مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ} (39)

أما قوله تعالى : { أن اقذفيه } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : أن هي المفسرة لأن الوحي بمعنى القول .

المسألة الثانية : القذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع ومنه قوله تعالى : { وقذف في قلوبهم الرعب } .

المسألة الثالثة : روى أنها اتخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا ووضعت فيه موسى عليه السلام وقيرت رأسه وشقوقه بالقار ثم ألقته في النيل وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ بتابوت يجيء به الماء فلما رآه فرعون أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجها فلما رآه فرعون أحبه وسيأتي تمام القصة في سورة القصص ، قال مقاتل : إن الذي صنع التابوت حزقيل مؤمن آل فرعون .

المسألة الرابعة : اليم هو البحر والمراد به ههنا نيل مصر في قول الجميع واليم اسم يقع على البحر وعلى النهر العظيم .

المسألة الخامسة : قال الكسائي الساحل فاعل بمعنى مفعول سمي بذلك لأن الماء يسحله أي يقذفه إلى أعلاه .

المسألة السادسة : قال صاحب «الكشاف » الضمائر كلها راجعة إلى موسى عليه السلام ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت يؤدي إلى تنافر النظم فإن قيل المقذوف في البحر هو التابوت وكذلك الملقى إلى الساحل قلنا لا بأس بأن يقال المقذوف والملقى هو موسى عليه السلام في جوف التابوت حتى لا تتفرق الضمائر ولا يحصل التنافر .

المسألة السابعة : لما كان تقدير الله تعالى أن يجري ماء اليم ويلقي بذلك التابوت إلى الساحل سلك في ذلك سبيل المجاز وجعل اليم كأنه ذو تمييز أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه فقيل فليلقه اليم بالساحل أما قوله : { يأخذه عدو لي وعدو له } ففيه أبحاث :

البحث الأول : قوله : { يأخذه } جواب الأمر أي اقذفيه يأخذه .

البحث الثاني : في كيفية الأخذ قولان ، أحدهما : أن امرأة فرعون كانت بحيث تستسقي الجواري فبصرت بالتابوت فأمرت به فأخذت التابوت فيكون المراد من أخذ فرعون التابوت قبوله له واستحبابه إياه . الثاني : أن البحر ألقى التابوت بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون ثم أداه النهر إلى بركة فرعون فلما رآه أخذه .

البحث الثالث : قوله : { يأخذه عدو لي وعدو له } فيه إشكال وهو أن موسى عليه السلام لم يكن ذلك الوقت بحيث يعادى . وجوابه : أما كونه عدوا لله من جهة كفره وعتوه فظاهر وأما كونه عدوا لموسى عليه السلام فيحتمل من حيث إنه لو ظهر له حالة لقتله ويحتمل أنه من حيث يؤول أمره إلى ما آل إليه من العداوة . المنة الثانية : قوله : { وألقيت عليك محبة مني } وفيه قولان : الأول : وألقيت عليك محبة هي مني قال الزمخشري : { مني } لا يخلو إما أن يتعلق بألقيت فيكون المعنى على أني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ، وإما أن يتعلق بمحذوف وهذا هو القول الثاني ويكون ذلك المحذوف صفة لمحبة أي وألقيت عليك محبة حاصلة مني واقعة بخلقي فلذلك أحبتك امرأة فرعون حتى قالت : { قرة عين لى ولك لا تقتلوه } يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبر عنه من رآه وهو كقوله تعالى : { سيجعل لهم الرحمن ودا } قال القاضي : هذا الوجه أقرب لأنه في حال صغره لا يكاد يوصف بمحبة الله تعالى التي ظاهرها من جهة الدين لأن ذلك إنما يستعمل في المكلف من حيث استحقاق الثواب والمراد أن ما ذكرنا من كيفيته في الخلقة يستحلي ويغتبط فكذلك كانت حاله مع فرعون وامرأته وسهل الله تعالى له منهما في التربية ما لا مزيد عليه ويمكن أن يقال بل الاحتمال الأول أرجح لأن الاحتمال الثاني يحوج إلى الإضمار وهو أن يقال : وألقيت عليك محبة حاصلة مني وواقعة بتخليقي وعلى التقدير الأول لا حاجة إلى هذا الإضمار بقي قوله : إنه حال صباه لا يحصل له محبة الله تعالى قلنا : لا نسلم فإن محبة الله تعالى يرجع معناها إلى إيصال النفع إلى عباده وهذا المعنى كان حاصلا في حقه في حال صباه وعلم الله تعالى أن ذلك يستمر إلى آخر عمره فلا جرم أطلق عليه لفظ المحبة .

المنة الثالثة : قوله : { ولتصنع على عيني } قال القفال : لترى على عيني أي على وفق إرادتي ، ومجاز هذا أن من صنع لإنسان شيئا وهو حاضر ينظر إليه صنعه له كما يحب ولا يمكنه أن يفعل ما يخالف غرضه فكذا ههنا وفي كيفية المجاز قولان : الأول : المراد من العين العلم أن ترى على علم مني ولما كان العالم بالشيء يحرسه عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه عن الآفات أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه . الثاني : المراد من العين الحراسة وذلك لأن الناظر إلى الشيء يحرسه عما يؤذيه فالعين كأنها سبب الحراسة فأطلق اسم السبب على المسبب مجازا وهو كقوله تعالى : { إنني معكما أسمع وأرى } ويقال : عين الله عليك إذا دعا لك بالحفظ والحياطة ، قال القاضي ظاهر القرآن يدل على أن المراد من قوله : { ولتصنع على عيني } الحفظ والحياطة كقوله تعالى : { إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن } فصار ذلك كالتفسير لحياطة الله تعالى له ، بقي ههنا بحثان :

الأول : الواو في قوله : { ولتصنع على عيني } فيه ثلاثة أوجه . أحدها : كأنه قيل : { ولتصنع على عيني } ألقيت عليك محبة مني .

ثم يكون قوله : { إذ تمشي أختك } متعلقا بأول الكلام وهو قوله : { ولقد مننا عليك مرة أخرى * إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى } و { إذ تمشي أختك } . وثانيها : يجوز أن يكون قوله : { ولتصنع على عيني } متعلقا بما بعده وهو قوله : { إذ تمشي } وذكرنا مثل هذين الوجهين في قوله : { وليكون من الموقنين } . وثالثها : يجوز أن تكون الواو مقحمة أي وألقيت عليك محبة مني لتصنع وهذا ضعيف .

الثاني : قرئ ولتصنع بكسر اللام وسكونها والجزم على أنه أمر وقرئ ولتصنع بفتح التاء والنصب أي وليكون عملك وتصرفك على علم مني .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ} (39)

{ أَنِ اقذفيه في التابوت } مفسرة لأن الوحي من باب القول أو مصدرية حذف عنها الباء بأن اقذفيه ، وقال ابن عطية : { ءانٍ } وما بعدها في تأويل مصدر بدل من ما ، وتقديم الكلام في وصل أن المصدرية بفعل الأمر ، والمراد بالقذف هنها الوضع ، وأما في قوله تعالى : { فاقذفيه فِى اليم } فالمراد به الإلقاء والطرح ، ويجوز أن يكون المراد به الوضع في الموضعين ، و { أَلِيمٌ } البحر لا يكسر ولا يجمع جمع سلامة ، وفي «البحر » هو اسم للبحر العذب ، وقيل : اسم للنيل خاصة وليس بصحيح ، وهذا التفصيل هنا هو المراد بقوله تعالى : { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ في اليم } [ القصص : 7 ] لا القذف بلا تابوت { فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل } أي بشاطئه وهو الجانب الخالي عن الماء مأخوذ من سحل الحديد أي برده وقشره وهو فاعل بمعنى مفعول لأن الماء يسحله أي يقسره أو هو للنبس أي ذو سحل يعود الأمر إلى مسحود ، وقيل : هو على ظاهره على معنى أنه يسحل الماء أي يفرقه ويضيعه ؛ وقيل : هو من السحيل وهو النهيق لأنه يسمع منه صوت ، والمراد به هنا ما يقابل الوسط وهو ما يلي الساحل من البحر حيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون .

وقيل : المراد بالساحل الجانب والطرف مطلقاً والمراد من الأمر الخبر واختير للمبالغة ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " قوموا فلأصول لكم " ولإخراج ذلك مخرج الأمر حسن الجواب فيما بعد ، وقال غير واحد : إنه لما كان إلقاء البحر إياه بالساحل أمراً واجب الوقوع لتعلق الإرادة الربانية به جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمر بذلك ، وأخرج الجوا بمخرج الأمر ففي اليم استعارة بالكناية وإثبات الأمر تخييل ، وقيل : إن في قوله تعالى : { فَلْيُلْقِهِ } استعارة تصريحية تبعية والضمائر كلها لموسى عليه السلام إذ هو المحدث عنه والمقذوف في البحر والملقى بالساحل وإن كان هو التابوت أصالة لكن لما كان المقصود بالذات ما فيه جعل التابوت تبعاً له في ذلك ، وقيل : الضمير الأول لموسى عليه السلام والضميران الأخيران للتابوت ، ومتى كان الضمير صالحاً لأن يعود على الأقرب وعلى الأبعد كان عوده على الأقرب راجحاً كما نص عليه النحويون ، وبهذا رد على أبي محمد بن في دعواه عود الضمير في قوله تعالى : { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } [ الأنعام : 145 ] على لحم لأنه المحدث عنه لا على خنزير فيحل شحمه وغضروفه وعظمه وجلده عنده لذلك ، والحق أن عدم التفكيك فيما نحن فيه أولى ، وما ذكره النحويون ليس على إطلاقه كما لا يخفى { يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّى وَعَدُوٌّ لَّهُ } جواب للأمر بالإلقاء وتكرير العدو للمبالغة من حيث أنه يدل على أن عداوته كثيرة لا واحدة ، وقيل : إن الأول للواقع والثاني للمتوقع وليس من التكرير للمبالغة في شيء لأن ذلك فرع جواز أن يقال : عدو لي وله وهو لا يجوز إلا عند القائلين بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وأجيب بأن ذلك جائز وليس فيه الجمع المذكور فإن فرعون وقت الأخذ متصف بالعداوة لله تعالى وله في الواقع أما اتصافه بعداوة الله تعالى فظاهر ؛ وأما اتصافه بعداوة موسى فمن حيث أنه يبغض كل مولود في تلك السنة ، ولو قلنا بعدم الاتصاف بعداوة موسى عليه السلام إذ ذاك يجوز أن يقال ذلك أيضاً ويعتبر عموم المجاز وهو المخلص عن الجمع بين الحقيقة والمجاز فيما يدعى فيه ذلك .

/ وقال الخفاجي : إنه لا يلزم الجمع لأن { عَدُوٌّ } صفة مشبهة دالة على الثبوت الشامل للواقع والمتوقع . ولا يخفى أن هذا قول بأن الثبوت في الصة المشبهة بمعنى الدوام ، وقد قال هو في الكلام على تفسير قوله تعالى : { وَلاَ تَمْشِ فِى الارض مَرَحًا } [ الإسراء : 37 ] : إن معنى دلالتها على الثبوت أنها لا تدل على تجدد وحدوث لا أنها تدل على الدوام كما ذكر النحاة ، فما يقال : إن { مَرَحاً } صفة مشبهة تدل على الثبوت ونفيه لا يقتضي نفي أصله مغالطة نشأت من عدم فهم معنى الثبوت فيها انتهى ، على أن كلامه هنا بعد الاغماض عن منافاته لما ذكره قبل لا يخلو عن شيء .

ومما ذكره فيما تقدم من تفسير معنى الثبوت يعلم أن الاستدلال بهذه الآية على أن فرعون لم يقبل إيمانه ومات كافراً كما هو الحق ليس بصحيح وكم له من دليل صحيح . والظاهر أنه تعالى أبهم لها هذا العدو ولم يعلمها باسمه وإلا لما قالت لأخته { قُصّيهِ } [ القصص : 11 ] .

{ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى } كلمة { مِنْ } متعلقة بمحذوف وقع صفة لمحنوف مؤكدة لما في تنكيرها من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي محبة عظيمة كائنة مني قد زرعتها في القلوب فكل من رآك أحبك بحيث لا يصبر عنك ، قال مقاتل : كان في عينيه ملاحة ما رآه أحد إلا أحبه ، وقال ابن عطية : جعلت عليه مسحة جمال لا يكاد يصبر عنه من رآه ، روى أن أمه عليه السلام أوحي إليها ما أوحى جعلته في تابوت من خشب ، وقيل : من بردى عمله مؤمن آل فرعون وسدت خروقه وفرشت فيه نطعاً ، وقيل : قطنا محلوجاً وسدت فمه وجصصته وقيرته والقتة في اليم فبينما فرعون في موضع يشرف على النيل وامرأته معه إذ رأى التابوت عند الساحل فأمر به ففتح فإذا صبى أصبح الناس وجهاً فأحبه هو امرأته حباً شديداً .

وقيل : إن التابوت جاء في الماء إلى المشرعة التي كانت جواري امرأة فرعون يستقين منها الماء فأخذن التابوت وجئن به إليها وهن يحسبن أن فيه مالاً فلما فتحته رأته عليه السلام فأحبته وأعلمت فرعون طلبت منه أن يتخذه ولداً ، وقال : قرة عين لي ولك لا تقتلوه ، فقال لها : يكون لك وأما وأنا فلا حاجة لي فيه .

ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه النسائي وجماعة عن ابن عباس : «والذي يحلف به لو أقر فرعون بأن يكون قرة عين له كما قالت امرأته لهداه الله تعالى به كما هدى به امرأته ولكن الله عز وجل حرمه ذلك » وقيل : إن فرعون كان جالساً على رأس بركة له في بستان ومعه امرأته فرأى التابوت وقد دفعه الماء إلى البركة من نهر يشرع من اليمن فأمر بإخراجه فأخرج ففتح فإذا صبي أجمل الناس وجهاً فأحبه حتى لا يكاد يصبر عنه ، وروى أنه كان بحضرته حين رأى التابوت أربعمائة غلام وجار فحين أشار بأخذه وعد من يسبق إلى ذلك بالإعتاق فتسابقوا جمعياً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل ، وفي هذا ما يطمع المقصر في العمل من المؤمنين برحمة الله تعالى فإنه سبحانه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين ، وقيل : كلمة من متعلقة بألقيت فالمحبة الملقاة بحسب الذوق هي محبة الله تعالى له أي أحببتك ومن أحبه الله تعالى أحبته القلوب لا محالة ، واعترض القاضي على هذا بأن في الصغر لا يوسف الشخص بمحبة الله تعالى إياه فإنها ترجع إلى إيصال الثواب وهو إنما يكون للمكلف . ورد بأن محبة الله تعالى عند المؤولين عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على عمل أو لا يكون والرد عند من لا يؤول أظهر ، وجوز بعضهم إرادة المعنى الثاني على القول الأول في التعلق وإرادة المعنى الأول على القول الثاني فيه ، وزعم أن وجه التخصيص غير ظاهر وهو لا يخفى على ذي ذهن مستقيم وذوق سليم .

وقوله تعالى : { وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِى } متعلق بالقيت على أنه عطف على علة مضمرة أي ليتعطف عليك ولتصنع أو متعلق بفعل مضمر مؤخر أي ولتصنع الخ فعلت ذلك أي إلقاء المحبة عليك ، وزعم أنه متعلق بألقيت على أن الواو مقحمة ليس بشيء وعلى عيني أي بمراي مني متعلق بمحذوف وقع حالاً من المستتر في { *تصنع } وهو استعارة تمثيلية للحفظ والصون فإن المصون يجعل بمرأى والصنع الإحسان ، قال النحاس : يقال صنعت الفرس إذا أحسنت إليه . والمعنى وليفعل بك الصنيعة والإحسان وتربى بالحنو والشفقة وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به . ويجعل ذلك تمثيلاً يندفع ما قاله الواحدي من أن تفسير { وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِى } بما تقدم صحيح ولكن لا يكون في ذلك تخصيص لموسى عليه السلام فإن جميع الأشياء بمرأى من الله تعالى على أنه قد يقال : هذا الاختصاص للتشريف كاختصاص عيسى عليه السلام بكلمة الله تعالى والكعبة ببيت الله تعالى مع أن الكل موجود بكن وكل البيوت بيت الله سبحانه ، وقال قتادة : المعنى لتغدى على محبتي وإرادتي وهو اختيار أبي عبيدة .

وابن الانباري وزعم الواحدي أنه الصحيح . وقرأ الحسن . وأبو نهيك «ولتصنع » بفتح التاء ، قال ثعلب : المعنى لتكون حركتك وتصرفك على عين مني لئلا تخالف أمرى .

وقرأ أبو جعفر في رواية { وَلِتُصْنَعَ } بكسر اللام وجزم الفعل بها لأنها لام الأمر وأمر المخاطب باللام شاذ لكن لما كان الفعل مبنياً للمفعول هنا وكان أصله مسنداً للغائب ولا كلام في أمره باللام استصحب ذلك بعد نقله إلى المفعول للاختصار ، والظاهر أن العطف على قوله تعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى } إلا أن فيه عطف الإنشاء على الخبر وفيه كلام مشهور لكن قيل هنا : إنه هون أمره كون الأمر في معنى الخبر .

وقال «صاحب اللوامح » : إن العطف على قوله تعالى : { فَلْيُلْقِهِ } فلا عطف فيه للإنشاء على الخبر .

وقرأ شيبة . وأبو جعفر في رواية أخرى كذلك إلا أنه سكن اللام وهي لام الأمر أيضاً وبقية الكلام نحو ما مر .

ويحتمل أن تكون لام كي سكنت تخفيفاً ولم يظهر فتح العين للإدغام ، قال الخفاجي : وهذا حسن جداً .