مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ} (126)

قوله تعالى : { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } .

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من أحوال إبراهيم عليه السلام التي حكاها الله تعالى ههنا ، قال القاضي : في هذه الآيات تقديم وتأخير ، لأن قوله : { رب اجعل هذا بلدا آمنا } لا يمكن إلا بعد دخول البلد في الوجود ، والذي ذكره من بعد وهو قوله : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت } وإن كان متأخرا في التلاوة فهو متقدم في المعنى ، وههنا مسائل :

المسألة الأولى : المراد من الآية دعاء إبراهيم للمؤمنين من سكان مكة بالأمن والتوسعة بما يجلب إلى مكة لأنها بلد لا زرع ولا غرس فيه ، فلولا الأمن لم يجلب إليها من النواحي وتعذر العيش فيها . ثم إن الله تعالى أجاب دعاءه وجعله آمنا من الآفات ، فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل ، وههنا سؤالان :

( السؤال الأول ) : أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء وتم له ذلك ؟

الجواب : لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها ، بل كان مقصوده شيئا آخر .

( السؤال الثاني ) : المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمنا كثير الخصب ، وهذا مما يتعلق بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها .

والجواب عنه من وجوه ، ( أحدها ) : أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين ، كان ذلك من أعظم أركان الدين ، فإذا كان البلد آمنا وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى ، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك . ( وثانيها ) : أنه تعالى جعله مثابة للناس والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة . ( وثالثها ) : لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة ، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة .

المسألة الثانية : { بلدا آمنا } يحتمل وجهين . ( أحدهما ) : مأمون فيه كقوله تعالى : { في عيشة راضية } أي مرضية . ( والثاني ) : أن يكون المراد أهل البلد كقوله : { واسأل القرية } أي أهلها وهو مجاز لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد .

المسألة الثالثة : اختلفوا في الأمن المسئول في هذه الآية على وجوه . ( أحدها ) : سأله الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع . ( وثانيها ) : سأله الأمن من الخسف والمسخ . ( وثالثها ) : سأله الأمن من القتل وهو قول أبو بكر الرازي ، واحتج عليه بأنه عليه السلام سأله الأمن أولا ، ثم سأله الرزق ثانيا ، ولو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكرارا فقال في هذه الآية : { رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات } وقال في آية أخرى : { رب اجعل هذا البلد آمنا } ثم قال في آخر القصة : { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع } إلى قوله : { وارزقهم من الثمرات } واعلم أن هذه الحجة ضعيفة فإن لقائل أن يقول : لعل الأمن المسئول هو الأمن من الخسف والمسخ ، أو لعله الأمن من القحط ، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية وقد يكون بالتوسعة فيها فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القحط وبالسؤال الثاني طلب التوسعة العظيمة .

المسألة الرابعة : اختلفوا في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو إنما صارت كذلك بدعوته فقال قائلون : إنها كانت كذلك أبدا لقوله عليه السلام : ( إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ) وأيضا قال إبراهيم : { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم } وهذا يقتضي أنها كانت محرمة قبل ذلك ، ثم إن إبراهيم عليه السلام أكده بهذا الدعاء ، وقال آخرون : إنها إنما صارت حرما آمنا بدعاء إبراهيم عليه السلام وقبله كانت لسائر البلاد والدليل عليه قوله عليه السلام : ( اللهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ) . ( والقول الثالث ) : إنها كانت حراما قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراما بعد الدعوة . ( فالأول ) : يمنع الله تعالى من الاصطلام وبما جعل في النفوس من التعظيم . ( والثاني ) : بالأمر على ألسنة الرسل .

المسألة الخامسة : إنما قال في هذه السورة : { بلدا آمنا } على التنكير وقال في سورة إبراهيم : { هذا البلد آمنا } على التعريف لوجهين . ( الأول ) : أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدا ، كأنه قال : اجعل هذا الوادي بلدا آمنا لأنه تعالى حكى عنه أنه قال : { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع } فقال : ههنا اجعل هذا الوادي بلدا آمنا ، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدا ، فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدا ذا أمن وسلامة ، كقولك : جعلت هذا الرجل آمنا . ( الثاني ) : أن تكون الدعوتان وقعتا بعدما صار المكان بلدا ، فقوله : { اجعل هذا بلدا آمنا } تقديره : اجعل هذا البلد بلدا آمنا ، كقولك : كان اليوم يوما حارا ، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة ، لأن التنكير يدل على المبالغة ، فقوله : { رب اجعل هذا بلدا آمنا } معناه : اجعله من البلدان الكاملة في الأمن ، وأما قوله : { رب اجعل هذا البلد آمنا } فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة ، وأما قوله : { وارزق أهله من الثمرات } فالمعنى أنه عليه السلام سأل أن يدر على ساكني مكة أقواتهم ، فاستجاب الله تعالى له فصارت مكة يجبى إليها ثمرات كل شيء ، أما قوله : { من آمن منهم } فهو يدل من قوله : { أهله } يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة ، وهو كقوله : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } واعلم أنه تعالى لما أعلمه أن منهم قوما كفارا بقوله : { لا ينال عهدي الظالمين } لا جرم خصص دعاءه بالمؤمنين دون الكافرين وسبب هذا التخصيص النص والقياس ، أما النص فقوله تعالى : { فلا تأس على القوم الكافرين } وأما القياس فمن وجهين :

( الوجه الأول ) : أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته ، قال الله تعالى : { لا ينال عهدي الظالمين } فصار ذلك تأديبا في المسألة ، فلما ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة ، لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن الله تعالى أعلمه بقوله : { فأمتعه قليلا } الفرق بين النبوة ورزق الدنيا ، لأن منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين ، لأنه لابد في الإمامة والنبوة من قوة العزم والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره ونهيه ولا تأخذه في الدين لومة لائم وسطوة جبار ، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع والكافر والصادق والمنافق ، فمن آمن فالجنة مسكنه ومثواه ، ومن كفر فالنار مستقره ومأواه .

( الوجه الثاني ) : يحتمل أن إبراهيم عليه السلام قوي في ظنه أنه إن دعا للكل كثر في البلد الكفار فيكون في غلبتهم وكثرتهم مفسدة ومضرة من ذهاب الناس إلى الحج ، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب ، أما قوله تعالى : { ومن كفر فأمتعه قليلا } ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : قرأ ابن عامر { فأمتعه } بسكون الميم خفية من أمتعت ، والباقون بفتح الميم مشددة من متعت ، والتشديد يدل على التكثير بخلاف التخفيف .

المسألة الثانية : أمتعه قيل : بالرزق ، وقيل : بالبقاء في الدنيا ، وقيل : بهما إلى خروج محمد صلى الله عليه وسلم فيقتله أو يخرجه من هذه الديار إن أقام على الكفر ، والمعنى أن الله تعالى كأنه قال : إنك وإن كنت خصصت بدعائك المؤمنين فإني أمتع الكافر منهم بعاجل الدنيا ، ولا أمنعه من ذلك ما أتفضل به على المؤمنين إلى أن يتم عمره فأقبضه ثم اضطره في الآخرة إلى عذاب النار ، فجعل ما رزق الكافر في دار الدنيا قليلا ، إذ كان واقعا في مدة عمره ، وهي مدة واقعة فيما بين الأزل والأبد ، وهو بالنسبة إليهما قليل جدا ، والحاصل أن الله تعالى بين أن نعمة المؤمن في الدنيا موصولة بالنعمة في الآخرة ، بخلاف الكافر فإن نعمته في الدنيا تنقطع عند الموت وتتخلص منه إلى الآخرة ، أما قوله : { ثم أضطره إلى عذاب النار } فاعلم أن في الاضطرار قولين : ( أحدهما ) أن يفعل به ما يتعذر عليه الخلاص منه وههنا كذلك ، كما قال الله تعالى : { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } و{ يوم يسبحون في النار على وجوههم } يقال : اضطررته إلى الأمر أي ألجأته وحملته عليه من حيث كان كارها له ، وقالوا : إن أصله من الضر وهو إدناء الشيء من الشيء ، ومنه ضرة المرأة لدنوها وقربها .

( والثاني ) : أن الاضطرار هو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختيارا ، كقوله تعالى : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } فوصفه بأنه مضطر إلى تناول الميتة ، وإن كان ذلك الأكل فعله فيكون المعنى : أن الله تعالى يلجئه إلى أن يختار النار والاستقرار فيها بأن أعلمه بأنه لو رام التخلص لمنع منه ، لأن من هذا حاله يجعل ملجأ إلى الوقوع في النار ، ثم بين تعالى أن ذلك بئس المصير ، لأن نعم المصير ما ينال فيه النعيم والسرور ، وبئس المصير ضده .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ} (126)

{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا ءامَنًا } الإشارة إلى الوادي المذكور بقوله تعالى : { رَّبَّنَا إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم } [ إبراهيم : 7 3 ] أي اجعل هذا المكان القفر بلداً الخ فالمدعو به البلدية مع الأمن ، وهذا بخلاف ما في سورة إبراهيم ( 53 ) { رَبّ اجعل هذا البلد آمنا } ولعل السؤال متكرر ، وما في تلك السورة كان بعد ، والأمن المسؤول فيها إما هو الأول وأعاد سؤاله دون البلدية رغبة في استمراره لأنه المقصد الأصلي ، أو لأن المعتاد في البلدية الاستمرار بعد التحقق بخلافه . وإما غيره بأن يكون المسؤول أولاً : مجرد الأمن المصحح للسكنى ، وثانياً : الأمن المعهود ، ولك أن تجعل { هذا البلد } في تلك السورة إشارة إلى أمر مقدر في الذهن كما يدل عليه { رَّبَّنَا إِنَّي أَسْكَنتُ } [ إبراهيم : 7 3 ] الخ فتطابق الدعوتان حينئذٍ ، وإن جعلت الإشارة هنا إلى البلد تكون الدعوة بعد صيرورته بلداً والمطلوب كونه آمناً على طبق ما في السورة من غير تكلف إلا أنه يفيد المبالغة أي بلداً كاملاً في الأمن كأنه قيل : اجعله بلداً معلوم الاتصاف بالأمن مشهوراً به كقولك كان هذا اليوم يوماً حاراً ، والوصف بآمن إما على معنى النسب أي ذا أمن على حد ما قيل : { فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ القارعة : 7 ] وإما على الاتساع والإسناد المجازي ، والأصل آمناً أهله فأسند { مَا } للحال للمحل لأن الأمن والخوف من صفات ذوي الإدراك ، وهل الدعاء بأن يجعله آمناً من الجبابرة والمتغلبين ، أو من أن يعود حرمه حلالاً ، أو من أن يخلو من أهله أو من الخسف والقذف ، أو من القحط والجذب ، أو من دخول الدجال ، أو من دخول أصحاب الفيل ؟ ؟ أقوال ، والواقع يرد بعضها فإن الجبابرة دخلته وقتلوا فيه كعمرو بن لحي الجرهمي ، والحجاج الثقفي والقرامطة وغيرهم وكون البعض لم يدخله للتخريب بل كان/ غرضه شيئاً آخر لا يجدي نفعاً كالقول بأنه ما آذى أهله جبار إلا قصمه الله تعالى ففي المثل :

إذا مت عطشاناً فلا نزل القطر ***

وكان النداء بلفظ الرب مضافاً لما في ذلك من التلطف بالسؤال والنداء بالوصف الدال على قبول السائل ، وإجابة ضراعته ، وقد أشرنا من قبل إلى ما ينفعك هنا فتذكر .

{ وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات } أي من أنواعها بأن تجعل قريباً منه قرى يحصل فيها ذلك أو تجيء إليه من الأقطار الشاسعة قد حصل كلاهما حتى إنه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد روي أن الله سبحانه لما دعا إبراهيم أمر جبريل فاقتلع بقعة من فلسطين ، وقيل : من الأردن وطاف بها حول البيت سبعاً فوضعها حيث وضعها رزقاً للحرم وهي الأرض المعروفة اليوم بالطائف وسميت به لذلك الطواف ، وهذا على تقدير صحته غير بعيد عن قدرة الملك القادر جل جلاله ، وإن أبيت إبقاءه على ظاهره فباب التأويل واسع ، وجمع القلة إظهاراً للقناعة ، وقد أشرنا إلى أنه كثيراً ما يقوم مقام جمع الكثرة ، و{ مِنْ } للتبعيض ، وقيل : لبيان الجنس .

{ مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بالله واليوم الآخر } بدل من { أَهْلِهِ } بدل البعض وهو مخصص لما دل عليه المبدل منه واقتصر في متعلق الإيمان بذكر المبدأ والمعاد لتضمن الإيمان بهما الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به { قَالَ } أي الله تعالى . { وَمَن كَفَرَ } عطف على { مَنْ ءامَنَ } أي وارزق من كفر أيضاً فالطلب بمعنى الخبر على عكس { وَمِن ذُريَّتِي } [ البقرة : 124 ] وفائدة العدول تعليم تعميم دعاء الرزق وأن لا يحجر في طلب اللطف وكأن إبراهيم عليه السلام قاس الرزق على الإمامة فنبهه سبحانه على أن الرزق رحمة دنيوية لا تخص المؤمن بخلاف الإمامة أو أنه عليه السلام لما سمع { لاَ يَنَالُ } [ البقرة : 124 ] الخ احترز من الدعاء لمن ليس مرضياً عنده تعالى فأرشده إلى كرمه الشامل ، وبما ذكرنا اندفع ما في «البحر » من أن هذا العطف لا يصح لأنه يقتضي التشريك في العامل فيصير : قال إبراهيم وارزق فينافيه ما بعد ، ولك أن تجعل العطف على محذوف أي أرزق من آمن ومن كفر بلفظ الخبر ومن لا يقول بالعطف التلقيني يوجب ذلك ويجوز أن تكون { مِنْ } مبتدأ شرطية أو موصولة وقوله تعالى : { فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً } على الأول : معطوف على { كُفِرَ } وعلى الثاني : خبر للمبتدأ والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ولا حاجة إلى تقدير أنا لأن ابن الحاجب نص على أن المضارع في الجزاء يصح اقترانه بالفاء إلا أن يكون استحساناً ، وإلى عدم التقدير ذهب المبرد ، ومذهب سيبويه وجوب التقدير وأيد بأن المضارع صالح للجزاء بنفسه فلولا أنه خبر مبتدأ لم يدخل عليه الفاء ، ثم الكفر وإن لم يكن سبباً للتمتع المطلق لكنه يصلح سبباً لتقليله وكونه موصولاً بعذاب النار وقليلاً صفة لمحذوف أي متاعاً أو زماناً قليلاً وقرأ ابن عامر { فَأُمَتّعُهُ } مخففاً على الخبر ، وكذا قرأ يحيى بن وثاب إلا أنه كسر الهمزة ، وقرأ أبيّ فنمتعه بالنون وابن عباس ومجاهد { فَأُمَتّعُهُ } على صيغة الأمر ، وعلى هذه القراءة يتعين أن يكون الضمير في { قَالَ } عائداً إلى إبراهيم وحسن إعادة { قَالَ } طول الكلام وأنه انتقل من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين فكأنه أخذ في كلام آخر وكونه عائداً إليه تعالى أي : قال الله فأمتعه يا قادر يا رازق خطاباً لنفسه على طريق التجريد بعيد جداً لا ينبغي أن يلتفت إليه .

{ ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار } الاضطرار ضد الاختيار وهو حقيقة في كون الفعل صادراً من الشخص من غير تعلق إرادته به كمن ألقى من السطح مثلاً مجاز في كون الفعل باختياره لكن بحيث لا يملك الامتناع عنه بأن عرض له عارض يقسره على اختياره كمن أكل الميتة حال المخمصة وبِكِلاَ المعنيين قال بعض ، ويؤيد الأول قوله تعالى : { يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } [ الطور : 3 1 ] و{ يُسْحَبُونَ في النار على وُجُوهِهِمْ } [ القمر : 8 4 ] و{ فيؤخذ بالنواصي والأقدام } [ الرحمن : 1 4 ] ويؤيد الثاني قوله تعالى : { وَسِيقَ الذين كَفَرُواْ إلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أبوابها } [ الزمر : 1 7 ] { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } [ مريم : 1 7 ] الآية و{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } [ الأنبياء : 8 9 ] والتحقيق أن أحوال الكفار يوم القيامة عند إدخالهم النار شتى وبذلك يحصل الجمع بين الآيات وإن الاضطرار مجاز عن كون العذاب واقعاً به وقوعاً محققاً حتى كأنه مربوط به ، قيل : إن هذا الاضطرار في الدنيا وهو مجاز أيضاً كأنه شبه حال الكافر الذي أدَرّ الله تعالى عليه النعمة التي استدناه بها قليلاً إلى ما يهلكه بحال من لا يملك الامتناع مما اضطر إليه فاستعمل في المشبه ما استعمل في المشبه به وهو كلام حسن لولا أنه يستدعي ظاهراً حمل ( ثم ) على التراخي الرتبي وهو خلاف الظاهر .

وقرأ ابن عامر إضطره بكسر الهمزة ، ويزيد بن أبي حبيب اضطره بضم الطاء وأبيّ نضطره بالنون ، وابن عباس ومجاهد على صيغة الأمر ، وابن محيصن أطره بإدغام الضاد في الطاء خبراً قال الزمخشري وهي لغة مرذولة لأن حروف ضم شفر يدغم فيها ما يجاورها دون العكس ، وفيه أن هذه الحروف أدغمت في غيرها فأدغم أبو عمرو الراء في اللام في { نغفر لكم } [ البقرة : 58 ] والضاد في الشين في { لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } [ النور : 2 6 ] والشين في السين في { العرش سَبِيلاً } [ الإسراء : 2 4 ] والكسائي الفاء في الباء في { نَخْسِفْ بِهِمُ } [ سبأ : 9 ] ونقل سيبويه عن العرب أنهم قالوا مضطجع ومطجع إلا أن عدم الإدغام أكثر ، وأصل اضطر على هذا على ما قيل : اضتر فأبدلت التاء طاءاً ، ثم وقع الإدغام { وَبِئْسَ المصير } المخصوص بالذم محذوف لفهم المعنى أي وبئس المصير النار إن كان المصير اسم مكان وإن كان مصدراً على من أجاز ذلك فالتقدير وبئست الصيرورة صيرورته إلى العذاب .

( ومن باب الإشارة ) : { وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجعل هذا } الصدر الذي هو حريم القلب { بَلَدًا آمِنًا } من استيلاء صفات النفس ، واغتيال العدو اللعين ، وتخطف جن القوى البدنية { وارزق أَهْلَهُ } من ثمرات معارف الروح من وحد الله تعالى منهم وعلم المعاد إليه ، قال : ومن احتجب أيضاً من الذين يسكنون الصدر ولا يجاوزون حده بالترقي إلى مقام/ العين لاحتجابهم بالعلم الذي وعاؤه الصدر { فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً } من المعاني العقلية والمعلومات الكلية النازلة إليهم من عالم الروح على حسب استعدادهم { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ } نار الحرمان والحجاب { وَبِئْسَ المصير } [ البقرة : 126 ] مصيرهم لتعذيبهم بنقصانهم وعدم تكميل نشأتهم .