قوله تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير }
اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله بما تقدم من الآية وبين أن العلة قد انزاحت من قبله لا من قبلهم وأنه لا عذر لهم في الثبات على التكذيب به عقب ذلك بأن القوم بلغ حالهم في تشددهم في باطلهم وثباتهم على كفرهم أنهم يريدون مع ذلك أن يتبع ملتهم ولا يرضون منه بالكتاب ، بل يريدون منه الموافقة لهم فيما هم عليه فبين بذلك شدة عداوتهم للرسول وشرح ما يوجب اليأس من موافقتهم والملة هي الدين ثم قال : { قل إن هدى الله هو الهدى } بمعنى أن هدى الله هو الذي يهدي إلى الإسلام وهو الهدى الحق والذي يصلح أن يسمى هدى وهو الهدى كله ليس وراءه هدى ، وما يدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى ، ألا ترى إلى قوله : { ولئن اتبعت أهواءهم } أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع ، { بعد الذي جاءك من العلم } أي من الدين المعلوم صحته بالدلائل القاطعة . { ما لك من الله من ولي ولا نصير } أي معين يعصمك ويذب عنك ، بل الله يعصمك من الناس إذا أقمت على الطاعة والاعتصام بحبله قالوا : الآية تدل على أمور منها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله ، فإن في هذه الصورة علم الله أنه لا يتبع أهواءهم ومع ذلك فقد توعده عليه ونظيره قوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } وإنما حسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هذا الوعيد أحد صوارفه . ( وثانيها ) : أن قوله : { بعد الذي جاءك من العلم } يدل على أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة وإذا صح ذلك فبأن لا يجوز الوعيد إلا بعد القدرة أولى فبطل به قول من يجوز تكليف ما لا يطاق . ( وثالثها ) : فيها دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلا ، فمن هذا الوجه يدل على بطلان التقليد . ( ورابعها ) : فيها دلالة على أنه لا شفيع لمستحق العقاب لأن غير الرسول إذا اتبع هواه لو كان يجد شفيعا ونصيرا لكان الرسول أحق بذلك وهذا ضعيف ، لأن اتباع أهوائهم كفر ، وعندنا لا شفاعة في الكفر .
{ وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } بيان لكمال شدة شكيمتي هاتين الطائفتين إثر بيان ما يعمهما ، والمشركين مما تقدم ولا بين المعطوفين لتأكيد النفي وللإشعار بأن رضا كل منهما مباين لرضا الأخرى ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه من المبالغة في إقناطه صلى الله عليه وسلم من إسلامهم ما لا غاية وراءه فإنهم حيث لم يرضوا عنه عليه الصلاة والسلام ، ولو خلاهم يفعلون ما يفعلون بل أملوا ما لا يكاد يدخل دائرة الإمكان ، وهو الاتباع لملتهم التي جاء بنسخها فكيف يتصور اتباعهم لملته صلى الله عليه وسلم ، واحتيج لهذه المبالغة لمزيد حرصه صلى الله عليه وسلم على إيمانهم على ما روي أنه كان يلاطف كل فريق رجاء أن يسلموا فنزلت ، والملة في الأصل اسم من أمللت الكتاب بمعنى أمليته كما قال الراغب ، ومنه طريق ملول أي مسلوك معلوم كما نقله الأزهري ، ثم نقلت إلى أصول الشرائع باعتبار أنها يمليها النبي صلى الله عليه وسلم ولا يختلف الأنبياء عليهم السلام فيها ، وقد تطلق الباطل كالكفر ملة واحدة ، ولا تضاف إليه سبحانه فلا يقال ملة الله ، ولا إلى آحاد الأمة ، والدين يرادفها صدقاً لكنه باعتبار قبول المأمورين ؛ لأنه في الأصل الطاعة والانقياد ولاتحاد ما صدقهما قال تعالى : { دِينًا قِيَمًا مّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } [ الأنغام : 161 ] وقد يطلق الدين على الفروع تجوزاً ، ويضاف إلى الله تعالى وإلى الآحاد وإلى طوائف مخصوصة نظراً إلى الأصل على أن تغاير الاعتبار كاف في صحة الإضافة ، ويقع على الباطل أيضاً ، وأما الشريعة فهي المورد في الأصل ، وجعلت اسماً للأحكام الجزئية المتعلقة بالمعاش والمعاد سواء كانت منصوصة من الشارع أو لا لكنها راجعة إليه والنسخ والتبديل يقع فيها ، وتطلق على الأصول الكلية تجوزاً قاله بعض المحققين . ووحدت الملة وإن كان لهم ملتان للإيجاز أو لأنهما يجمعهما الكفر ، وهو ملة واحدة ، ثم إن هذا ليس ابتداء كلام منه تعالى بعدم رضاهم بل هو حكاية لمعنى كلام قالوه بطريق التكلم ليطابقه قوله سبحانه .
{ قُلْ إِنَّ هُدَى هُوَ الهدى } فإنه على طريقة الجواب لمقالتهم ولعلهم ما قالوا ذلك إلا لزعمهم أن دينهم/ حق وغير باطل فأجيبوا بالقصر القلبي أي دين الله تعالى هو الحق ودينكم هو الباطل ، وهدى الله تعالى الذي هو الإسلام هو الهدى وما يدعون إليه ليس بهدى بل هوى على أبلغ وجه لإضافة الهدي إليه تعالى وتأكيده بأن وإعادة الهدى في الخبر على حد شعري شعري ، وجعله نفس الهدى المصدري وتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخبر ، ويحتمل أنهم قالوا ذلك فيما بينهم ، والأمر بهذا القول لهم لا يجب أن يكون جواباً لعين تلك العبارة بل جواب ورد لما يستلزم مضمونها أو يلزمه من الدعوة إلى اليهودية أو النصرانية وأن الاهتداء فيهما ، وقيل : يصح أن يكون لإقناطهم عما يتمنونه ويطمعونه وليس بجواب : { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم } أي آراءهم الزائغة المنحرفة عن الحق الصادرة عنهم بتبعية شهوات أنفسهم وهي التي عبر عنها فيما قبل بالملة وكان الظاهر ولئن اتبعتها إلا أنه غير النظم ووضع الظاهر موضع المضمر من غير لفظه إيذاناً بأنهم غيروا ما شرعه الله سبحانه تغييراً أخرجوه به عن موضوعه ، وفي صيغة الجمع إشارة إلى كثرة الاختلاف بينهم وأن بعضهم يكفر بعضاً .
{ بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم } أي المعلوم وهو الوحي أو الدين لأنه الذي يتصف بالمجيء دون العلم نفسه ولك أن تفسر المجيء بالحصول فيجري العلم على ظاهره
{ مالك مِنَ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } جواب للقسم الدال عليه السلام الموطئة ولو أجيب به الشرط هنا لوجبت الفاء ، وقيل : إنه جواب له ويحتاج إلى تقدير القسم مؤخراً عن الشرط وتأويل الجملة الاسمية بالفعلية الاستقبالية أي ما يكون لك وهو تعسف إذ لم يقل أحد من النحاة بتقدير القسم مؤخراً مع اللام الموطئة ، وتأويل الاسمية بالفعلية لا دليل عليه ، وقيل : إنه جواب لِكِلاَ الأمرين القسم الدال عليه اللام وإن الشرطية لأحدهما لفظاً وللآخر معنى وهو كما ترى ، والخطاب أيضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتقييد الشرط بما قيد للدلالة على أن متابعة أهوائهم محال لأنه خلاف ما علم صحته فلو فرض وقوعه كما يفرض المحال لم يكن له ولي ولا نصير يدفع عنه العذاب ، وفيه أيضاً من المبالغة في الإقناط ما لا يخفى ، وقيل : الخطاب هناك وهنا وإن كان ظاهراً للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن المقصود منه أمته ، وأنت تعلم مما ذكرنا أنه لا يحتاج إلى التزام ذلك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.