المسألة الأولى : اختلفوا في قوله : { علمها عند ربي في كتاب } فإن العلم الذي يكون عند الرب كيف يكون في الكتاب ؟ وتحقيقه هو أن علم الله تعالى صفته وصفة الشيء قائمة به ، فأما أن تكون صفة الشيء حاصلة في كتاب فذاك غير معقول فذكروا فيه وجهين : الأول : معناه أنه سبحانه أثبت تلك الأحكام في كتاب عنده لكون ما كتبه فيه يظهر للملائكة فيكون ذلك زيادة لهم في الاستدلال على أنه تعالى عالم بكل المعلومات منزه عن السهو والغفلة ، ولقائل أن يقول قوله : { في كتاب } يوهم احتياجه سبحانه وتعالى في ذلك العلم إلى ذلك الكتاب وهذا وإن كان غير واجب لا محالة ولكنه لا أقل من أنه يوهمه في أول الأمر لا سيما للكافر فكيف يحسن ذكره مع معاند مثل فرعون في وقت الدعوة ؟ الوجه الثاني : أن تفسير ذلك بأن بقاء تلك المعلومات في علمه سبحانه كبقاء المكتوب في الكتاب فيكون الغرض من هذا الكلام تأكيد القول بأن أسرارها معلومة لله تعالى بحيث لا يزول شيء منها عن علمه ، وهذا التفسير مؤكد بقوله بعد ذلك : { لا يضل ربي ولا ينسى } .
المسألة الثانية : اختلفوا في قوله : { لا يضل ربي ولا ينسى } فقال بعضهم معنى اللفظين واحد أي لا يذهب عليه شيء ولا يخفى عليه وهذا قول مجاهد والأكثرون على الفرق بينهما ، ثم ذكروا وجوها . أحدها : وهو الأحسن ما قاله القفال لا يضل عن الأشياء ومعرفتها وما علم من ذلك لم ينسه فاللفظ الأول إشارة إلى كونه عالما بكل المعلومات واللفظ الثاني وهو قوله : { ولا ينسى } دليل على بقاء ذلك العلم أبد الآباد وهو إشارة إلى نفي التغير . وثانيها : قال مقاتل : لا يخطئ ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه . وثالثها : قال الحسن لا يخطئ وقت البعث ولا ينساه . ورابعها : قال أبو عمرو أصل الضلال الغيبوبة والمعنى لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء . وخامسها : قال ابن جرير لا يخطئ في التدبير فيعتقد في غير الصواب كونه صوابا وإذا عرفه لا ينساه وهذه الوجوه متقاربة والتحقيق هو الأول .
المسألة الثالثة : أنه لما سأله عن الإله وقال : { فمن ربكما يا موسى } وكان ذلك مما سبيله الإستدلال أجاب بما هو الصواب بأوجز عبارة وأحسن معنى ، ولما سأله عن شأن القرون الأولى وكان ذلك مما سبيله الإخبار ولم يأته في ذلك خبر وكله إلى عالم الغيوب ،
{ قَالَ } موسى عليه السلام { عِلْمُهَا عِندَ رَبّى } أي إن ذلك من الغيوب التي لا يعلمها إلا الله تعالى وإنما إنا عبد لا أعلم منها إلا ما علمنيه من الأمور المتعلقة بالرسالة والعلم بأحوال القرون وما جرى عليهم على التفصيل مما لا ملابسة فيه بمنصب الرسالة كما زعمت . وقيل : إنما سأله عن ذلك ليختبر أنه نبي أو هو من جملة القصاص الذين دارسوا قصص الأمم السالفة ، وقال النقاش : إن اللعين لما سمع وعظ مؤمن آل فرعون { يا قوم إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ الأحزاب } [ غافر : 30 ] الآية سأل عن ذلك فرد عليه السلام علمه إلى الله تعالى لأنه لم يكن نزلت عليه التوراة فإنه كان نزولها بعد هلاك فرعون .
وقال بعضهم : إن السؤال مبني على قوله عليه السلام { والسلام على مَنِ اتبع الهدى } [ طه : 47 ] الخ أي فما حال القرون السالفة بعد موتهم من السعادة والشقاوة والمراد بيان ذلك تفصيلاً كأنه قيل : إذا كان الأمر كما ذكرت ففصل لنا حال من مضى من السعادة والشقاوة ولذا رد عليه السلام العلم إلى الله عز وجل فاندفع ما قيل : إنه لو كان المسؤول عند ما ذكر من السعادة والشقاوة لأجيب ببيان أن من اتبع الهدى منهم فقد سلم ومن تولى فقد عذب حسبما نطق به قوله تعالى : { والسلام } [ طه : 47 ] الخ ، وقيل : إنه متعلق بقوله سبحانه : { إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا } [ طه : 48 ] الخ أي إذا كان الأمر كذلك فما بال القرون الأولى كذبوا ثم ما عذبوا ، وقيل : هو متعلق به والسؤال عن البعث والضمير في { عِلْمُهَا } للقيامة وكلا القولين كما ترى ؛ وعود الضمير على القيامة أدهى من أمر التعلق وأمر .
وقيل : إنه متعلق بجواب موسى عليه السلام اعتراضاً على ما تضمنه من علمه تعالى بتفاصيل الأشياء وجزئياتها المستتبع إحاطة قدرته جل وعلا بالأشياء كلها كأنه قيل ؛ إذا كان علم الله تعالى كما أشرت فما تقول في القرون الخالية مع كثرتهم وتمادى مدتهم وتباعد أطرافهم كيف إحاطة علمه تعالى بهم وبأجزائهم وأحوالهم فأجاب بأن علمه تعالى محيط بذلك كله إلى آخر ما قص الله تعالى ، وتخصيص القرون الأولى على هذا بالذكر مع أولوية التعميم قيل لعلم فرعون ببعضها وبذلك يتمكن من معرفة صدق موسى عليه السلام : إن بين أحوالها ، وقيل : إنه لإلزام موسى عليه السلام وتبكيته عند قومه في أسرع وقت لزعمه أنه لو عمم ربما اشتغل موسى عليه السلام بتفصيل علمه تعالى بالموجودات المحسوسة الظاهرة فتطول المدة ولا يتمشى ما أراده ، وأياً كان يسقط ما قيل : إنه يأبى هذا الوجه تخصيص القرون الأولى من بين الكائنات فإنه لو أخذها بجملتها كان أظهر وأقوى في تمشي ما أراد ، نعم بعد هذا الوجه مما لا ينبغي أن ينكر ، وقيل : إنه اعتراض عليه بوجه آخر كأنه قيل : إذا كان ما ذكرت من دليل إثبات المبدأ في هذه الغاية من الظهور فما بال القرون الأولى نسوه سبحانه ولم يؤمنوا به تعالى فلو كانت الدلالة واضحة وجب عليهم أن لا يكونوا غافلين عنها ومآله على ما قال الإمام معارضة الحجة بالتقليد ، وقريب منه ما يقال إنه متعلق بقوله : { ثُمَّ هدى } [ طه : 50 ] على التفسير الأول كأنه قيل : إذا كان الأمر كذلك فما بال القرون الأولى لم يستدلوا بذلك فلم يؤمنوا . وحاصل الجواب على القولين أن ذلك من سر القدر وعلمه عند ربي جل شأنه { في كتاب } الظاهر أنه خبر ثان لعلمها والخبر الأول { عِندَ رَبّى } . وجوز أن يكونا خبراً واحداً مثل هذا حلو حامض وأن يكون الخبر { عِندَ رَبّى } . و { فِى كتاب } في موضع الحال من الضمير المستتر في الظرف أو هو معمول له . وأن يكون الخبر في كتاب { وَعِندَ رَبّى } في موضع الحال من الضمير المستتر فيه والعامل والظرف وهو يعمل متأخراً على رأي الأخفش ، وقيل : يكون حالاً من المضاف إليه في { عِلْمُهَا } ، وقيل : يكون ظرفاً للظرف الثاني ، وقيل : هو ظرف للعلم ذكر جميع ذلك أبو البقاء ثم قال : ولا يجوز أن يكون { في كتاب } متعلقاً بعلمها و { عِندَ رَبّى } الخبر لأن المصدر لا يعمل فيما بعد خبره .
وأنت تعلم أن أول الأوجه هو الأوجه وكأنه عنى عليه السلام بالكتاب اللوح المحفوظ أي علمها مثبت في اللوح المحفوظ بتفاصيله وهذا من باب المجاز إذ المثبت حقيقة إنما هو النقوش الدالة على الألفاظ المتضمنة شرح أحوالهم المعلومة له تعالى ، وجوز أن يكون المراد بالكتاب الدفتر كما هو المعروف في اللغة ويكون ذلك تمثيلاً لتمكنه وتقرره في علمه عز وجل بما استحفظه العالم وقيده بكتبته في جريده ولعله أولى ، ويلوح إليه قوله تعالى : { لاَّ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى } فإن عدم الضلال والنسيان أوفق بإتقان العلم ، والظاهر أن فيه على الوجهين دفع توهم الاحتياج لأن الإثبات في الكتاب إنما يفعله من يفعله لخوف النسيان والله تعالى منزه عن ذلك ، والإثبات في اللوح المحفوظ لحكم ومصالح يعلم بعضها العالمون ، وقيل : إن هذه الجملة على الأول تكميل لدفع ما يتوهم من أن الإثبات في اللوح للاحتياج لاحتمال خطأ أو نسيان تعالى الله سبحانه عنه ، وعلى الثاني تذييل لتأكيد الجملة السابقة ، والمعنى لا يخطئ ربي ابتداء بأن لا يدخل شيء من الأشياء في واسع علمه فلا يكون علمه سبحانه محيطاً بالأشياء ولا يذهب عليه شيء بقاء أن يخرج عن دائرة علمه جل شأنه بعد أن دخل بل هو عز وجل محيط بكل شيء علماً أزلاً وأبداً وتفسير الجملتين بما ذكر مما ذهب إليه القفال ووافقه بعض المحققين ولا يخفى حسنه .
وأخرج ابن المنذر . وجماعة عن مجاهد أنهما بمعنى واحد وليس بذاك ، والفعلان قيل : منزلان منزلة اللازم ، وقيل : هما باقيان على تعديهما والمفعول محذوف أي لا يضل شيئاً من الأشياء ولا ينساه ، وقيل : شيئاً من أحوال القرون الأولى ، وعن الحسن لا يضل وقت البعث ولا ينساه وكأنه جعل السؤال عن البعث وخصص لأجله المفعول وقد علمت حاله . وعن ابن عباس أن المعنى لا يترك من كفر به حتى ينتق منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه وكأنه رضي الله تعالى عنه جعل السؤال عن حالهم من حيث السعادة والشقاوة والجواب عن ذلك على سبيل الإجمال فتدبر ولا تغفل .
وزعم بعضهم أن الجملة في موضع الصفة لكتاب والعائد إليه محذوف أي لا يضله ربي ولا ينساه ، وقيل : العائد ضمير مستتر في الفعل و { رَبّى } نصب على المفعول أي لا يضل الكتاب ربي أي عنه . وفي { يَنسَى } ضمير عائد إليه أيضاً أي ولا ينسى الكتاب شيئاً أي لا يدعه على حد { لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } [ الكهف : 49 ] .
والعجب كل العجب من العدول عن الظاهر إلى مثل هذه الأقوال ، وإظهار { رَبّى } في موقع الإضمار للتلذذ بذكره تعالى ولزيادة التقرير والإشعار بعلية الحكم فإن الربوبية مما تقتضي عدم الضلال والنسيان حتماً .
وقرأ الحسن . وقتادة . والجحدري . وحماد بن سلمة . وابن محيصن . وعيسى الثقفي { لاَّ يَضِلُّ } بضم الياء من أضل وأضللت الشيء وضللته قيل بمعنى .
وفي «الصحاح » عن ابن السكيت يقال : أضللت بعيري إذا ذهب منك وضللت المسجد والزاد إذا لم تعرف موضعهما وكذلك كل شيء مقيم لا يهتدي إليه ، وحكى نحوه عن افراء . وابن عيسى ، وذكر أبو البقاء في توجيه هذه القراءة وجهين جعل { رَبّى } منصوباً على المفعولية ، والمعنى لا يضل أحد ربي عن علمه وجعله فاعلاً والمعنى لا يجد ربي الكتاب ضالاً أي ضائعاً ، وقرأ السلمي { لاَّ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى } ببناء الفعلين لما لم يسم فاعله .