قوله تعالى : " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح " هذا متصل بقوله : " يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء " [ النساء : 153 ] ، فأعلم تعالى أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كأمر من تقدمه من الأنبياء . وقال ابن عباس فيما ذكره ابن إسحاق : نزلت في قوم من اليهود - منهم سكين وعدي بن زيد - قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ما أوحى الله إلى أحد من بعد موسى فكذبهم الله . والوحي إعلام في خفاء ، يقال : وحى إليه بالكلام يحي وحيا ، وأوحى يوحي إيحاء . " إلى نوح " قدمه لأنه أول نبي شرعت على لسانه الشرائع . وقيل غير هذا ، ذكر الزبير بن بكار حدثني أبو الحسن علي بن المغيرة عن هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال : أول نبي بعثه الله تبارك وتعالى{[5137]} في الأرض إدريس واسمه أخنوخ{[5138]} ، ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله نوح بن لمك{[5139]} بن متوشلخ{[5140]} بن أخنوخ ، وقد كان سام بن نوح نبيا ، ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله إبراهيم نبيا واتخذه خليلا ، وهو إبراهيم بن تارخ واسم تارخ آزر ، ثم بعث إسماعيل بن إبراهيم فمات بمكة ، ثم إسحاق بن إبراهيم فمات بالشام ، ثم لوط وإبراهيم عمه ، ثم يعقوب وهو إسرائيل بن إسحاق ثم يوسف بن يعقوب ثم شعيب بن يوبب{[5141]} ، ثم هود بن عبدالله ، ثم صالح بن أسف ، ثم موسى وهارون ابنا عمران ، ثم أيوب ثم الخضر وهو{[5142]} خضرون ، ثم داود بن إيشا ، ثم سليمان بن داود ، ثم يونس بن متى ، ثم إلياس{[5143]} ، ثم ذا الكفل واسمه عويدنا من سبط يهوذا بن يعقوب ، قال : وبين موسى بن عمران ومريم بنت عمران أم عيسى ألف سنة وسبعمائة سنة وليسا من سبط{[5144]} ؛ ثم محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب النبي صلى الله عليه وسلم . قال الزبير : كل نبي ذكر في القرآن من ولد إبراهيم غير إدريس ونوح ولوط وهود وصالح . ولم يكن من العرب أنبياء إلا خمسة : هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين{[5145]} ؛ وإنما سموا عربا ؛ لأنه لم يتكلم بالعربية غيرهم .
قوله تعالى : " والنبيين من بعده " هذا يتناول جميع الأنبياء ثم قال : " وأوحينا إلى إبراهيم " فخص أقواما بالذكر تشريفا لهم ؛ كقوله تعالى : " وملائكته ورسله وجبريل وميكال{[5146]} " ثم قال : " وعيسى وأيوب " قدم عيسى على قوم كانوا قبله ؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب ، وأيضا فيه تخصيص عيسى ردا على اليهود . وفي هذه الآية تنبيه على قدر نبينا صلى الله عليه وسلم وشرفه ، حيث قدمه في الذكر على أنبيائه ، ومثله قوله تعالى : " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح{[5147]} " [ الأحزاب : 7 ] ؛ ونوح مشتق من النوح ، وقد تقدم ذكره موعبا في " آل عمران{[5148]} " وانصرف وهو اسم أعجمي ؛ لأنه على ثلاثة أحرف فخف ؛ فأما إبراهيم وإسماعيل وإسحاق{[5149]} فأعجمية وهي معرفة ولذلك لم تنصرف ، وكذا يعقوب وعيسى وموسى إلا أن عيسى وموسى يجوز أن تكون الألف فيهما للتأنيث فلا ينصرفان في معرفة ولا نكرة ؛ فأما يونس ويوسف فروي عن الحسن أنه قرأ " ويونس " بكسر النون وكذا " يوسف " يجعلهما من آنس وآسف ، ويجب على هذا أن يصرفا ويهمزا ويكون جمعهما يآنس ويآسف . ومن لم يهمز قال : يونس ويوسف . وحكى أبو زيد : يونس ويوسف بفتح النون والسين . قال المهدوي : وكأن " يونس " في الأصل فعل مبني للفاعل ، و " يونس " فعل مبني للمفعول ، فسمي بهما .
قوله تعالى : " وآتينا داود زبورا " الزبور كتاب داود وكان مائة وخمسين سورة ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام ، وإنما هي حكم ومواعظ ، والزبر الكتابة ، والزبور بمعنى المزبور أي المكتوب ، كالرسول والركوب والحلوب . وقرأ حمزة " زبورا " بضم الزاي جمع زبر كفلس وفلوس ، وزبر بمعنى المزبور ، كما يقال : هذا الدرهم ضرب الأمير أي مضروبه ، والأصل في الكلمة التوثيق ، يقال : بئر مزبورة أي مطوية بالحجارة ، والكتاب يسمى زبورا لقوة الوثيقة به . وكان داود عليه السلام حسن الصوت ، فإذا أخذ في قراءة الزبور اجتمع إليه الإنس والجن والطير والوحش لحسن صوته ، وكان متواضعا يأكل من عمل يده ، روى أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال : أن كان داود صلى الله عليه وسلم ليخطب الناس وفي يده القفة من الخوص ، فإذا فرغ ناولها بعض من إلى جنبه يبيعها ، وكان يصنع الدروع ، وسيأتي{[5150]} . وفي الحديث : ( الزرقة في العين يمن ) وكان داود أزرق .
قوله تعالى : ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا ) نزلت في قوم من اليهود قالوا للنبي ( ص ) : ما أوحى الله إلى أحد من بعد موسى . وهم يرومون بذلك أن يظلموا معاندين فلا يؤمنون إلا قليلا ، ولا يحفزهم إلى مثل هذا النفي المكابر إلا الرغبة اللئيمة في النكران والمعاندة والتصدي للحق وأنصاره لا يحفزهم لذلك غير الحسد الأسود المركوم قوله : ( وأوحينا ) من الوحي ومعناه التكليم خفية . وهو من الفعل وحى يحي . نقول : وحى إلى فلان أي أشار إليه أو كلمه سرا{[857]} . وفي هذه الآية دفع لمقالة الكاذبين من اليهود الذين زعموا أن الله لم يبعث رسلا من بعد موسى ، أو الذين غلوا بأشد من ذلك إفراطا ونكرا فقالوا : إن الله لم يبعث رسلا البتة ، فقد دفع مقالة هؤلاء المفترين جميعا ليؤكد في إيقان راسخ أنه سبحانه قد أوحى إلى نبيين كثيرين منهم أنت يا محمد . وقد أوحى إلى غيرك مثلما أوحي إليك ، فأوحى إلى أبي البشر الثاني نوح ، هذا النبي الذي احتمل من قومه أذى كثيرا واصطبر على نكرانهم وكفرانهم في مجالدة لا يقوى على احتمالها إلا من كان مثله عليه السلام . وأوحى الله أيضا إلى النبيين من بعده من غير ذكر لأسمائهم جميعا فهم كثيرون ولا يعلم عددهم إلا من بعثهم جل وعلا . لكنه سبحانه قد بين عددا من النبيين المرسلين الذين أوحي إليهم منهم : إبراهيم وقد اتخذه الله خليلا . من الخلة وهي الدرجة العالية والمرتبة الرفيعة التي أوتيها هذا النبي الأجلّ ؛ وذلك لعظيم إيمانه وعزمه وقوة احتماله واصطباره ولكامل ركونه إلى الله وتوكله عليه . ثم إسماعيل عليه السلام وهو ولد إبراهيم الذي ولد بمكة حيث ترعرع ومات وقد شارك أباه الخليل في بناء الكعبة وكانت أمه من العرب وهو الذبيح الذي جرت بسببه المعجزة حتى فداه الله بكبش عظيم . ثم إسحاق وهو ولد إبراهيم عليهما الصلاة والسلام وأمه سارة ، وقد ترجح أنه عاش في فلسطين حيث مات ودفن . ثم يعقوب أو إسرائيل وهو من ولد إسحاق . ومن نسله جاء اليهود وانتشروا ونسبة إليه يسمون " بنو إسرائيل " ثم الأسباط ومفردها سبط بكسر السين ومعناه ولد الولد . فالأسباط يراد بهم الأنبياء الذين جاءوا من نسل يعقوب عليه السلام . ثم عيسى وهو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم الطاهرة البتول فحملت به من غير مس بإذن الله . ثم أيوب النبي الصابر الذي كان مثالا يحتذى في قوة الجلد والاحتمال والاصطبار على المكاره التي أصابته في بدنه وماله وولده من غير أن يئن أو يشكو أو يتزعزع . ثم يونس وهو ذو النون ، أي صاحب الحوت ، وهو الذي ضاق بقومه ، فلم يصطبر عليهم حتى ذهب مغاضبا ، ويمم شطر البحر ، فابتلعه الحوت ، فلبث في ظلام بطنه أياما ، فدعا الله منيبا إليه إلى أن قذفه الحوت بالساحل ، وأنبت الله عليه شجرة يقطين ، ثم ذهب إلى قومه بإيمان وعزيمة جديدين ليدعوهم من جديد فأمنوا له جميعا . ثم هارون وهو أخو موسى الكليم عليهما السلام وقد بعثه الله رسولا ليكون هاديا لبني إسرائيل وكان في ذلك استجابة لدعاء موسى ؛ إذ دعا ربه ليرسل معه أخاه هارون عونا له في أداء هذه المهمة الثقيلة الجليلة .
وكذلك سليمان وهو من أنبياء بني إسرائيل وقد منّ الله عليه ؛ إذ علمه منطق الطير وآتاه من أسباب القوة والمنعة ما مكن له في الأرض تمكينا ، وقصته في القرآن وافية ومثيرة ، منها إتيانه على وادي النمل ، ولقاؤه مع ملكة سبأ ، وغير ذلك من أخبار .
وقوله : ( وآتينا داود زبورا ) وداود نبي كريم من أنبياء بني إسرائيل المرسلين ، وقد أنزل الله عليه كتابه المقدس فيه هداية لقومه ورشاد لو أنهم أنابوا واهتدوا ، وذلك هو الزبور ومعناه الكتاب وجمعه الزُبَر وهو من الفعل زبر أي كتب{[858]} .