مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ} (45)

قوله تعالى :{ قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ، قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ، فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم ، قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى . إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى }

اعلم أن قوله : { قالا ربنا إننا نخاف } فيه أسئلة :

السؤال الأول : قوله : { قالا ربنا } يدل على أن المتكلم بذلك موسى وهرون عليهما السلام وهرون لم يكن حاضرا هذا المقال فكيف ذلك وجوابه قد تقدم .

السؤال الثاني : أن موسى عليه السلام قال : { رب اشرح لي صدري } فأجابه الله تعالى بقوله : { قد أوتيت سؤلك يا موسى } وهذا يدل على أنه قد انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قال بعده : { إننا نخاف } فإن حصول الخوف يمنع من حصول شرح الصدر . والجواب : أن شرح الصدر عبارة عن تقويته على ضبط تلك الأوامر والنواحي وحفظ تلك الشرائع على وجه لا يتطرق إليه السهو والتحريف وذلك شيء آخر غير زوال الخوف .

السؤال الثالث : أما علم موسى وهرون وقد حملهما الله تعالى الرسالة أنه تعالى يؤمنهما من القتل الذي هو مقطعة عن الأداء . الجواب : قد أمنا ذلك وإن جوزا أن ينالهما السوء من قبل تمام الأداء أو بعده وأيضا فإنهما استظهرا بأن سألا ربهما ما يزيد في ثبات قلبهما على دعائه وذلك بأن ينضاف الدليل النقلي إلى العقلي زيادة في الطمأنينة كما قال : { ولكن ليطمئن قلبي } .

السؤال الرابع : لما تكرر الأمر من الله تعالى بالذهاب فعدم الذهاب والتعلل بالخوف هل يدل على المعصية . الجواب : لو اقتضى الأمر الفور لكان ذلك من أقوى الدلائل على المعصية لا سيما وقد أكثر الله تعالى من أنواع التشريف وتقوية القلب وإزالة الغم ولكن ليس الأمر على الفور فزال السؤال وهذا من أقوى الدلائل على أن الأمر لا يقتضي الفور إذا ضممت إليه ما يدل على أن المعصية غير جائزة على الرسل أما قوله تعالى : { أن يفرط علينا أو أن يطغى } فاعلم أن في : { أن يفرط } وجوها . أحدها : فرط سبق وتقدم ومنه الفارط الذي يتقدم الواردة وفرس فرط يسبق الخيل والمعنى نخاف أن يعجل علينا بالعقوبة . وثانيها : أنه مأخوذ من أفرط غيره إذا حمله على العجلة فكان موسى وهارون عليهما السلام خافا من أن يحمله حامل على المعاجلة بالعقوبة وذلك الحامل هو إما الشيطان أو إدعاؤه للربوبية أو حبه للرياسة أو قومه وهم القبط المتمردون الذين حكى الله تعالى عنهم : { قال الملأ من قومه } . وثالثها : يفرط من الإفراط في الأذية أما قوله : { أو أن يطغى } فالمعنى يطغى بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته عليك واعلم أن من أمر بشيء فحاول دفعه بأعذار يذكرها فلا بد وأن يختم كلامه بما هو الأقوى وهذا كما أن الهدهد ختم عذره بقوله : { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله } فكذا ههنا بدأ موسى بقوله : { أن يفرط علينا } وختم بقوله : { أو أن يطغى } لما أن طغيانه في حق الله تعالى أعظم من إفراطه في حق موسى وهارون عليهما السلام . أما قوله : { قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى } فالمراد لا تخافا مما عرض في قلبكما من الإفراط والطغيان لأن ذلك هو المفهوم من الكلام يبين ذلك أنه تعالى لم يؤمنهما من الرد ولا من التكذيب بالآيات ومعارضة السحرة أما قوله : { إنني معكما } فهو عبارة عن الحراسة والحفظ وعلى هذا الوجه يقال : الله معك على وجه الدعاء وأكد ذلك بقوله : { أسمع وأرى } فإن من يكون مع الغير وناصرا له وحافظا يجوز أن لا يعلم كل ما يناله وإنما يحرسه فيما يعلم فبين سبحانه وتعالى أنه معهما بالحفظ والعلم في جميع ما ينالهما وذلك هو النهاية في إزالة الخوف قال القفال قوله : { أسمع وأرى } يحتمل أن يكون مقابلا لقوله : { أن يفرط علينا أو أن يطغى } والمعنى : { يفرط علينا } بأن لا يسمع منا : { أو أن يطغى } بأن يقتلنا

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ} (45)

{ قَالاَ } استئناف بياني كأنه قيل : فماذا قالا حين أمرا بما أمرا ؟ فقيل : { قَالاَ } الخ ، وأسند القول إليهما مع أن القائل هو موسى عليه السلام على القول بغيبة هارون عليه السلام للتغليب كما مر .

ويجوز أن يكون هارون عليه السلام قد قال ذلك بعد اجتماعه مع موسى عليه السلام فحكى قوله مع قول موسى عند نزول الآية كما في قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات } [ المؤمنون : 51 ] فإن هذا الخطاب قد حكى لنا بصيغة الجمع مع أن كلاً من المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد ، وجوز كونهما مجتمعين عند الطور وقالا جميعاً { رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا } أي أن يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة من فرط إذا تقدم ، ومنه الفارط المتقدم للمورد والمنزل ، وفرس فارط يسبق الخيل ، وفاعل { يَفْرُطَ } على هذا فرعون ، وقال أبو البقاء : يجوز أن يكون التقدير أن يفرط علينا منه قول فاضمر القول كما تقول فرط مني قول وهو خلاف الظاهر .

وقرأ يحيى . وأبو نوفل . وابن محيصن في رواية { يَفْرُطَ } بضم الياء وفتح الراء من أفرطته إذا حملته على العجلة أي نخاف أن يحمله حامل من الاستكبار أو الخوف على الملك أو غيرهما على المعاجلة بالعقاب . وقرأت فرقة .

والزعفراني عن ابن محيصن { يَفْرُطَ } بضم الياء وكسر الراء من الإفراط في الأذية . واستشكل هذا القول مع قوله تعالى : { سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سلطانا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } [ القصص : 35 ] فإنه مذكور قبل قولهما هذا بدلالة { سَنَشُدُّ } وقد دل على أنهما محفوظان من عقوبته وأذاه فكيف يخافان من ذلك . وأجيب : بأنه لا يتعين أن يكون المعنى لا يصلون بالعقوبة لجواز أن يراد لا يصلون إلى إلزامكما بالحجة مع أن التقدم غير معلوم ولو قدم في الحكاية لاسيما والواو لا تدل على ترتيب ، والتفسير المذكور مأثور عن كثير من السلف منهم ابن عباس . ومجاهد وهو الذي يقتضيه الظاهر ، وزعم الإمام أنهما قد أمنا وقوع ما يقطعهما عن الأداء بالدليل العقلي إلا أنهما طلبا بما ذكر ما يزيد في ثبات قلوبهما بأن ينضاف الدليل النقلي إلى الدليل العقلي وذلك نظير ما وقع لإبراهيم عليه السلام من قوله : { رَبّ أرني كَيْفَ تحي الموتى } [ البقرة : 260 ] ولا يخفى أن في دعوى علمهما بالدليل العقلي عدم وقوع ما يقطعهما عن الأداء جثا . واستشكل أيضاً حصول الخوف لموسى عليه السلام بأنه يمنع عن حصول شرح الصدر له الدال على تحققه قوله تعالى بعد سؤاله إياه { قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى * } [ طه : 36 ] . وأجاب الإمام بأن شرح الصدر عبارة عن قوته على ضبط تلك الأوامر والنواهي وحفظ تلك الشرائع على وجه لا يتطرق إليها السهو والتحريف وذلك شيء آخر غير زوال الخوف .

وأنت تعلم أن كثيراً من المفسرين ذهبوا إلى أن شرح الصدر هنا عبارة عن توسيعه وهو عبارة عن عدم الضجر والقلق القلبي مما يرد من المشاق في طريق التبليغ وتلقي ذلك بحميل الصبر وحسن الثبات .

وأجيب على هذا بأنه لا منافاة بين الخوف من شيء والصبر عليه وعدم الضجر منه إذا وقع ألا ترى كثيراً من الكاملين يخافون من البلاء ويسألون الله تعالى الحفظ منه وإذا نزل بهم استقبلوه بصدر واسع وصبروا عليه ولم يضجروا منه . وقيل : إنهما عليهما السلام لم يخافا من العقوبة إلا لقطعها الأداء المرجو به الهداية فخوفهما في الحقيقة ليس إلا من القطع وعدم إتمام التبليغ ولم يسأل موسى عليه السلام شرح الصدر لتحمل ذلك . واستشكل بأن موسى عليه السلام كان قد سأل وأوتي تيسير أمره بتوفيق الأسباب ورفع الموانع فكيف يخاف قطع الأداء بالعقوبة . وأجيب : بأن هذا تنصيص على طلب رفع المانع الخاص بعد طلب رفع المانع العام وطلب للتنصيص على رفعه لمزيد الاهتمام بذلك . وقيل : إن في الآية تغليباً منه لأخيه هارون على نفسه عليهما السلام ولم يتقدم ما يدل على أمنه عليه فتأمل ، واستشكل أيضاً عدم الذهاب والتعلل بالخوف مع تكرر الأمر بأنه يدل على المعصية وهي غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام على الصحيح .

وأجاب الإمام بأن الدلالة مسلمة لو دل الأمر على الفور وليس فليس ، ثم قال : وهذا من أقوى الدلائل على أن الأمر لا يقتضي الفور إذا ضممت إليه ما يدل على أن المعصية غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام ، و { أَوْ } في قوله تعالى : { أَوْ أَن يطغى } لمنع الخلو ، والمراد أو أن يزداد طغياناً إلى أن يقول في شأنك ما لا ينبغي لكمال جراءته وقساوته وإطلاقه من حسن الأدب ، وفيه استنزال لرحمته تعالى وإظهار كلمة أن مع سداد المعنى بدونه لإظهار كمال الاعتناء بالأمر وازشعار بتحقق الخوف من كل من المعاطفين .