ظهر هؤلاء كنت معهم ، فأبى الله عليهم ذلك . وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين ) ثم قال : ( لا يتراءى نارهما ) ، وأخرج أبو داود عن حبيب بن سليمان بن سمرة بن جندب قال : ما بعد ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من جامع المشرك وسكن معه فغنه مثله ) .
وفي انقطاع الولاية بمعنى الميراث ، بين المسلم والكفار أخرج الحاكم في مستدركه عن أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يتوارث أهل ملتين ، ولا يرث مسلم كافرا ، ولا كافرا مسلم ) ثم قرأ : { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } . وفي المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يتوارث أهل ملتين شتى ) .
قوله : { إلا تفعلوه تكن فتنة في ارض وفساد كبير } { تكن } ، تامة بمعنى : تقع . وهي لا تفتقر إلى خبر . وفتنة مرفوعة به ارتفاع الفاعل بفعله{[1702]} . يعني إذا لم تفعلوا ما أمرتكم بع من التعاون بينكم ، والنصرة على الدين { تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } والمراد بالفتنة هنا ، اختلاط المسلمين بالكافرين في الوقت الذي يكون فيه البأس والشوكة للكفر والكافرين ، لا جرم أن ذلك سبب كبير وجد خطير يفضي في الغالب بالمسلمين تحت سطوة الشرك أن يصيروا مشركين ، أو يتبدل فيهم كثير من سمات الإسلام بقيمه وأخلاقه وخصاله ؛ فيكونوا نظراء الكافرين أنفسهم . وذلك هو شأن المسلم الذي يستظل بظل الكفر والكافرين إذا لم يجد لنفسه من حوله من صحبة المسلمين من يؤنسه ويذكره بأمور دينه ، فلسوف تجتاحه محاذير التفكك والانحلال من ربقة الإسلام شيئا فشيئا . وتلكم فتنة كبيرة . وذلكم فساد عريض . لكن المسلم إذا بات في بلده وأهله غير آمن على نفسه من عدوان الظالمين المتسلطين من حكام المسلمين . الحكام الطغاة المجرمين الذين يسوسون المسلمين بالقهر والقسر والطغيان ، ويحكمون بغير ما أنزل الله ؛ فلا حرج عليه عندئذ وفي مثل هذا الظرف العجيب الغريب الذي يهجر فيه المسلم بلده ليأوي إلى ديار الكافرين حيث الأمن والاستقرار . والمسلم في ذلك إنما يختار لنفسه أهون الضررين{[1703]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.