مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (127)

قوله تعالى : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم }

اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأمور التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وهو أنهما عند بناء البيت ذكرا ثلاثة من الدعاء ثم ههنا مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { وإذ يرفع } حكاية حال ماضية والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس ، والأصل لما فوقه ، وهي صفة غالبة ، ومعناها الثابتة ، ومنه أقعدك الله أي أسأل الله أن يقعدك أي يثبتك ورفع الأساس البناء عليها ، لأنها إذا بني عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه ، ومعنى رفع القواعد رفعها بالبناء لأنه إذا وضع سافا فوق ساف فقد رفع السافات والله أعلم .

المسألة الثانية : الأكثرون من أهل الأخبار على أن هذا البيت كان موجودا قبل إبراهيم عليه السلام على ما روينا من الأحاديث فيه واحتجوا بقوله : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت } فإن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه السلام رفعها وعمرها .

المسألة الثالثة : اختلفوا في أنه هل كان إسماعيل عليه السلام شريكا لإبراهيم عليه السلام في رفع قواعد البيت وبنائه ؟ قال الأكثرون : إنه كان شريكا له في ذلك والتقدير وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت والدليل عليه أنه تعالى عطف إسماعيل على إبراهيم فلابد وأن يكون ذلك العطف في فعل من الأفعال التي سلف ذكرها ولم يتقدم إلا ذكر رفع قواعد البيت موجب أن يكون إسماعيل معطوفا على إبراهيم في ذلك ، ثم إن اشتراكهما في ذلك يحتمل وجهين . ( أحدهما ) : أن يشتركا في البناء ورفع الجدران . ( والثاني ) : أن يكون أحدهما بانيا للبيت والآخر يرفع إليه الحجر والطين ، ويهيئ له الآلات والأدوات ، وعلى الوجهين تصح إضافة الرفع إليهما ، وإن كان الوجه الأول أدخل في الحقيقة ومن الناس من قال : إن إسماعيل في ذلك الوقت كان طفلا صغيرا وروي معناه عن علي رضي الله عنه ، وأنه لما بنى البيت خرج وخلف إسماعيل وهاجر فقالا : إلى من تكلنا ؟ فقال إبراهيم : إلى الله فعطش إسماعيل فلم ير شيئا من الماء فناداهما جبريل عليه السلام وفحص الأرض بأصبعه فنبعت زمزم وهؤلاء جعلوا الوقف على قوله : { من البيت } ثم ابتدؤوا : وإسماعيل ربنا تقبل منا طاعتنا ببناء هذا البيت فعلى هذا التقدير يكون إسماعيل شريكا في الدعاء لا في البناء ، وهذا التأويل ضعيف لأن قوله : { تقبل منا } ليس فيه ما يدل على أنه تعالى ماذا يقبل فوجب صرفه إلى المذكور السابق وهو رفع البيت فإذا لم يكن ذلك من فعله كيف يدعو الله بأن يتقبله منه ، فإذن هذا القول على خلاف ظاهر القرآن فوجب رده والله أعلم .

المسألة الرابعة : إنما قال : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت } ولم يقل يرفع قواعد البيت لأن في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام من تفخيم الشأن ما ليس في العبارة الأخرى ، واعلم أن الله تعالى حكى عنهما بعد ذلك ثلاثة أنواع من الدعاء .

النوع الأول : في قوله تعالى : { تقبل منا إنك أنت السميع العليم } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اختلفوا في تفسير قوله : { تقبل منا } فقال المتكلمون : كل عمل يقبله الله تعالى فهو يثيب صاحبه ويرضاه منه ، والذي لا يثيبه عليه ولا يرضاه منه فهو المردود ، فههنا عبر عن أحد المتلازمين باسم الآخر ، فذكر لفظ القبول وأراد به الثواب والرضا لأن التقبل هو أن يقبل الرجل ما يهدى إليه ، فشبه الفعل من العبد بالعطية ، والرضا من الله بالقبول توسعا . وقال العارفون : فرق بين القبول والتقبل فإن التقبل عبارة عن أن يتكلف الإنسان في قبوله وذلك إنما يكون حيث يكون العمل ناقصا لا يستحق أن يقبل فهذا اعتراف منهما بالتقصير في العمل ، واعتراف بالعجز والانكسار ، وأيضا فلم يكن المقصود إعطاء الثواب عليه ، لأن كون الفعل واقعا موقع القبول من المخدوم ألذ عند الخادم العاقل من إعطاء الثواب عليه وتمام تحقيقه سيأتي في تفسير المحبة في قوله تعالى : { والذين آمنوا أشد حبا لله } والله أعلم .

المسألة الثانية : إنهم بعد أن أتوا بتلك العبادة مخلصين تضرعوا إلى الله تعالى في قبولها وطلبوا الثواب عليها على ما قاله المتكلمون ، ولو كان ترتيب الثواب على الفعل المقرون بالإخلاص واجبا على الله تعالى ، لما كان في هذا الدعاء والتضرع فائدة ، فإنه يجري مجرى أن الإنسان يتضرع إلى الله فيقول : يا إلهي اجعل النار حارة والجمد باردا بل ذلك الدعاء أحسن لأنه لا استبعاد عند المتكلم في صيرورة النار حال بقائها على صورتها في الإشراق والاشتعال باردة ، والجمد حال بقائه على صورته في الانجماد والبياض حارا ويستحيل عند المعتزلة أن لا يترتب الثواب على مثل هذا الفعل فوجب أن يكون الدعاء ههنا أقبح فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا يجب للعبد على الله شيء أصلا والله أعلم .

المسألة الثانية : إنما عقب هذا الدعاء بقوله : { إنك أنت السميع العليم } كأنه يقول : تسمع دعاءنا وتضرعنا ، وتعلم ما في قلبنا من الإخلاص وترك الالتفات إلى أحد سواك . فإن قيل : قوله : { إنك أنت السميع العليم } يفيد الحصر وليس الأمر كذلك ، فإن غيره قد يكون سميعا . قلنا : إنه سبحانه لكماله في هذه الصفة يكون كأنه هو المختص بها دون غيره .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (127)

{ وَإِذْ يَرْفَعُ } عطف على { وَإِذْ قَالَ إبراهيم } [ البقرة : 126 ] وإذ للمضي وآثر صيغة المضارع مع أن القصة ماضية استحضاراً لهذا الأمر ليقتدي الناس به في إتيان الطاعات الشاقة مع الابتهال في قبولها وليعلموا عظمة البيت المبني فيعظموه { القواعد مِنَ البيت } القواعد جمع قاعدة وهي الأساس كما قاله أبو عبيدة ، صفة صارت بالغلبة من قبيل الأسماء الجامدة بحيث لا يذكر لها موصوف ولا يقدر من القعود بمعنى الثبات ، ولعله مجاز من المقابل للقيام ، ومنه قعدك الله تعالى في الدعاء بمعنى أدامك الله تعالى وثبتك ، ورفع القواعد على هذا المعنى مجاز عن البناء عليها إذ الظاهر من رفع الشيء جعله عالياً مرتفعاً ، والأساس لا يرتفع بل يبقى بحاله لكن لما كانت هيأته قبل البناء عليه الانخفاض ولما بني عليه انتقل إلى هيأة الارتفاع بمعنى أنه حصل له مع ما بني عليه تلك الهيأة صار البناء عليه سبباً للحصول كالرفع فاستعمل الرفع في البناء عليه واشتق من ذلك { يَرْفَعُ } بمعنى يبني عليها ، وقيل : القواعد ساقات البناء وكل ساق قاعدة لما فوقه ، فالمراد برفعها على هذا بناؤها نفسها ، ووجه الجمع عليه ظاهر وعلى الأول لأنها مربعة ولكل حائط أساس ، وضعف هذا القول بأن فيه صرف لفظ القواعد عن معناه المتبادر وليس هو كصرف الرفع في الأول ، وقيل : الرفع بمعنى الرفعة والشرف ، والقواعد بمعناه الحقيقي السابق فهو استعارة تمثيلية وفيه بعد إذ لا يظهر حينئذٍ فائدة لذكر القواعد . و{ مِنْ } ابتدائية متعلقة ب { يَرْفَعُ } أو حال من { القواعد } ولم يقل قواعد البيت لما في الإبهام والتبيين من الاعتناء الدال على التفخيم ما لا يخفى .

{ وإسماعيل } عطف على { إِبْرَاهِيمَ } ، وفي تأخيره عن المفعول المتأخر عنه رتبة إشارة إلى أن مدخليته في رفع البناء ، والعمل دون مدخلية إبراهيم عليه السلام ، وقد ورد أنه كان يناوله الحجارة ، وقيل : كانا يبنيان في طرفين أو على التناوب ، وأبعد بعضهم فزعم أن إسماعيل مبتدأ وخبره محذوف أي يقول : ربنا ، وهذا ميل/ إلى القول بأن إبراهيم عليه السلام هو المتفرد بالبناء ولا مدخلية لإسماعيل فيه أصلاً بناءً على ما روي عن عليّ كرم الله تعالى وجهه أنه كان إذ ذاك طفلاً صغيراً ، والصحيح أن الأثر غير صحيح ، هذا وقد ذكر أهل الأخبار في ماهية هذا البيت وقدمه وحدوثه ، ومن أي شيء كان باباه ، وكم مرة حجه آدم ، ومن أي شيء بناه إبراهيم ، ومن ساعده على بنائه ، ومن أين أتى بالحجر الأسود ؟ ؟ ؟ أشياء لم يتضمنها القرآن العظيم ، ولا الحديث الصحيح ، وبعضها يناقض بعضاً ، وذلك على عادتهم في نقل ما دب ودرج ، ومن مشهور ذلك أن الكعبة أنزلت من السماء في زمان آدم ، ولها بابان إلى المشرق والمغرب فحج آدم من أرض الهند واستقبلته الملائكة أربعين فرسخاً فطاف بالبيت ودخله ثم رفعت في زمن طوفان نوح عليه السلام إلى السماء ثم أنزلت مرة أخرى في زمن إبراهيم فزارها ورفع قواعدها وجعل بابيها باباً واحداً ثم تمخض أبو قبيس فانشق عن الحجر الأسود ، وكان ياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة نزل بها جبريل فخبئت في زمان الطوفان إلى زمن إبراهيم فوضعه إبراهيم مكانه ثم اسود بملامسة النساء الحيض ، وهذا الخبر وأمثاله إن صح عند أهل الله تعالى إشارات ورموز لمن ألقى السمع وهو شهيد فنزولها في زمن آدم عليه السلام إشارة إلى ظهور عالم المبدأ والمعاد ومعرفة عالم النور وعالم الظلمة في زمانه دون عالم التوحيد ، وقصده زيارتها من أرض الهند إشارة إلى توجهه بالتكوين ، والاعتدال من عالم الطبيعة الجسمانية المظلمة إلى مقام القلب ، واستقبال الملائكة إشارة إلى تعلق القوى النباتية والحيوانية بالبدن وظهور آثارها فيه قبل آثار القلب في الأربعين التي تكونت فيها بنيته وتخمرت طينته أو توجهه بالسير والسلوك من عالم النفس الظلماني إلى مقام القلب ، واستقبال الملائكة تلقى القوى النفسانية والبدنية إياه بقبول الآداب والأخلاق الجميلة ، والملكات الفاضلة ، والتمرن والتنقل في المقامات قبل وصوله إلى مقام القلب ، وطوافه بالبيت إشارة إلى وصوله إلى مقام القلب وسلوكه فيه مع التلوين ، ودخوله إشارة إلى تمكينه واستقامته فيه ، ورفعه في زمن الطوفان إلى السماء إشارة إلى احتجاب الناس بغلبة الهوى وطوفان الجهل في زمن نوح عن مقام القلب ، وبقاؤه في السماء إشارة إلى البيت المعمور الذي هو قلب العالم ونزوله مرة أخرى في زمان إبراهيم إشارة إلى اهتداء الناس في زمانه إلى مقام القلب بهدايته ، ورفع إبراهيم قواعده وجعله ذا باب واحد إشارة إلى ترقي القلب إلى مقام التوحيد إذ هو أول من أظهر التوحيد الذاتي المشار إليه بقوله تعالى حكاية عنه :

{ وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السموات والأرض حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين } [ الأنعام : 79 ] والحجر الأسود إشارة إلى الروح التي هي أمر الله عز شأنه ويمينه ، وموضع سره ، وتمخض أبي قبيس وانشقاقه عنه إشارة إلى ظهوره بالرياضة وتحرك آلات البدن باستعمالها في التفكر والتعبد في طلب ظهوره ، ولهذا قيل : خبئت أي احتجبت بالبدن ، واسوداده بملامسة الحيض إشارة إلى تكدره بغلبة القوى النفسانية على القلب ، واستيلائها عليه ، وتسويدها الوجه النوراني الذي يلي الروح منه :

ولو ترك القطا ليلاً لناما ***

{ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } أي : يقولان ربنا ، وبه قرأ أبيّ ، والجملة حال من فاعل { يَرْفَعُ } وقيل : معطوفة على ما قبله بجعل القول متعلقاً ل { إِذْ } والتقبل مجاز عن الإثابة والرضا لأن كل عمل يقبله الله تعالى فهو يثيب صاحبه ويرضاه منه ، وفي سؤال الثواب على العمل دليل على أن ترتبه عليه ليس واجباً ، وإلا لم يطلب ، وفي اختيار صيغة التفعل اعتراف بالقصور لما فيه من الإشعار بالتكلف في القبول ، وإن كان التقبل والقبول بالنسبة إليه تعالى على السواء إذ لا يمكن تعقل التكلف في شأنه عز شأنه ، ويمكن أن يكون المراد من التقبل الرضا فقط دون الإثابة لأن غاية ما يقصده المخلصون من الخدم/ لوقوع أفعالهم موضع القبول والرضا عند المخدوم ، وليس الثواب مما يخطر لهم ببال ، ولعل هذا هو الأنسب بحال الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام .

{ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم } تعليل لاستدعاء التقبل ، والمراد السميع لدعائنا ، والعليم بنياتنا ، وبذلك يصح الحصر المستفاد من تعريف المسندين ويفيد نفي السمعة والرياء في الدعاء والعمل الذي هو شرط القبول ، وتأكيد الجملة لإظهار كمال قوة يقينهما بمضمونها وتقديم صفة السمع ، وإن كان سؤال التقبل متأخراً عن العمل للمجاورة ولأنها ليست مثل العلم شمولاً .

( ومن باب الإشارة ) : { وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت } على الكيفية التي ذكرناها قبل { وإسماعيل } كذلك قائلين { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } مجاهداتنا ومساعينا في السلوك إليك بإمداد التوفيق { إِنَّكَ أَنتَ السميع } لهواجس خواطرنا فيه { العليم } [ البقرة : 127 ] بنياتنا وأسرارنا .