قوله تعالى :{ قال فمن ربكما يا موسى . قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، قال فما بال القرون الأولى ، قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ، الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى ، كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى ، منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى }
اعلم أنهما عليهما السلام لما قالا : إنا رسولا ربك قال لهما : فمن ربكما يا موسى ، فيه مسائل :
المسألة الأولى : أن فرعون كان شديد القوة عظيم الغلبة كثير العسكر ثم إن موسى عليه السلام لما دعاه إلى الله تعالى لم يشتغل معه بالبطش والإيذاء بل خرج معه في المناظرة لما أنه لو شرع أولا في الإيذاء لنسب إلى الجهل والسفاهة فاستنكف من ذلك وشرع أولا في المناظرة وذلك يدل على أن السفاهة من غير الحجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم ثم إن فرعون لما سأل موسى عليه السلام عن ذلك قبل موسى ذلك السؤال واشتغل بإقامة الدلالة على وجود الصانع وذلك يدل على فساد التقليد ويدل أيضا على فساد قول التعليمية الذين يقولون نستفيد معرفة الإله من قول الرسول لأن موسى عليه السلام اعترف ههنا بأن معرفة الله تعالى يجب أن تكون مقدمة على معرفة الرسول وتدل على فساد قول الحشوية الذين يقولون نستفيد معرفة الله والدين من الكتاب والسنة .
المسألة الثانية : تدل الآية على أنه يجوز حكاية كلام المبطل لأنه تعالى حكى كلام فرعون في إنكاره الإله وحكى شبهات منكري النبوة وشبهات منكري الحشر ، إلا أنه يجب أنك متى أوردت السؤال فاقرنه بالجواب لئلا يبقى الشك كما فعل الله تعالى في هذه المواضع .
المسألة الثالثة : دلت الآية على أن المحق يجب عليه استماع كلام المبطل والجواب عنه من غير إيذاء ولا إيحاش كما فعل موسى عليه السلام بفرعون ههنا وكما أمر الله تعالى رسوله في قوله : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } وقال : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } .
المسألة الرابعة : اختلف الناس في أن فرعون هل كان عارفا بالله تعالى فقيل إنه كان عارفا إلا أنه كان يظهر الإنكار تكبرا وتجبرا وزورا وبهتانا ، واحتجوا عليه بستة أوجه . أحدها : قوله : { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض } فمتى نصبت التاء في علمت كان ذلك خطابا من موسى عليه السلام مع فرعون فدل ذلك على أن فرعون كان عالما بذلك وكذا قوله تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } . وثانيها : أنه كان عاقلا وإلا لم يجز تكليفه وكل من كان عاقلا قد علم بالضرورة أنه وجد بعد العدم وكل من كان كذلك افتقر إلى مدبر وهذان العلمان الضروريان يستلزمان العلم بوجود المدبر . وثالثها : قول موسى عليه السلام ههنا : { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } وكلمة الذي تقتضي وصف المعرفة بجملة معلومة فلا بد وأن تكون هذه الجملة قد كانت معلومة له .
ورابعها : قوله في سورة القصص في صفة فرعون وقومه وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بالمبدأ إلا أنهم كانوا منكرين للمعاد . وخامسها : أن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام ولما هرب موسى عليه السلام إلى مدين قال له شعيب : { لا تخف نجوت من القوم الظالمين } فمع هذا كيف يعتقد أنه إله العالم ؟ وسادسها : أنه لما قال : { وما رب العالمين } قال موسى عليه السلام : { رب السماوات والأرض وما بينهما } قال : { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوصف فهو لم ينازع موسى في الوجود بل طلب منه الماهية فدل هذا على اعترافه بأصل الوجود ، ومن الناس من قال إنه كان جاهلا بربه واتفقوا على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق هذه السماوات والأرضين والشمس والقمر وأنه خالق نفسه لأنه يعلم بالضرورة عجزه عنها ويعلم بالضرورة أنها كانت موجودة قبله فيحصل العلم الضروري بأنه ليس موجودا لها ولا خالقا لها ، واختلفوا في كيفية جهله بالله تعالى فيحتمل أنه كان دهريا نافيا للمؤثر أصلا ، ويحتمل أنه كان فلسفيا قائلا بالعلة لموجبه ، ويحتمل أنه كان من عبدة الكواكب ، ويحتمل أنه كان من الحلولية المجسمة . وأما ادعاؤه الربوبية لنفسه فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد له وعدم الاشتغال بطاعة غيره .
المسألة الخامسة : أنه سبحانه حكى عنه في هذه السورة أنه قال : { فمن ربكما يا موسى } وقال في سورة الشعراء : { وما رب العالمين } فالسؤال ههنا بمن وهو عن الكيفية وفي سورة الشعراء بما وهو عن الماهية وهما سؤالان مختلفان والواقعة واحدة والأقرب أن يقال سؤال من كان مقدما على سؤال ما لأنه كان يقول إني أنا الله والرب فقال فمن ربكما فلما أقام موسى الدلالة على الوجود وعرف أنه لا يمكنه أن يقاومه في هذا المقام لظهوره وجلائه عدل إلى المقام الثاني وهو طلب الماهية وهذا أيضا مما ينبه على أنه كان عالما بالله لأنه ترك المنازعة في هذا المقام لعلمه بغاية ظهوره وشرع في المقام الصعب لأن العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر .
المسألة السادسة : إنما قال : { فمن ربكما } ولم يقل فمن إلهكما لأنه أثبت نفسه ربا في قوله : { ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين } فذكر ذلك على سبيل التعجب كأنه قال له أنا ربك فلم تدعى ربا آخر وهذا الكلام شبيه بكلام نمروذ لأن إبراهيم عليه السلام لما قال : { ربي الذي يحي ويميت } قال نمروذ له :{ أنا أحيي وأميت } ولم يكن الإحياء والإماتة التي ذكرهما إبراهيم عليه السلام هما الذي عارضه بهما نمروذ إلا في اللفظ فكذا ههنا لما ادعى موسى ربوبية الله تعالى ذكر فرعون هذا الكلام ومراده أني أنا الرب لأني ربيتك ومعلوم أن الربوبية التي ادعاها موسى لله سبحانه وتعالى غير هذه الربوبية في المعنى وأنه لا مشاركة بينهما إلا في اللفظ .
{ قَالَ } أي فرعون بعد ما أتياه وبلغاه ما أمرا به ، وإنما طوى ذكر ذلك للإيجاز والإشعار بأنهما كما أمرا بذلك سارعا إلى الامتثال به من غير ريث وبان ذلك من الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به ، وجاء عن ابن عباس أنهما لما أمرا بإتيانه وقول ما ذكر له جاءا جميعاً إلى بابه فأقاما حيناً لا يؤذن لهما ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فدخلا وكان ما قص الله تعالى .
وأخرج أحمد . وغيره عن وهب بن منبه أن الله تعالى لما أمر موسى عليه السلام بما أمر أقبل إلى فرعون في مدينة قد جعل حولها الأسد في غيضة قد غرسها والأسد فيها مع ساستها إذا أشلتها على أحد أكل وللمدينة أربعة أبواب في الغيضة فأقبل موسى عليه السلام من الطريق الأعظم الذي يراه فرعون فلما رأته الأسد صاحت صياح الثعالب فأنكر ذلك الساسة وفرقوا من فرعون فأقبل حتى انتهى إلى الباب فقرعه بعصاه وعليه جبة صوف وسراويل فلما رآه البواب عجب من جرأته فتركه ولم يأذن له فقال : هل تدري باب من أنت تضرب إنما أنت تضرب باب سيدك ؟ قال : أنت وأنا وفرعون عبيد لربي فأنا ناصره فأخبر البواب الذي يليه من البوابين حتى بلغ ذلك أدناهم ودونه سبعون حاجباً كل حاجب منهم تحت يده من الجنود ما شاء الله تعالى حتى خلص الخبر إلى فرعون فقال : ادخلوه علي فلما أتاه قال له فرعون : أعرفك ؟ قال : نعم قال : ألم نربك فينا وليداً فرد إليه موسى عليه السلام الذي رد قال فرعون . خذوه فبادر عليه السلام فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فحملت على الناس فانهزموا منها فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً قتل بعضهم بعضاً وقام فرعون منهزماً حتى دخل البيت فقال : يا موسى اجعل بيننا وبينك أجلاً ننظر فيه قال موسى : لم أومر بذلك إنما أمرت بمناجزتك وإن أنت لم تخرج إلي دخلت عليك فأوحى الله تعالى إليه أن اجعل بينك وبينه أجلاً وقل له أنت اجعل ذلك فقال فرعون : أجعله إلى أربعين يوماً ففعل وكان لا يأتي الخلاء إلا في كل أربعين يوماً مرة فاختلف ذلك اليوم أربعين مرة وخرج موسى عليه السلام من المدينة فلما مر بالأسد خضعت له بأذنابها وسارت معه تشيعه ولا تهيجه ولا أحداً من بني إسرائيل ، والظاهر أن هارون كان معه حين الإتيان ، ولعله إنما لم يذكر في هذا الخبر اكتفاءً بموسى عليه السلام ، وقيل : إنهما حين عرضا عليهما السلام على فرعون ما عرضا شاور آسية فقالت : ما ينبغي لأحد أن يرد ما دعيا إليه فشاور هامان وكان لا يبت أمراً دون رأيه فقال له : كنت أعتقد أنك ذو عقل تكون مالكاً فتصير مملوكاً ورباً فتصير مربوباً فامتنع من قبول ما عرض عليه موسى عليه السلام ، وظاهر هذا أن المشاورة قبل المقاولة ، ويحتمل أنها بعدها والأولى في أمثال هذه القصص الاكتفاء بما في المنزل وعدم الالتفات إلى غيره إلا أن يوثق بصحته أولاً يكون في المنزل ما يعكر عليه كالخبر السابق فإن كون فرعون جعل الأجل يعكر عليه ما سيأتي إن شاء الله تعالى من قول موسى عليه السلام حين طلب منه فرعون أن يجعل موعداً { موعدكم يوم الزينة } [ طه : 59 ] ، والظاهر عدم تعدد الحادثة والجملة استئناف بياني كأنه قيل فماذا قال حين أتياه وقالا له ما قالا ؟ فقيل : قال { فَمَن رَّبُّكُمَا يا موسى } لم يضف الرب إلى نفسه ولو بطريق حكاية ما في قوله تعالى : { إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } [ طه : 47 ] وقوله سبحانه : { قَدْ جئناك بِئَايَةٍ مّن رَّبّكَ } [ طه : 47 ] لغاية عتوه ونهاية طغيانه بل أضافه إليهما لما أن المرسل لا بد أن يكون رباً للرسول ، وقيل : لأنهما قد صرحا بربوبيته تعالى للكل بأن قالا : { إنا رسول رب العالمين } كما وقع في سورة الشعراء والاقتصار ههنا على ذكر ربوبيته تعالى لفرعون لكفايته فيما هو المقصود ، والفاء لترتيب السؤال على ما سبق من كونهما رسولي ربهما أي إذا كنتما رسولي ربكما الذي أرسلكما فأخبرا من ربكما الذي أرسلكما ، وتخصيص النداء بموسى عليه السلام مع توجيه الخطاب إليهما لما ظهر له من أنه الأصل في الرسالة وهارون وزيره ، ويحتمل أن يكون للتعريض بأنه ربه كما قال : { ألم نربك فينا وليداً } [ الشعراء : 18 ] ، قيل : وهذا أوفق بتلبيسه على الأسلوب الأحمق ، وقيل : لأنه قد عرف أن له عليه السلام رتة فأراد أن يسكته . وهو مبني على ما عليه كثير من المفسرين من بقاء رتة في لسانه عليه السلام في الجملة وقد تقدم الكلام في ذلك .