قوله تعالى : " فبما نقضهم ميثاقهم " " فبما نقضهم " خفض بالباء و " ما " زائدة مؤكدة كقوله : " فبما رحمة من الله " [ آل عمران : 159 ] وقد تقدم{[5109]} ؛ والباء متعلقة بمحذوف ، التقدير : فبنقضهم ميثاقهم لعناهم . عن قتادة وغيره . وحذف هذا لعلم السامع . وقال أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي : هو متعلق بما قبله ، والمعنى فأخذتهم الصاعقة بظلمهم إلى قوله : " فبما نقضهم ميثاقهم " قال : ففسر ظلمهم الذي أخذتهم الصاعقة من أجله بما بعده من نقضهم الميثاق وقتلهم الأنبياء وسائر ما بين من الأشياء التي ظلموا فيها أنفسهم . وأنكر ذلك الطبري وغيره ؛ لأن الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى ، والذين قتلوا الأنبياء ورموا مريم بالبهتان كانوا بعد موسى بزمان ، فلم تأخذ الصاعقة الذين أخذتهم برميهم مريم بالبهتان . قال المهدوي وغيره : وهذا لا يلزم ؛ لأنه يجوز أن يخبر عنهم والمراد آباؤهم ، على ما تقدم في " البقرة " {[5110]} . قال{[5111]} الزجاج : المعنى فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ؛ لأن هذه القصة ممتدة إلى قوله : " فبظلم من الذين هادوا حرمنا " [ النساء : 160 ] . ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : المعنى فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا وفعلهم كذا طبع الله على قلوبهم . وقيل : المعنى فبنقضهم لا يؤمنون إلا قليلا ، والفاء مقحمة . و " كفرهم " عطف ، وكذا و " قتلهم " . والمراد " بآيات الله " كتبهم التي حرفوها . و " غلف " جمع غلاف ، أي قلوبنا أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا . وقيل : هو جمع أغلف وهو المغطى بالغلاف ؛ أي قلوبنا في أغطية فلا نفقه ما تقول ؛ وهو كقوله : " قلوبنا في أكنة{[5112]} " [ فصلت : 5 ] وقد تقدم هذا في " البقرة " {[5113]} وغرضهم بهذا درء{[5114]} حجة الرسل . والطبع الختم ، وقد تقدم في " البقرة{[5115]} " .
قوله تعالى : ( فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) . قوله : ( فبما نقضهم ميثاقهم ) أي بسبب نقضهم ميثاقهم الذي قطعوه على أنفسهم . وما هنا زائدة وذلك كقوله : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) والميثاق الذي أخذوه على أنفسهم هو أن يعترفوا بنبوة محمد ( ص ) عند ظهوره ، وأن يعلنوا إيمانهم به ويصدقوه لما يعلمونه من صفاته قبل مجيئه . على أن ثمة جرائم وأفاعيل ارتكبها اليهود طيلة حياتهم كنقضهم للميثاق وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وغير ذلك من جرائم كانت سببا في أخذهم بالصاعقة مثلما بينا آنفا . وميثاقهم مفعول به منصوب للمصدر ( نقضهم ) الذي ينوب مناب الفعل{[853]} .
وقوله : ( وكفرهم بآيات الله ) المقصود بآيات الله البراهين والمعجزات التي تحققت على أيدي النبيين من بني إسرائيل . وقيل هي الكتب السماوية المنزلة على أنبيائهم والتي حرفوها وبدلوها تبديلا فباتت كتبا مزيفة محرفة .
وقوله : ( وقتلهم الأنبياء بغير حق ) الأنبياء مفعول به منصوب للمصدر ( وقتلهم ) الذي ينوب مناب الفعل ، وتلك جريمة نكيرة من جرائم شتى اركبها اليهود على امتداد حياتهم ، وهي جريمة غليظة كبرى اقترفها اليهود وهم يعتدون على أنبياء الله ليسومهم التعذيب والتقتيل . وليت الأمر اقتصر على واحد أو اثنين من النبيين يقتلان ، ولكنهم كانوا يقتلون منهم بالجملة حتى ذكر أنهم كانوا يقتلون من النبيين بالعشرات في يوم واحد . وتلك جريمة فظيعة تأتي في طليعة الجرائم والموبقات التي يهتز لها عرش الرحمن ! !
يا لله لهذا الذنب العظيم الذي يجترحه فريق أثيم من بني إسرائيل وهم يعتدون على صفوة طاهرة من خير العباد وهم النبيون المرسلون ، إذ كانوا يأتمرون بهم ليقتلوهم . ومعلوم ما في كتب الله ودياناته من تنديد مغلّظ بالقتل ومن تبشيع صارخ لمثل هذا الذنب الموبق . وهو ذنب يستوجب سخط الله وغضبه فيما يجرجر القاتل الأثيم في نار جهنم ! ! .
وقوله : ( بغير حق ) تأكيد للظلم الذي وقع فيه بنو إسرائيل وهم يعتدون على رسل الله بالقتل . ومع أن مجرد العدوان عليهم بالقتل يعتبر غاية الظلم والخطيئة والباطل ، وإنه النكر البالغ الذي يدنو دونه كل نكر أو خطيئة . وهو من الفظاعة المكشوفة التي تقتضي برهانا- مع ذلك فإن الآية تؤكد بأجلى عبارة ( بغير حق ) .
وقوله : ( وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) عندما دعوا إلى الإيمان بالقرآن ونبي الله محمد ( ص ) قالوا مقالتهم : ( قولبنا غلف ) أي قلوبنا داخل غلاف ، فهي مجللة بالغطاء فلا تعي ما يقال لها . وذلك كقوله عنهم في آية أخرى : ( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ) أي قلوبهم يغطيها الكنان الواقي الذي يحول دون السماع أو الوعي . وقيل : غلف مفردها غلاف فيكون المعنى أن قلوبنا أوعية للعلم . فقد تحصّل لنا من العلم ما وعته قلوبنا بالقدر الوافي فنحن في غنى عن أي علم جديد . والذي يظهر أن الأول أصوب فإن قلوبهم كانت الغطاء الحاجب فلا تؤمن ولا تعي ، ويرجح ذلك قوله تعالى بعدها : ( بل طبع الله عليها بكفرهم ) فليس صحيحا ما زعموه من احتوائهم للعلم الوافي وأنهم مستغنون عن أحد غيرهم يأتيهم بعلم ، ولكنهم قد عموا وصموا وتحجرت طبائعهم ونفوسهم ، واستعصى الفهم والوعي على عقولهم وقلوبهم ، فباءت بالانكماش والشلل والكزازة ؛ فاستحقت بذلك أن يطبع الله عليها بالختم فتظل آيسة مبلسة لا يغنيها ما زعمته من علم وما تظنه من إيمان ببعض الأنبياء ، وهو إيمان قليل لا ينجي ولا ينفع .
وقوله : ( فلا يؤمنون إلا قليلا ) قليلا منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف . أي لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا ، وصار إيمانهم قليلا ؛ لأنهم لم يصدقوا على ما أمرهم الله به ، ولكن صدقوا ببعض النبيين وببعض الكتب وكذبوا ببعض ، فهم مصدقون من وجه ومكذبون من وجه آخر ومثل هذا الإيمان لا يجدي وليست له قيمة ؛ لأن الكفر ببعض كفر بالكل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.