مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ} (78)

الرابع : قوله تعالى : { وجاهدوا في الله حق جهاده } قال صاحب الكشاف { في الله } أي في ذات الله ، ومن أجله . يقال هو حق عالم وجد عالم أي عالم حقا وجدا ومنه { حق جهاده } وههنا سؤالات :

السؤال الأول : ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه كما قال : { وجاهدوا في الله حق جهاده } ؟ والجواب : الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص ، فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت الإضافة إليه .

السؤال الثاني : ما هذا الجهاد ؟ الجواب : فيه وجوه . أحدها : أن المراد قتال الكفار خاصة ، ومعنى { حق جهاده } أن لا يفعل إلا عبادة لا رغبة في الدنيا من حيث الاسم أو الغنيمة . والثاني : أن يجاهدوا آخرا كما جاهدوا أولا فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنعهم يوم بدر ، روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لعبد الرحمان بن عوف : أما علمت أنا كنا نقرأ { وجاهدوا في الله حق جهاده } في آخر الزمان كما جاهدتموه في أوله ، فقال عبد الرحمان ومتى ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء ، واعلم أنه يبعد أن تكون هذه الزيادة من القرآن وإلا لنقل كنقل نظائره ، ولعله إن صح ذلك عن الرسول فإنما قاله كالتفسير للآية ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ : وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة . فقال عمر من الذي أمرنا بجهاده ؟ فقال قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس ، فقال صدقت . والثالث : قال ابن عباس : حق جهاده ، لا تخافوا في الله لومة لائم . والرابع : قال الضحاك : واعملوا لله حق عمله . والخامس : استفرغوا وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حقوقه بالحرب باليد واللسان وجميع ما يمكن وردوا أنفسكم عن الهوى والميل . والوجه السادس : قال عبد الله بن المبارك : حق جهاده ، مجاهدة النفس والهوى . ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك قال : «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » والأولى أن يحمل ذلك على كل التكاليف ، فكل ما أمر به ونهى عنه فالمحافظة عليه جهاد .

السؤال الثالث : هل يصح ما نقل عن مقاتل والكلبي أن هذه الآية منسوخة بقوله :

{ فاتقوا الله ما استطعتم } كما أن قوله : { اتقوا الله حق تقاته } منسوخ بذلك ؟ الجواب : هذا بعيد لأن التكليف مشروط بالقدرة لقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } فكيف يقول الله وجاهدوا في الله على وجه لا تقدرون عليه ، وكيف وقد كان الجهاد في الأول مضيقا حتى لا يصح أن يفر الواحد من عشرة ، ثم خففه الله بقوله : { الآن خفف الله عنكم } أفيجوز مع ذلك أن يوجبه على وجه لا يطاق حتى يقال إنه منسوخ .

النوع الثالث : بيان ما يوجب قبول هذه الأوامر وهو ثلاثة . الأول : قوله : { هو اجتباكم } ومعناه أن التكليف تشريف من الله تعالى للعبد ، فلما خصكم بهذا التشريف فقد خصكم بأعظم التشريفات واختاركم لخدمته والاشتغال بطاعته ، فأي رتبة أعلى من هذا ، وأي سعادة فوق هذا ، ويحتمل في اجتباكم خصكم بالهداية والمعونة والتيسير .

أما قوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } فهو كالجواب عن سؤال يذكر وهو أن التكليف وإن كان تشريفا واجبا كما ذكرتم لكنه شاق شديد على النفس ؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } روي أن أبا هريرة رضي الله عنه قال كيف قال الله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } مع أنه منعنا عن الزنا والسرقة ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما : بلى ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم ، وههنا سؤالات :

السؤال الأول : ما الحرج في أصل اللغة ؟ الجواب : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لبعض هذيل ما تعدون الحرج فيكم ؟ قال الضيق ، وعن عائشة رضي الله عنها : «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال الضيق » .

السؤال الثاني : ما المراد من الحرج في الآية ؟ الجواب : قيل هو الإتيان بالرخص ، فمن لم يستطع أن يصلي قائما فليصل جالسا ومن لم يستطع ذلك فليؤم ، وأباح للصائح الفطر في السفر والقصر فيه . وأيضا فإنه سبحانه لم يبتل عبده بشيء من الذنوب إلا وجعل له مخرجا منها إما بالتوبة أو بالكفارة ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما «أنه من جاءته رخصة فرغب عنها كلف يوم القيامة أن يحمل ثقل تنين حتى يقضى بين الناس » وعن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا اجتمع أمران فأحبهما إلى الله تعالى أيسرهما » وعن كعب : أعطى الله هذه الأمة ثلاثا لم يعطهن إلا للأنبياء : «جعلهم شهداء على الناس ، وما جعل عليهم في الدين من حرج ، وقال أدعوني أستجب لكم » .

السؤال الثالث : استدلت المعتزلة بهذه الآية في المنع من تكليف ما لا يطاق ، فقالوا : لما خلق الله الكفر والمعصية في الكافر والعاصي ثم نهاه عنهما كان ذلك من أعظم الحرج وذلك منفي بصريح هذا النص والجواب : لما أمره بترك الكفر وترك الكفر يقتضي انقلاب علمه جهلا فقد أمر الله المكلف بقلب علم الله جهلا وذلك من أعظم الحرج ، ولما استوى القدمان زال السؤال .

الموجب الثاني : لقبول التكليف قوله : { ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل } وفي نصب الملة وجهان : أحدهما : وهو قول الفراء أنها منصوبة بمضمون ما تقدمها كأنه قيل وسع دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم ، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والثاني : أن يكون منصوبا على المدح والتعظيم أي أعني بالدين ملة أبيكم إبراهيم ، واعلم أن المقصود من ذكره التنبيه على أن هذه التكاليف والشرائع هي شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام . والعرب كانوا محبين لإبراهيم عليه السلام لأنهم من أولاده ، فكان التنبيه على ذلك كالسبب لصيروتهم منقادين لقبول هذا الدين وههنا سؤالات :

السؤال الأول : لم قال : { ملة أبيكم إبراهيم } ولم يدخل في الخطاب المؤمنون الذين كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن من ولده ؟ والجواب من وجهين : أحدهما : لما كان أكثرهم من ولده كالرسول ورهطه وجميع العرب جاز ذلك وثانيهما : وهو قول الحسن أن الله تعالى جعل حرمة إبراهيم عليه السلام على المسلمين كحرمة الوالد على ولده ، ومنه قوله تعالى : { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فجعل حرمته كحرمة الوالد على الولد ، وحرمة نسائه كحرمة الوالدة على ما قال تعالى : { وأزواجه أمهاتهم } .

السؤال الثاني : هذا يقتضي أن تكون ملة محمد كملة إبراهيم عليهما السلام سواء ، فيكون الرسول ليس له شرع مخصوص ويؤكده قوله تعالى : { أن اتبع ملة إبراهيم } ، الجواب : هذا الكلام إنما وقع مع عبدة الأوثان ، فكأنه تعالى قال : عبادة الله وترك الأوثان هي ملة إبراهيم فأما تفاصيل الشرائع فلا تعلق لها بهذا الموضع .

السؤال الثالث : ما معنى قوله تعالى : { هو سماكم المسلمين من قبل } ؟ الجواب فيه قولان : أحدهما : أن الكناية راجعة إلى إبراهيم عليه السلام ، فإن لكل نبي دعوة مستجابة وهو قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } فاستجاب الله تعالى له فجعلها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الله تعالى سيبعث محمدا بمثل ملته وأنه ستسمى أمته بالمسلمين . والثاني : أن الكناية راجعة إلى الله تعالى في قوله : { هو اجتباكم } فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : «إن الله سماكم المسلمين من قبل » أي في كل الكتب ، وفي هذا أي في القرآن . وهذا الوجه أقرب لأنه تعالى قال : { ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس } فبين أنه سماهم بذلك لهذا الغرض وهذا لا يليق إلا بالله ، ويدل عليه أيضا قراءة أبي بن كعب { الله سماكم } والمعنى أنه سبحانه في سائر الكتب المتقدمة على القرآن ، وفي القرآن أيضا بين فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم ، لأجل الشهادة المذكورة . فلما خصكم الله بهذه الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه . وهذا هو العلة الثالثة : الموجبة لقبول التكليف ، وأما الكلام في أنه كيف يكون الرسول شهيدا علينا ، وكيف تكون أمته شهداء على الناس ؟ فقد تقدم في سورة البقرة ، وبينا أنه أخذ منه ما يدل على أن الإجماع حجة .

النوع الرابع : شرح ما يجري مجرى المؤكد لما مضى ، وهو قوله : { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ويجب صرفها إلى المفروضات لأنها هي المعهودة { واعتصموا بالله } أي بدلائله العقلية والسمعية وألطافه وعصمته ، قال ابن عباس : «سلوا الله العصمة عن كل المحرمات » وقال القفال : اجعلوا الله عصمة لكم مما تحذرون هو مولاكم وسيدكم المتصرف فيكم فنم المولى ونعم البصير ، فكأنه سبحانه قال أنا مولاك بل أنا ناصرك وحسبك ، واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآيات من وجوه . أحدها : أن قوله : { لتكونوا شهداء على الناس } يدل على أنه سبحانه أراد الإيمان من الكل ، لأنه تعالى لا يجعل الشهيد على عباده إلا من كان عدلا مرضيا ، فإذا أراد أن تكونوا شهداء على الناس فقد أراد أن تكونوا جميعا صالحين عدولا ، وقد علمنا أن منهم فاسقا ، فدل ذلك على أن الله تعالى أراد من الفسق كونه عدلا . وثانيها : قوله : { واعتصموا بالله } وكيف يمكن الاعتصام به مع أن الشر لا يوجد إلا منه ؟ وثالثها : قوله : { فنعم المولى } لأنه لو كان كما يقوله أهل السنة من أنه خلق أكثر عباده ليخلق فيهم الكفر والفساد ثم يعذبهم لما كان نعم المولى ، بل كان لا يوجد من شرار الموالي أحد إلا وهو شر منه . فكان يجب أن يوصف بأنه بئس المولى وذلك باطل فدل على أنه سبحانه ما أراد من جميعهم إلا الصلاح . فإن قيل لم لا يجوز أن يكون نعم المولى للمؤمنين خاصة كما أنه نعم النصير لهم خاصة ؟ قلنا إنه تعالى مولى المؤمنين والكافرين جميعا{[9]} فيجب أن يقال إنه نعم المولى للمؤمنين وبئس المولى للكافرين . فإن ارتكبوا ذلك فقد ردوا القرآن والإجماع وصرحوا بشتم الله تعالى ، ورابعها : أن قوله : { سمذاكم المسلمين من قبل } يدل على إثبات الأسماء الشرعية وأنها من قبل الله تعالى لأنها لو كانت لغة لما أضيفت إلى الله تعالى على وجه الخصوص . والجواب : عن الأول وهو قوله كونه تعالى مريدا لكونه شاهدا يستلزم كونه مريدا لكونه عدلا ، فنقول : إن كانت إرادة الشيء مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكافر توجب أن تكون مستلزمة لإرادة جهل الله تعالى فيلزم كونه تعالى مريدا لجهل نفسه . وإن لم يكن ذلك واجبا سقط الكلام .

وأما قوله : { واعتصموا بالله } فيقال هذا أيضا وارد عليكم فإنه سبحانه خلق الشهوة في قلب الفاسق وأكدها وخلق المشتهى وقربه منه ورفع المانع ثم سلط عليه الشياطين من الإنس والجن وعلم أنه لا محالة يقع في الفجور والضلال ، وفي الشاهد كل من فعل ذلك فإنه يكون بئس المولى ، فإن صح قياس الغائب على الشاهد فهذا لازم عليكم وإن بطل سقط كلامكم بالكلية .


[9]:كيف هذا مع قوله تعالى في سورة محمد عليه السلام {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} ولتوجيه هذا الكلام يقال المولى في الآيات بمعنى الناصر والمعين، وقد عنى به المضيف السيد والمالك والرب.
 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ} (78)

{ وجاهدوا في الله } أي لله تعالى أو في سبيله سبحانه ، والجهاد كما قال الراغب استفراغ الوسع في مدافعة العدو وهو ثلاثة أضرب . مجاهدة العدو الظاهر كالكفار . ومجاهدة الشيطان . ومجاهدة النفس وهي أكبر من مجاهدة العدو الظاهرة كما يشعر به ما أخرج البيهقي وغيره عن جابر قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة فقال : " قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قيل وما الجهاد الأكبر ؟ قيل وما الجهاد الأكبر ؟ قال : «مجاهدة العبد هواه " وفي إسناده ضعف مغتفر في مثله .

والمراد هنا عند الضحاك جهاد الكفار حتى يدخلوا في الإسلام ، ويقتضي ذلك أن تكون الآية مدنية لأن الجهاد إنما أمر به بعد الهجرة . وعند عبد الله بن المبارك جهاد الهوى والنفس ، والأولى أن يكون المراد به ضروبه الثلاثة وليس ذلك من الجمع بين الحقيقة والمجاز في شيء ، وإلى هذا يشير ما روى جماعة عن الحسن أنه قرأ الآية وقال : إن الرجل ليجاهد في الله تعالى وما ضرب بسيف ، ويشمل ذلك جهاد المبتدعة والفسقة فإنهم أعداء أيضاً ويكون بزجرهم عن الابتداع والفسق { حَقَّ جهاده } أي جهاداً فيه حقاً فقدم حقاً وأضيف على حد جرد قطيفة وحذف حرف الجر وأضيف جهاد إلى ضميره تعالى على حد قوله

: ويوم شهدناه سليماً وعامراً *** وفي «الكشاف » الإضافة تكون لأدنى ملابسة واختصاص فلما كان الجهاد مختصاً بالله تعالى من حيث أنه مفعول لوجهه سبحانه ومن أجله صحت إضافته إليه ، وأياً ما كان فنصب { حَقّ } على المصدرية ، وقال أبو البقاء : إنه نعت لمصدر محذوف أي جهاداً حق جهاهد ، وفيه أنه معرفة فكيف يوصف به النكرة ولا أظن أن أحداً يزعم أن الإضافة إذا كانت على الاتساع لا تفيد تعريفاً فلا يتعرف بها المضاف ولا المضاف إليه ، والآية تدل على الأمر بالجهاد على أتم وجه بأن يكون خالصاً لله تعالى لا يخضى فيه لومة لائم وهي محكمة .

ومن قال كمجاهد . والكلبي : إنها منسوخة بقوله تعالى : { فاتقوا الله مَا استطعتم } [ التغابن : 16 ] فقد أراد بها أن يطاع سبحانه فلا يعصى أصلاً وفيه بحث لا يخفى ، وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال : قال لي عمر رضي الله تعالى عنه «ألسنا كنا نقرأ وجاهدوا في الله حق جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله » ؟ قلت : بلى فمتى هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء ، وأخرجه البيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه قال : قال عمر لعبد الرحمن بن عوف فذكره ، ولا يخفى عليك حكم هذه القراءة ، وقال النيسابوري : قال العلماء لو صحت هذه الرواية فلعل هذه الزيادة من تفسيره صلى الله عليه وسلم وليست من نفس القرآن وإلا لتواترت وهو كما ترى { هُوَ اجتباكم } أي هو جل شأنه اختاركم لا غيره سبحانه ، والجملة مستأنفة لبيان علة الأمر بالجهاد فإن المختار إنما يختار من يقوم بخدمته ومن قربه العظيم يلزمه دفع أعدائه ومجاهدة نفسه بترك ما لا يرضاه ففيها تنبيه على المقتضى للجهاد ، وفي قوله تعالى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ في الدين } أي في جمع أموره ويدخل فيه الجهاد دخولاً أولياً { مِنْ حَرَجٍ } أي ضيق بتكليف ما يشتد القيام به عليكم إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه ، والحاصل أنه تعالى أمرهم بالجهاد وبين أنه لا عذر لهم في تركه حيث وجد المقتضى وارتفع المانع .

/ ويجوز أن يكون هذا إشارة إلى الرخصة في ترك بعض ما أمرهم سبحانه به حيث شق عليهم لقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " فانتفاء الحرج على هذا بعد ثبوته بالترخيص في الترك بمقتضى الشرع وعلى الأول انتفاء الحرج ابتداء ، وقيل : عدم الحرج بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجاً بأن رخص لهم في المضايق وفتح عليهم باب التوبة وشرع لهم الكفارات في حقوقه والأروش والديات في حقوق العباد ، ولا يخفى أن تعميمه للتوبة ونحوها خلاف الظاهر وإن روى ذلك من طريق ابن شهاب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما :

وفي«الحواشي الشهابية » أن الظاهر أن حق جهاده تعالى لما كان متعسراً ذيله بهذا ليبين أن المراد ما هو بحسب قدرتهم لا ما يليق به جل وعلا من كل الوجوه .

وذكر الجلال السيوطي أن هذه الآية أصل قاعدة المشقة تجلب التيسير وهو أوفق بالوجه الثاني فيها .

{ مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم } نصب على المصدرية بفعل دل عليه ما قبله من نفي الحرج بعد حذف مضاف أي وسع دينكم توسعة ملة أبيكم أو على الاختصاص بتقدير أعني بالدين ونحوه وإليهما ذهب الزمخشري ، وقال الحوفي . وأبو البقاء : نصب على الإغراء بتقدير اتبعوا أو الزموا أو نحوه ، وقال الفراء : نصب بنزع الخافض أي كملة أبيكم ، والمراد بالملة إما يعم الأصول والفروع أو ما يخص الأصول فتأمل ولا تغفل ، و { إِبْرَاهِيمَ } منصوب بمقدر أيضاً أو مجرور بالفتح على أنه بدل أو عطف بيان ، وجعله عليه السلام أباهم لأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كالأب لأمته من حيث أنه سبب لحياتهم الأبدية ووجودهم على الوجه المعتد به في الآخرة أو لأن أكثر العرب كانوا من ذريته عليه السلام فغلبوا على جميع أهل ملته صلى الله عليه وسلم { هُوَ } أي الله تعالى كما روى عن ابن عباس ومجاهد والضحاك . وقتادة . وسفيان ، ويدل عليه ما سيأتي بعد في الآية وقراءة أبي رضي الله تعالى عنه ( الله ) { سماكم المسلمين مِن قَبْلُ } أي من قبل نزول القرآن وذلك في الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل { وَفِى هذا } أي في القرآن ، والجملة مستأنفة ، وقيل إنها كالبدل من قوله تعالى : { هُوَ اجتباكم } ولذا لم تعطف ، وعن ابن زيد . والحسن أن الضمير لإبراهيم عليه السلام واستظهره أبو حيان للقرب وتسميته إياهم بذلك من قبل في قوله : { رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } [ البقرة : 128 ] وقوله هذا سبب لتسميتهم بذلك في هذا لدخول أكثرهم في الذرية فجعل مسمياً لهم فيه مجازاً ، ويلزم عليه الجمع بين الحقيقة والمجاز وفي جوازه خلاف مشهور ، وقال أبو البقاء : المعنى على هذا وفي هذا بيان تسميته إياكم بهذا الاسم حيث حكى في القرآن مقالته ، وقال ابن عطية : يقدر عليه وسميتكم في هذا المسلمين ، ولا يخفى ما في كل ذلك من التكلف .

واستدل بالآية من قال : إن التسمية بالمسلمين مخصوص بهذه الأمة وفيه نظر .

{ لِيَكُونَ الرسول } يوم القيامة { شَهِيداً عَلَيْكُمْ } أنه قد بلغكم ، ويدل هذا القول منه تعالى على قبول شهادته عليه الصلاة والسلام لنفسه اعتماداً على عصمته ولعل هذا من خواصه صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم وإلا فالمعصوم يطالب في الدنيا بشاهدين إذا ادعى شيئاً لنفسه كما يدل على ذلك قصة الفرس وشهادة خزيمة رضي الله تعالى عنه ، وأيضاً لو كان كل معصوم تقبل شهادته لنفسه في ذلك اليوم لما احتيج إلى شهادة هذه الأمة على الأمم حين يشهد عليهم أنبياؤهم فينكرون كما ذكر ذلك كثير من المفسرين في تفسير قوله تعالى : { وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } ورد أنه يؤتى بالأمم وأنبيائهم فيقال لأنبيائهم : هل بلغتم أممكم ؟ فيقولون : نعم بلغناهم فينكرون فيؤتى بهذه الأمة فيشهدون أنهم قد بلغوا فتقول الأمم لهم : من أين عرفتم ؟ فيقولون : عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق أو شهيداً عليكم بإطاعة من أطاع وعصيان من عسى ، ولعل علمه صلى الله عليه وسلم بذلك بتعريف الله تعالى بعلامات تظهر له في ذلك الوقت تسوغ له عليه الصلاة والسلام الشهادة ، وكون أعمال أمته تعرض عليه عليه الصلاة والسلام وهو في البرزخ كل أسبوع أو أكثر أو أقل إذا صح لا يفيد العلم بأعيان ذوي الأعمال المشهود عليهم وإلا أشكل ما رواه أحمد في مسنده . والشيخان عن أنس . وحذيفة قالا : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليردن على ناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني فأقول : يا رب أصيحابي أصيحابي فيقال لي : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك »

وربما أشكل هذا على تقدير صحة حديث العرض سواء أفاد العلم بالأعيان أم لا ، وإذا التزم صحة ذلك الحديث وأنه صلى الله عليه وسلم لم يستحضر أعمال أولئك الأقوام حين عرفهم فقال ما قال وأن المراد من من إنك لا تدري الخ مجرد تعظيم أمر ما أحدثوه بعد وفاته عليه الصلاة والسلام لا نفي العلم به يبقى من مات من أمته طائعاً أو عاصياً في زمان حياته صلى الله عليه وسلم ولم يكن علم بحاله أصلاً كمن آمن ومات ولم يسمع صلى الله عليه وسلم به فإن عرض الأعمال في حقه لم يجيء في خبر أصلاً ، والقول بعدم وجود شخص كذلك بعيد ، ومن زعم أنه صلى الله عليه وسلم يعلم أمته ويعرفهم واحداً واحداً حياً وميتاً ولذا ساغت شهادته عليهم بالطاعة والمعصية يوم القيامة لم يأت بدليل ، والآية لا تصلح دليلاً له إلا بهذا التفسير وهو خل البحث ، على أن في حديث الإفك ما يدل على خلافه .

وزعم بعضهم أن معرفته صلى الله عليه وسلم للطائع والعاصي من أمته لما أنه يحضر سؤالهم في القبر عنه عليه الصلاة والسلام كما يؤذن بذلك ما ورد أنه يقال للمقبور : ما تقول في هذا الذي بعث إليكم ؟ واسم الإشارة يستدعي مشاراً إليه محسوساً مشاهداً وهو كما ترى . واختار بعض أن الشهادة بذلك على بعض الأمة وهم الذين كانوا موجودين في وقته صلى الله عليه وسلم وعلم حالهم من طاعة وعصيان . والخطاب في { عَلَيْكُمْ } إما خاص بهم أو عام على سبيل التغليب وفيه ما فيه فتدبر ، وقيل على في { عَلَيْكُمْ } بمعنى اللام كما في قوله تعالى : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } [ المائدة : 3 ] فالمعنى شهيداً لكم ، والمراد بشهادته لهم تزكيته إياهم إذا شهدوا على الأمم ولا يخفى بعده ، واللام متعلقة بسماكم على الوجهين في الضمير وهي للعاقبة على ما قيل ، وقال الخفاجي : لا مانع من كونها للتعليل فإن تسمية الله تعالى أو إبراهيم عليه السلام لهم بالمسلمين حكم بإسلامهم وعدالتهم وهو سبب لقبول شهادة الرسول عليه الصلاة والسلام الداخل فيهم دخولاً أولياً وقبول شهادتهم على الأمم وفيه نوع خفاء .

{ فَأَقِيمُواْ الصلاة وَءاتُواْ الزكواة } أي فتقربوا إليه تعالى لما خصكم بهذا الفضل والشرف بأنواع الطاعات ، وتخصيص هذين الأمرين بالذكر لا نافتهما وفضلهما { واعتصموا بالله } أي ثقوا به تعالى في جميع أموركم { هُوَ } ناصركم ومتولي أموركم { مولاكم فَنِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير } هو إذ لا مثل له تعالى في الولاية والنصرة فإن من تولاه لم يضع ومن نصره لم يخذل بل لا ولي ولا ناصر في الحقيقة سواه عز وجل ، وفي هذا إشارة إلى أن قصارى الكمال الاعتصام بالله تعالى وتحقيق مقام العبودية وهو وراء التسمية والاحتباء ، وجوز أن يكون { هُوَ مولاكم } تتميماً للاجتباء وليس بذاك هذا .

ومن باب الإشارة : { وجاهدوا فِي الله حَقَّ جهاده } شامل لجميع أنواع المجاهدة ، ومنها جهاد النفس وهو بتزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ ، وجهاد القلب بتصفيته وقطع تعلقه عن الكونين ، وجهاد الروح بإفناء الوجود ، وقد قيل

: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب *** { واعتصموا بالله } تمسكوا به جل وعلا في جميع أحوالكم { هُوَ مولاكم } على الحقيقة { فَنِعْمَ المولى } في إفناء وجودكم { وَنِعْمَ النصير } [ الحج : 78 ] في إبقائكم ، وما أعظم هذه الخاتمة لقوم يعقلون وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ} (78)

{ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } والجهاد بذل الوسع في حصول الغرض المطلوب ، فالجهاد في الله حق جهاده ، هو القيام التام بأمر الله ، ودعوة الخلق إلى سبيله بكل طريق موصل إلى ذلك ، من نصيحة وتعليم وقتال وأدب وزجر ووعظ ، وغير ذلك .

{ هُوَ اجْتَبَاكُمْ } أي : اختاركم -يا معشر المسلمين- من بين الناس ، واختار لكم الدين ، ورضيه لكم ، واختار لكم أفضل الكتب وأفضل الرسل ، فقابلوا هذه المنحة العظيمة ، بالقيام بالجهاد فيه حق القيام ، ولما كان قوله : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } ربما توهم متوهم أن هذا من باب تكليف ما لا يطاق ، أو تكليف ما يشق ، احترز منه بقوله : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } أي : مشقة وعسر ، بل يسره غاية التيسير ، وسهله بغاية السهولة ، فأولا ما أمر وألزم إلا بما هو سهل على النفوس ، لا يثقلها ولا يؤودها ، ثم إذا عرض بعض الأسباب الموجبة للتخفيف ، خفف ما أمر به ، إما بإسقاطه ، أو إسقاط بعضه . ويؤخذ من هذه الآية ، قاعدة شرعية وهي أن " المشقة تجلب التيسير " و " الضرورات تبيح المحظورات " فيدخل في ذلك من الأحكام الفرعية ، شيء كثير معروف في كتب الأحكام .

{ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } أي : هذه الملة المذكورة ، والأوامر المزبورة ، ملة أبيكم إبراهيم ، التي ما زال عليها ، فالزموها واستمسكوا بها .

{ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ } أي : في الكتب السابقة ، مذكورون ومشهورون ، { وَفِي هَذَا } أي : هذا الكتاب ، وهذا الشرع . أي : ما زال هذا الاسم لكم قديما وحديثا ، { لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ } بأعمالكم خيرها وشرها { وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } لكونكم خير أمة أخرجت للناس ، أمة وسطا عدلا خيارا ، تشهدون للرسل أنهم بلغوا أممهم ، وتشهدون على الأمم أن رسلهم بلغتهم بما أخبركم الله به في كتابه ، { فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } بأركانها وشروطها وحدودها ، وجميع لوازمها ، { وَآتُوا الزَّكَاةَ } المفروضة لمستحقيها شكرا لله على ما أولاكم ، { وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ } أي : امتنعوا به وتوكلوا عليه في ذلك ، ولا تتكلوا على حولكم وقوتكم ، { هُوَ مَوْلَاكُمْ } الذي يتولى أموركم ، فيدبركم بحسن تدبيره ، ويصرفكم على أحسن تقديره ، { فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } أي : نعم المولى لمن تولاه ، فحصل له مطلوبه { وَنِعْمَ النَّصِيرُ } لمن استنصره فدفع عنه المكروه .

تم تفسير سورة الحج ، والحمد لله رب العالمين .