قوله تعالى :{ وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا . رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا }
اعلم أن في الآية إشكالا وهو أو قوله : { تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا } كلام الله وقوله : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } كلام غير الله فكيف جاز عطف هذا على ما قبله من غير فصل . والجواب أنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح كما أن قوله سبحانه : { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } هو كلام الله وقوله : { وإن الله ربي وربكم } كلام غير الله وأحدهما معطوف على الآخر ، واعلم أن ظاهر قوله تعالى : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } خطاب جماعة لواحد وذلك لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول ويحتمل في سببه ما روي أن قريشا بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد صلى الله عليه وسلم وهل يجدونه في كتابهم فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه وقالت اليهود : نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمن اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن فإن أخبركم بخصلتين منهما فاتبعوه ، فاسألوه عن فتية أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح قال فجاءوا فسألوه عن ذلك فلم يدر كيف يجيب فوعدهم أن يجيبهم بعد ذلك ، ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحي عنه أربعين يوما وقيل خمسة عشر يوما فشق عليه ذلك مشقة شديدة وقال المشركون ودعه ربه وقلاه ، فنزل جبريل عليه السلام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك قال إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فأنزل الله تعالى هذه الآية وأنزل قوله : { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله } وسورة الضحى ثم أكدوا ذلك بقولهم : { له ما بين أيدينا وما خلفنا } أي هو المدبر لنا في كل الأوقات الماضي والمستقبل وما بينهما أو الدنيا والآخرة وما بينهما فإنه يعلم إصلاح التدبير مستقبلا وماضيا وما بينهما والغرض أن أمرنا موكول إلى الله تعالى يتصرف فينا بحسب مشيئته وإرادته وحكمته لا اعتراض لأحد عليه فيه وقال أبو مسلم قوله : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } يجوز أن يكون قول أهل الجنة والمراد وما نتنزل الجنة إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا أي في الجنة مستقبلا وما خلفنا مما كان في الدنيا وما بين ذلك أي ما بين الوقتين وما كان ربك نسيا لشيء مما خلق فيترك إعادته لأنه عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة وقوله : { وما كان ربك نسيا } ابتداء كلام منه تعالى في مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم ويتصل به : { رب السماوات والأرض } أي بل هو { رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده } قال القاضي وهذا مخالف للظاهر من وجوه : أحدها : أن ظاهر التنزل نزول الملائكة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله بأمر ربك وظاهر الأمر بحال التكليف أليق ، وثانيها : أنه خطاب من جماعة لواحد وذلك لا يليق بمخاطبة بعضهم لبعض في الجنة . وثالثها : أن ما في سياقه من قوله : { وما كان ربك نسيا * رب السماوات والأرض وما بينهما } لا يليق إلا بحال التكليف ولا يوصف به الرسول صلى الله عليه وسلم فكأنهم قالوا للرسول وما كان ربك يا محمد نسيا يجوز عليه السهو حتى يضرك إبطاؤنا بالتنزل عليك إلى مثل ذلك ثم ههنا أبحاث :
البحث الأول : قال صاحب «الكشاف » التنزل على معنيين : أحدهما : النزول على مهل . والثاني : بمعنى النزول على الإطلاق والدليل عليه أنه مطاوع نزل ونزل يكون بمعنى أنزل وبمعنى التدريج واللائق بمثل هذا الموضع هو النزول على مهل والمراد أن نزولنا في الأحايين وقتا بعد وقت ليس إلا بأمر الله تعالى .
البحث الثاني : ذكروا في قوله : { ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك } وجوها : أحدها : له ما قدامنا وما خلفنا من الجهات وما نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة ومن مكان إلى مكان إلا بأمره ومشيئته فليس لنا أن ننقلب من السماء إلى الأرض إلا بأمره . وثانيها : له ما بين أيدينا ما سلف من أمر الدنيا وما خلفنا ما يستقبل من أمر الآخرة وما بين ذلك وما بين النفختين وهو أربعون سنة . وثالثها : ما مضى من أعمارنا وما غبر من ذلك والحال التي نحن فيها . ورابعها : ما قبل وجودنا وما بعد فنائنا . وخامسها : الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا والسماء التي وراءنا وما بين السماء والأرض وعلى كل التقديرات فالمقصود أنه المحيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة فكيف نقدم على فعل إلا بأمره وحكمه .
البحث الثالث : قوله : { وما كان ربك نسيا } أي تاركا لك كقوله : { ما وعدك ربك وما قلى } أي ما كان امتناع النزول إلا لامتناع الأمر به ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إياك ،
{ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } حكاية قول جبرائيل صلوات الله تعالى وسلامه عليه ، فقد روي أنه احتبس عنه صلى الله عليه وسلم أياما حين سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فلم يدر عليه الصلاة والسلام كيف يجيب حتى حزن واشتد عليه ذلك وقال المشركون : إن ربه ودعه وقلاه فلما نزل قال له عليه الصلاة والسلام : يا جبريل احتبست عني حتى ساء ظني واشتقت إليك فقال : إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست وأنزل الله تعالى هذه الآية وسورة الضحى قاله غير واحد ، فهو من عطف القصة على القصة على ما قاله الخفاجي . وفي الكشف وجه وقوع ذلك هذا الموقع أنه تعالى لما فرغ من أقاصيص الأنبياء عليهم السلام تثبيتاً له صلى الله عليه وسلم وذنب بما أحدث بعدهم الخلوف واستثنى الإخلاف وذكر جزاء الفريقين عقب بحكاية نزول جبريل عليه السلام وما رماه المشركون به من توديع ربه سبحانه إياه زيادة في التسلية وإن الأمر ليس على ما زعم هؤلاء الخلوف وأدمج فيه مناسبته لحديث التقوى بما دل على أنهم مأمورون في حركة وسكون منقادون مفوضون لطفاً له ولأمته صلى الله عليه وسلم ولهذا صرح بعده بقوله تعالى : { فاعبده واصطبر لِعِبَادَتِهِ } [ مريم : 65 ] وفيه انك لا ينبغي أن تكترث بمقالة المخالفين إلى أن تلقى ربك سعيداً ، وعطف عليه مقالة الكفار بياناً لتباين ما بين المقالتين وما عليه الملك المعصوم والإنسان الجاهل الظلوم فهو استطراد شبيه بالاعتراض حسن الموقع انتهى ، ولا يأبى ما تقدم في سبب النزول ما أخرجه أحمد . والبخاري . والترمذي . والنسائي . وجماعة في سببه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه الصلاة والسلام : ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ؟ فنزلت { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } » لجواز أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك في أثناء محاورته السابقة أيضاً واقتصر في كل رواية على شيء مما وقع في المحاورة ، وقيل : يجوز أن يكون النزول متكرراً نعم ما ذكر في التوجيه إنما يحسن على بعض الروايات السابقة في المراد بالخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات .
وقال بعضهم : إن التقدير هذا ، وقال جبريل : وما نتنزل الخ وبه يظهر حسن العطف ووجهه انتهى وتعقب بأنه لا محصل له . وحكى النقاش عن قوم أن الآية متصلة بقول جبريل عليه السلام أولاً { إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لأِهَبَ لَكِ غلاما زَكِيّاً } [ مريم : 19 ] وهو قول نازل عن درجة القبول جداً ، والتنزل النزول على مهل لأنه مطاوع نزل يقال نزلته فتنزل ، وقد يطلق بمعنى النزول مطلقاً كما يطلق نزل بمعنى أنزل ، وعلى ذلك قوله :
فلست لإنسى ولكن لملأك *** تنزل من جو السماء يصوب
إذ لا أثر للتدرج في مقصود الشاعر ، والمعنى ما نتنزل وقتاً غب وقت إلا بأمر الله تعالى على ما تقتضيه حكمته سبحانه ، وقرأ الأعرج { وما يتنزل } بالياء والضمير للوحي بقرينة الحال ، وسبب النزول والكلام لجبريل عليه السلام ، وقيل : إن الضمير له عليه السلام والكلام له عز وجل أخبر سبحانه أنه لا يتنزل جبريل إلا بأمره تعالى قائلاً : { لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } ما قدامنا من الزمان المستقبل { وَمَا خَلْفَنَا } من الزمان الماضي { وَمَا بَيْنَ ذلك } المذكور من الزمان الحال فلا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره سبحانه ومشيئته عز وجل ، وقال ابن جريج : ما بين الأيدي هو ما مر من الزمان قبل الإيجاد وما خلف هو ما بعد موتهم إلى استمرار الآخرة وما بين ذلك هو مدة الحياة ، وقال أبو العالية : ما بين الأيدي الدنيا بأسرها إلى النفخة الأولى وما خلف ذلك الآخرة من وقت البعث وما بين ذلك ما بين النفختين وهو أربعون سنة ، وفي كتاب التحرير والتحبير ما بين الأيدي الآخرة وما خلف الدنيا ورواه العوفي عن ابن عباس وبه قال ابن جبير . وقتادة ومقاتل . وسفيان ، وقال الأخفش : ما بين الأيدي هو ما قبل الخلق وما خلف هو ما بعد الفناء وما بين ذلك ما بين الدنيا والآخرة فلما آت على هذه الأقوال من الزمان .
وقال صاحب الفنيان : ما بين أيدينا السماء وما خلفنا الأرض وما بين ذلك ما بين الأرض والسماء ، وقيل : ما بين الأيدي الأرض وما خلف السماء وقيل : ما بين الأيدي المكان الذي ينتقلون إليه وما خلف المكان الذي ينتقلون منه وما بين ذلك المكان الذي هم فيه فالما آت من الأمكنة ، واختار بعضهم تفسيرها بما يعم الزمان والمكان ، والمراد أنه تعالى المالك لكل ذلك فلا ننتقل من مكان إلى مكان ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بإذنه عز وجل .
وقال البغوي : المراد له علم ما بين أيدينا الخ أي فلا نقدم على ما لم يكن موافق حكمته سبحانه وتعالى :
واختار بعضهم التعميم أي له سبحانه ذلك ملكاً وعلماً { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } أي تاركاً أنبياءه عليهم السلام ويدخل صلى الله عليه وسلم في ذلك دخولاً أولياً أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به ولم يكن عن ترك الله تعالى لك وتوديعه إياك كما زعمت الكفرة وإنما كان لحكمة بالغة ، وقيل : النسيان على ظاهره يعني أنه سبحانه لإحاطة علمه وملكه لا يطرأ عليه الغفلة والنسيان حتى يغفل عنك وعن الإيحاء إليك وإِنما كان تأخير الإيحاء لحكمة علمها جل شأنه ، واختير الأول لأن هذا المعنى لا يجوز عليه سبحانه فلا حاجة إلى نفيه عنه عز وجل مع أن الأول هو الأوفق لسبب النزول .
ورجح الثاني بأنه أوفق بصيغة المبالغة فإنها باعتبار كثرة من فرض التعلق به وهي أتم على الثاني مع ما في ذلك من إبقاء اللفظ على حقيقته ، وكثيراً ما جاء في القرآن نفي ما لا يجوز عليه سبحانه وتعالى وفيه نظر ، نعم لا شبهة في أن المتبادر الثاني وأمر الأوفقية لسبب النزول سهل ، وفي إعادة اسم الرب المعرب عن التبليغ إلى الكمال اللائق مضافاً إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه صلى الله عليه وسلم والإشعار بعلة الحكم ما لا يخفى ، وقال أبو مسلم . وابن بحر : أول الآية إلى { وَمَا بَيْنَ ذلك } من كلام المتقين حين يدخلون الجنة والتنزل فيه من النزول في المكان ، والمعنى وما نحل الجنة ونتخذها منازل إلا بأمر ربك تعالى ولطفه وهو سبحانه مالك الأمور كلها سالفها ومترقبها وحاضرها فما وجدنا وما نجده من لطفه وفضله ، وقوله سبحانه : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } تقرير من جهته تعالى لقوله أي وما كان سبحانه تاركاً لثواب العاملين أو ما كان ناسياً لأعمالهم والثواب عليها حسبما وعد جل وعلا ، وفيه أن حمل التنزل على ما ذكر خلاف الظاهر . وأيضاً مقتضاه بأمر ربنا لأن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم كما في الوجه الأول غير ظاهر إلا أن يكون حكاه الله تعالى على المعنى لأن ربهم وربه واحد ولو حكى على لفظهم لقيل ربنا ، وإنما حكى كذلك ليجعل تمهيداً لما بعده ، وكون ذلك خطاب جماعة المتقين لواحد منهم بعيد وكذا «وما كان ربك نسيا » إذ لم يقل ربهم . وأيضاً لا يوافق ذلك سبب النزول بوجه ، وكأن القائل إنما اختاره ليناسب الكلام ما قبله ويظهر عطفه عليه . وقد تحقق أنا في غنى عن ارتكابه لهذا الغرض .