وثانيها : قوله : { لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما } واللغو من الكلام ما سبيله أن يلغي ويطرح وهو المنكر من القول ونظيره قوله : { لا تسمع فيها لاغية } وفيه تنبيه ظاهر على وجوب تجنب اللغو حيث نزه الله تعالى عنه الدار التي لا تكليف فيها وما أحسن قوله : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ، { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } أما قوله : { إلا سلاما } ففيه بحثان :
البحث الأول : أن فيه إشكالا وهو أن السلام ليس من جنس اللغو فكيف استثنى السلام من اللغو والجواب عنه من وجوه : أحدها : أن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة وأهل الجنة لا حاجة بهم إلى هذا الدعاء فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام . وثانيها : أن يحمل ذلك على الاستثناء المنقطع . وثالثها : أن يكون هذا من جنس قول الشاعر :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم*** بهن فلول من قراع الكتائب
البحث الثاني : أن ذلك السلام يحتمل أن يكون من سلام بعضهم على بعض أو من تسليم الملائكة أو من تسليم الله تعالى على ما قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } وقوله : { سلام قولا من رب رحيم } . ورابعها : قوله تعالى : { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } وفيه سؤالان : السؤال الأول : أن المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بأحوال مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشيا ليس من الأمور المستعظمة . والجواب من وجهين : الأول : قال الحسن أراد الله تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا ولذلك ذكر أساور من الذهب والفضة ولبس الحرير التي كانت عادة العجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة وكانت من عادة أشراف العرب في اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك . الثاني : أن المراد دوام الرزق كما تقول أنا عند فلان صباحا ومساء وبكرة وعشيا تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين . السؤال الثاني : قال تعالى : { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } وقال عليه السلام : « لا صباح عند ربك ولا مساء » والبكرة والعشي لا يوجدان إلا عند وجود الصباح والمساء . والجواب المراد أنهم يأكلون عند مقدار الغداة والعشي إلا أنه ليس في الجنة غدوة وعشي إذ لا ليل فيها ويحتمل ما قيل إنه تعالى جعل لقدر اليوم علامة يعرفون بها مقادير الغداة والعشي ويحتمل أن يكون المراد لهم رزقهم متى شاءوا كما جرت العادة في الغداة والعشي .
{ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً } فضول كلام لا طائل تحته بل هو جار مجرى اللغاء وهو صوت العصافير ونحوها من الطير . والكلام كناية عن عدم صدور اللغو عن أهلها ، وفيه تنبيه على أن اللغو مما ينبغي أن يجتنب عنه في هذه الدار ما أمكن ، وعن مجاهد تفسير اللغو بالكلام المشتمل على السب ، والمراد لا يتسابون والتعميم أولى { إِلاَّ سلاما } استثناء منقطع ، والسلام إما بمعناه المعروف أي لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم السلام عليهم أو تسليم بعضهم على بعض أو بمعنى الكلام السالم من العيب والنقص أي لكن يسمعون كلاماً سالماً من العيب والنقص ، وجوز أن يكون متصلاً وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم كما في قوله :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب
وهو يفيد نفي سماع اللغو بالطريق البرهاني الأقوى . والاتصال على هذا على طريق الفرض والتقدير ولولا ذلك لم يقع موقعه من الحسن والمبالغة ، وقيل : اتصال الاستثناء على أن معنى السلام الدعاء بالسلامة من الآفات وحيث أن أهل الجنة أغنياء عن ذلك إذ لا آفة فيها كان السلام لغواً بحسب الظاهر وإن لم يكن كذلك نظراً للمقصود منه وهو الإكرام وإظهار التحابب ، ولذا كان لائقاً بأهل الجنة .
{ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } وارد على عادة المتنعمين في هذه الدار ، أخرج ابن المنذر عن يحيى بن كثير قال : كانت العرب في زمانها إنما لها أكلة واحدة فمن أصاب أكلتين سمي فلان الناعم فأنزل الله تعالى هذا يرغب عباده فيما عنده ، وروي نحو ذلك عن الحسن ، وقيل : المراد دوام رزقهم ودروره وإلا فليس في الجنة بكرة ولا عشي لكن جاء في بعض الآثار أن أهل الجنة يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب ، وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول » من طريق أبان عن الحسن . وأبي قلابة قالا : " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هل في الجنة من ليل ؟ قال : وما هيجك على هذا ؟ قال : سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } فقلت : الليلة من البكرة والعشي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس هناك ليل وإنما هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة عليهم السلام " .
ومن باب الإشارة { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } [ مريم : 62 ] قيل : الرزق ههنا مشاهدة الحق سبحانه ورؤيته عز وجل وهذا لعموم أهل الجنة وأما المحبوبون والمشتاقون فلا تنقطع عنهم المشاهدة لمحة ولو حجبوا لماتوا من ألم الحجاب
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.