فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (127)

{ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل } حكاية حال ماضية استحضارا لصورته العجيبة ، والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس ، قاله أبو عبيدة والفراء وهي صفة غالبة من القعود بمعنى الثبات ، ولعله مجاز من المقابل للقيام ومنه قعدك الله ، وقال الكسائي : وهي الجدر والمراد برفعها رفع ما هو مبني فوقها لا رفعها في نفسها فإنها لم ترفع ، لكنها لما كانت متصلة بالبناء المرتفع فوقها صارت كأنها مرتفعة بارتفاعه أو المراد بهذا سافات البناء ، فإن كل ساف قاعدة لما يبنى عليه وبرفعها بناؤها أو المراد رفع مكنته ودعاء الناس إلى حجه ، وفي إبهام القواعد وتبيينها ثانيا بقوله من البيت تفخيم لشأنها .

{ ربنا } أي قائلين ربنا ، وقرأ أبي وابن مسعود يقولان ربنا { تقبل منا } أي طاعتنا إياك وعبادتنا لك { إنك أنت السميع } لدعائنا { العليم } بنياتنا .

وقد أكثر المفسرون في تفسير هذه الآية من نقل أقوال السلف في كيفية بناء البيت ، ومن أي أحجار الأرض بني ، وفي أي زمان عرف ، ومن حجه ، وما ورد فيه من الأدلة الدالة على فضله أو فضل بعضه كالحجر الأسود ، وفي الدر المنثور من ذلك ما لم يكن في غيره فليرجع إليه ، وفي تفسير ابن كثير بعض من ذلك .

ولما لم يكن ما ذكروه متعلقا بالتفسير لم نذكره .

وفي القسطلاني على البخاري بنيت الكعبة عشر مرات :

الأول : بناء الملائكة

الثاني : بناء آدم .

الثالث : بناء ابنه شيث بالطين والحجارة وغرق بالطوفان .

الرابع : بناء إبراهيم . {[129]}

الخامس : بناء العمالقة .

السادس : بناء جرهم والذي بناه منهم هو الحرث بن مضاض الأصغر .

السابع : بناء قصي خامس جد النبي صلى الله عليه وسلم .

الثامن : بناء قريش .

التاسع : بناء عبد الله بن الزبير في أوائل سنة أربع وستين .

العاشر : بناء الحجاج انتهى حاصله ، قال سليمان الجمل وهذا بحسب ما اطلع عليه وإلا فقد بناه بعد ذلك بعض الملوك سنة ألف وتسع وثلاثين كما نقله بعض المؤرخين ، قال الرازي فيه : أن بناء المسجد قربة وفيه استحباب الدعاء بقبول الأعمال .

{ ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم } .


[129]:روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كانت الملائكة تحج إلى البيت قبل آدم. وقال ابن عباس: لما أهبط آدم؛ قال الله تعالى: يا آدم اذهب فإن لي بيتا فطف به، واذكرني حوله كما رأيت ملائكتي تصنع حول عرشي. فأقبل يسعى حتى انتهى إلى البيت الحرام، وبناه من خمسة أجبل: من لبنان، وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي، وحراء، فكان آدم أول من أسس البيت، وطاف به ولم يزل كذلك حتى بعث الطوفان، فدرس موضع البيت فبعث الله إبراهيم وإسماعيل وقال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: لما أمر الله تعالى إبراهيم ببناء البيت؛ ضاق به ذرعا، ولم يدر كيف يصنع، فأنزل الله عليه كهيئة السحابة، فيها رأس يتكمل، فقال يا إبراهيم علم على ظلي، فلما علم ارتفعت. وفي رواية أنه كان عليها كل يوم صقال: وحفر إبراهيم من تحت السكينة، فأبدى عن قواعد، ما تحرك القاعدة منها دون ثلاثين رجلا. فلما بلغ موضع الحجر، قال لإسماعيل: التمس لي حجرا، فذهب يطلب حجرا، فجاء جبريل بالحجر الأسود فوضعه، فلما جاء إسماعيل قال: من جاءك بهذا الحجر؟ قال: جاء به من يتكل على بنائي وبنائك.