قوله تعالى :{ قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ، فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : القراءة المشهورة : { إن هذان لساحران } ومنهم من ترك هذه القراءة وذكروا وجوها أخر . أحدها : قرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر : ( إن هذين لساحران ) قالوا : هي قراءة عثمان وعائشة وابن الزبير وسعيد بن جبير والحسن رضي الله تعالى عنه واحتج أبو عمرو وعيسى على ذلك بما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سئلت عن قوله : { إن هذان لساحران } وعن قوله : { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى } في المائدة ، وعن قوله : { لكن الراسخون في العلم منهم } إلى قوله { والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة } فقالت يا ابن أخي هذا خطأ من الكاتب ، وروي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال : أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها ، وعن أبي عمرو أنه قال : إني لأستحي أن أقرأ : { إن هذان لساحران } ، وثانيها : قرأ ابن كثير : ( إن هذان ) بتخفيف إن وتشديد نون هذان . وثالثها : قرأ حفص عن عاصم إن هذان بتخفيف النونين . ورابعها : قرأ عبد الله بن مسعود : { وأسروا النجوى أن هذان ساحران } بفتح الألف وجزم نونه ( و ) ساحران بغير لام . وخامسها : عن الأخفش : { إن هذان لساحران } خفيفة في معنى ثقيلة وهي لغة قوم يرفعون بها ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التي تكون في معنى ما . وسادسها : روى عن أبي بن كعب : ( ما هذان إلا ساحران ) وروي عنه أيضا : ( إن هذان لساحران ) وعن الخليل مثل ذلك ، وعن أبي أيضا : ( إن ذان لساحران ) فهذه هي القراءات الشاذة المذكورة في هذه الآية ، واعلم أن المحققين قالوا : هذه القراءات لا يجوز تصحيحها لأنها منقولة بطريق الآحاد ، والقرآن يجب أن يكون منقولا بالتواتر إذ لو جوزنا إثبات زيادة في القرآن بطريق الآحاد لما أمكننا القطع بأن هذا الذي هو عندنا كل القرآن لأنه لما جاز في هذه القراءات أنها مع كونها من القرآن ما نقلت بالتواتر جاز في غيرها ذلك ، فثبت أن تجويز كون هذه القراءات من القرآن يطرق جواز الزيادة والنقصان والتغيير إلى القرآن وذلك يخرج القرآن عن كونه حجة ولما كان ذلك باطلا فكذلك ما أدى إليه ، وأما الطعن في القراءة المشهورة فهو أسوأ مما تقدم من وجوه : أحدها : أنه لما كان نقل هذه القراءة في الشهرة كنقل جميع القرآن فلو حكمنا ببطلانها جاز مثله في جميع القرآن وذلك يفضي إلى القدح في التواتر وإلى القدح في كل القرآن وأنه باطل ، وإذا ثبت ذلك امتنع صيرورته معارضا بخبر الواحد المنقول عن بعض الصحابة . وثانيها : أن المسلمين أجمعوا على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى وكلام الله تعالى لا يجوز أن يكون لحنا وغلطا فثبت فساد ما نقل عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما أن فيه لحنا وغلطا .
وثالثها : قال ابن الأنباري إن الصحابة هم الأئمة والقدوة فلو وجدوا في المصحف لحنا لما فوضوا إصلاحه إلى غيرهم من بعدهم مع تحذيرهم من الإبتداع وترغيبهم في الإتباع ، حتى قال بعضهم : اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم . فثبت أنه لا بد من تصحيح القراءة المشهورة . واختلف النحويون فيه وذكروا وجوها : الوجه الأول : وهو الأقوى أن هذه لغة لبعض العرب وقال بعضهم هي لغة بلحارث بن كعب ، والزجاج نسبها إلى كنانة وقطرب نسبها إلى بلحارث بن كعب ومراد وخثعم وبعض بني عذرة ، ونسبها ابن جني إلى بعض بني ربيعة أيضا وأنشد الفراء على هذه اللغة :
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى*** مساغا لناباه الشجاع لصمما
تزود منا بين أذناه ضربة*** دعته إلى هابي التراب عقيم
قال الفراء وحكى بعض بني أسد أنه قال هذا خط يدا أخي أعرفه . وقال قطرب هؤلاء يقولون : رأيت رجلان واشتريت ثوبان قال رجل من بني ضبة جاهلي :
أعرف منها الجيد والعينانا*** ومنخرين أشبها ظبيانا
وقوله ومنخرين على اللغة الفاشية وما وراء ذلك على لغة هؤلاء .
طاروا علاهن فطر علاها*** واشدد بمثنى حقب حقواها
كأن صريف ناباه إذا ما*** أمرهما صرير الأخطبان
قال بعضهم : الأخطبان ذكر الصردان ، فصيرهما واحدا فبقي الاستدلال بقوله صريف ناباه ، قال : وأنشدني يونس لبعض بني الحرث :
كأن يمينا سحبل ومصيفه*** مراق دم لن يبرح الدهر ثاويا
إن أباها وأبا أباها*** قد بلغا في المجد غايتاها
هناك أن تبكي بشعشعان*** رحب الفؤاد طائل اليدان
ثم قال الفراء وذلك وإن كان قليلا أقيس لأن ما قبل حرف التثنية مفتوح ، فينبغي أن يكون ما بعده ألفا ولو كان ما بعده ياء ينبغي أن تنقلب ألفا لانفتاح ما قبلها وقطرب ذكر أنهم يفعلون ذلك فرارا إلى الألف التي هي أخف حروف المد هذا أقوى الوجوه في هذه الآية ويمكن أن يقال أيضا : الألف في هذا من جوهر الكلمة والحرف الذي يكون من جوهر الكلمة لا يجوز تغييره بسبب التثنية والجمع لأن ما بالذات لا يزول بالعرض فهذا الدليل يقتضي أن لا يجوز أن يقال : ( إن هذين ) فلما جوزناه فلا أقل من أن يجوز معه أن يقال إن هذان . الوجه الثاني : في الجواب أن يقال إن ههنا بمعنى نعم قال الشاعر :
ويقلن شيب قد علا*** ك وقد كبرت فقلت إنه
أي فقلت نعم فالهاء في إنه هاء السكت كما في قوله تعالى : { هلك عني سلطانيه } وقال أبو ذؤيب :
شاب المفارق إن إن من البلى*** شيب القذال مع العذار الواصل
أي نعم إن من البلى فصار إن كأنه قال نعم هذان لساحران ، واعترضوا عليه فقالوا : اللام لا تدخل في الخبر على الاستحسان إلا إذا كانت إن داخلة في المبتدأ ، فأما إذا لم تدخل أن على المبتدأ فمحل اللام المبتدأ إذ يقال لزيد اعلم من عمرو ولا يقال زيد لأعلم من عمرو ، وأجابوا عن هذا الاعتراض من وجهين ، الأول : لا نسلم أن اللام لا يحسن دخولها على الخبر والدليل عليه قوله :
أم الحليس لعجوز شهر به*** ترضى من اللحم بعظم الرقبه
خالي لأنت ومن جرير خاله*** ينل العلاء ويكرم الأخوالا
ألم تكن حلفت بالله العلي*** أن مطاياك لمن خير المطي
وإن رويت إن بالكسر لم يبق الاستدلال إلا أن قطربا قال : سمعناه مفتوح الهمزة وأيضا فقد أدخلت اللام في خبر أمسى ، قال ابن جني أنشدنا أبو علي :
مروا عجالى فقالوا كيف صاحبكم*** فقال من سئلوا أمسى لمجهودا
وقال قطرب وسمعنا بعض العرب يقول : أراك المسالمي وإني رأيته لشيخا وزيد والله لواثق بك وقال كثير :
وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها*** لكالهائم المقصى بكل بلاد
وقال المعترض هذه الأشعار من الشواذ وإنما جاءت كذا لضرورة الشعر وجل كلام الله تعالى عن الضرورة وإنما تقرر هذا الكلام إذا بينا أن المبتدأ إذا لم يدخل عليه إن وجب إدخال اللام عليه لا على الخبر وتحقيقه أن اللام تفيد تأكيد موصوفية المبتدأ بالخبر واللام تدل على حالة من حالات المبتدأ وصفة من صفاته فوجب دخولها على المبتدأ لأن العلة الموجبة لحكم في محل لا بد وأن تكون مختصة بذلك المحل لا يقال هذا مشكل بما إذا دخلت إن على المبتدأ فإن ههنا يجب إدخال اللام على الخبر مع أن ما ذكرتموه حاصل فيه لأنا نقول ذلك لأجل الضرورة وذلك لأن كلمة إن للتأكيد واللام للتأكيد فلو قلنا : إن لزيدا قائم لكنا قد أدخلنا حرف التأكيد على حرف التأكيد وذلك ممتنع فلما تعذر إدخالها على المبتدأ لا جرم أدخلناها على الخبر لهذه الضرورة ، وأما إذا لم يدخل حرف إن على المبتدأ كانت هذه الضرورة زائلة فوجب إدخال اللام على المبتدأ لا يقال إذا جاز إدخال حرف النفي على حرف النفي في قوله :
ما إن رأيت ولا سمعت به*** كاليوم طالبني أنيق أجرب
والغرض به تأكيد النفي فلم لا يجوز إدخال حرف التأكيد على حرف التأكيد والغرض به تأكيد الإثبات لأنا نقول الفرق بين البابين أن قولك زيد قائم يدل على الحكم بموصوفية زيد بالقيام فإذا قلت إن زيدا قائم فكلمة إن تفيد تأكيد ذلك الحكم فلو ذكرت مؤكدا آخر مع كلمة إن صار عبثا ، أما لو قلت : رأيت فلانا فهذا للثبوت فإذا أدخلت عليه حرف النفي أفاد حرف النفي معنى النفي ولا يفيد التأكيد لأنه مستقل بإفادة الأصل فكيف يفيد الزيادة فإذا ضممت إليه حرف نفي آخر صار الحرف الثاني مؤكدا للأول فلا يكون عبثا فهذا هو الفرق بين البابين فهذا منتهى تقرير هذا الاعتراض وهو عندي ضعيف ، لأن الكل اتفقوا على أنه إذا اجتمع النقل والقياس فالنقل أولى ، ولأن هذه العلل في نهاية الضعف فكيف يدفع بها النقل الظاهر . الوجه الثاني : في الجواب عن قولهم اللام لا يحسن دخولها على الخبر إلا إذا دخلت كلمة إن على المبتدأ كما ذكره الزجاج فقال : إن وقعت موقع نعم واللام في موقعها والتقدير نعم هذان لهما ساحران فكانت اللام داخلة على المبتدأ لا على الخبر . قال : وعرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلى إسماعيل بن إسحق فارتضياه وذكرا أنه أجود ما سمعناه في هذا . قال ابن جني : هذا القول غير صحيح لوجوه : الوجه الأول : أن الأصل أن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمرا معلوما جليا ولولا ذلك لكان في حذفه مع الجهل به ضرب من تكليف علم الغيب للمخاطب وإذا كان معروفا فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام لأن التأكيد إنما يحتاج إليه حيث لم يكن العلم به حاصلا . الوجه الثاني : أن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب فالجمع بينهما غير جائز ولأن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس . الوجه الثالث : امتناع أصحابنا البصريين من تأكيد الضمير المحذوف العائد على المبتدأ في نحو قولك زيد ضربت فلا يجيزون زيد ضربت نفسه على أن يجعل النفس توكيدا للهاء المؤكدة المقدرة في ضربت أي ضربته لأن الحذف لا يكون إلا بعد التحقيق والعلم به ، وإذا كان كذلك فقد استغنى عن تأكيده فكذا ههنا . الوجه الرابع : أن جميع النحويين حملوا قول الشاعر : أم الحليس لعجوز شهر به . على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة ولو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزا لما عدل عنه النحويون ولما حملوا الكلام عليه على الاضطرار إذا وجدوا له وجها ظاهرا ، ويمكن الجواب عن اعتراض ابن جني بأنه إنما حسن حذف المبتدأ لأن في اللفظ ما يدل عليه وهو قوله : هذان أما لو حذف التأكيد فليس في اللفظ ما يدل عليه فلا جرم كان حذف المبتدأ أولى من حذف التأكيد ، وأما امتناعهم من تأكيد الضمير في قولهم : زيد ضربت نفسه فذاك إنما كان لأن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر فإذا قال زيد : ضربت نفسه كان قوله نفسه مفعولا فلا يمكن جعله تأكيدا للضمير فتأكيد المحذوف إنما امتنع ههنا لهذه العلة لا لأن تأكيد المحذوف مطلقا ممتنع وأما قوله : النحويون حملوا قول الشاعر : أم الحليس لعجوز شهر به . على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة فلو جاز ما قاله الزجاج لما عدل عنه النحويون ، فهذا اعتراض في نهاية السقوط لأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلا فما أكثر ما ذهل المتقدم عنه وأدركه المتأخر فهذا تمام الكلام في شرح هذا . الوجه الثالث : في الجواب أن كلمة إن ضعيفة في العمل لأنها تعمل بسبب مشابهة الفعل فوجب كونها ضعيفة في العمل وإذا ضعفت جاز بقاء المبتدأ على إعرابه الأصلي وهو الرفع .
المقدمة الأولى : أنها تشبه الفعل وهذه المشابهة حاصلة في اللفظ والمعنى . أما اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف وانفتح آخرها ولزمت الأسماء كالأفعال ، وأما المعنى فلأنها تفيد حصول معنى في الاسم وهو تأكيد موصوفيته بالخبر كما أنك إذا قلت : قام زيد فقولك قام أفاد حصول معنى في الاسم .
المقدمة الثانية : أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل فذلك ظاهر بناء على الدوران .
المقدمة الثالثة : أنها لم تنصب الاسم وترفع الخبر فتقريره أن يقال : إنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ والخبر معا أو تنصبهما معا أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر أو بالعكس والأول باطل لأن المبتدأ والخبر كانا قبل دخول إن عليهما مرفوعين فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له أثر ألبتة ولأنها أعطيت عمل الفعل ، والفعل لا يرفع الاسمين فلا معنى للاشتراك . والقسم الثاني : أيضا باطل لأن هذا أيضا مخالف لعمل الفعل لأن الفعل لا ينصب شيئا مع خلوه عما يرفعه . والقسم الثالث : أيضا باطل لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع فإن الفعل يكون عمله في الفاعل أولا بالرفع وفي المفعول بالنصب فلو جعل النصب ههنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع ، ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعين . القسم الرابع : وهو أنها تنصب الاسم وترفع الخبر ، وهذا مما ينبه على أن هذه الحروف دخيلة في العمل لا أصيلة لأن تقديم المنصوب على المرفوع في باب العمل عدول عن الأصل فذلك يدل على أن العمل بهذه الحروف ليس بثابت بطريق الأصالة بل بطريق عارض .
المقدمة الرابعة : لما ثبت أن تأثيرها في نصب الاسم بسبب هذه المشابهة وجب جواز الرفع أيضا ، وذلك لأن كون الاسم مبتدأ يقتضي الرفع ودخول إن على المبتدأ لا يزيل عنه وصف كونه مبتدأ لأنه يفيد تأكيد ما كان لا زوال ما كان إذا ثبت هذا فنقول : وصف كونه مبتدأ يقتضي الرفع وحرف إن يقتضي النصب ولكن المقتضى الأول أولى بالاقتضاء من وجهين : أحدهما : أن وصف كونه مبتدأ صفة أصلية للمبتدأ ودخول إن عليه صفة عرضية والأصل راجح على العارض . والثاني : أن اقتضاء وصف المبتدأ للرفع أصلي واقتضاء حرف إن للنصب صفة عارضة بسبب مشابهتها بالفعل فيكون الأول أولى فثبت بمجموع ما قررنا أن الرفع أولى من النصب فإن لم تحصل الأولوية فلا أقل من أصل الجواز ولهذا السبب إذا جئت بخبر إن ثم عطفت على الاسم اسما آخر جاز فيه الرفع والنصب معا . الوجه الرابع : في الجواب قال الفراء : هذا أصله ذا زيدت الهاء لأن ذا كلمة منقوصة فكملت بالهاء عند التنبيه وزيدت ألفا للتثنية فصارت هذا إن فاجتمع ساكنان من جنس واحد فاحتيج إلى حذف واحد ولا يمكن حذف ألف الأصل لأن أصل الكلمة منقوصة فلا تجعل أنقص فحذف ألف التثنية لأن النون يدل عليه فلا جرم لم تعمل إن لأن عملها في ألف التثنية ، وقال آخرون : الألف الباقي إما ألف الأصل أو ألف التثنية . فإن كان الباقي ألف الأصل لم يجز حذفها لأن العامل الخارجي لا يتصرف في ذات الكلمة ، وإن كان الباقي ألف التثنية فلا شك أنهم أنابوها مناب ألف الأصل ، وعوض الأصل أصل لا محالة فهذا الألف أصل فلا يجوز حذفه ويرجع حاصل هذا إلى الجواب الأول . الوجه الخامس : في الجواب حكى الزجاج عن قدماء النحويين أن الهاء ههنا مضمرة والتقدير إنه هذان لساحران ، وهذه الهاء كناية عن الأمر والشأن ، فهذا ما قيل في هذا الموضع ، فأما من خفف فقرأ إن هذان لساحران فهو حسن فإن ما بعد الخفيفة رفع واللام بعدها في الخبر لازمة واجبة وإن كانت في إن الثقيلة جائزة ليظهر الفرق بين إن المؤكدة وإن النافية . قال الشاعر :
وإن مالك للمرتجى إن تضعضعت*** رحا الحرب أو دارت على خطوب
إن القوم والحي الذي أنا منهم*** لأهل مقامات وشاء وجامل
الجامل جمع جمل ، ثم من العرب من يعمل إن ناقصة كما يعملها تامة اعتبارا بكان فإنها تعمل وإن نقصت في قولك : لم يكن لبقاء معنى التأكيد ، وإن زال الشبه اللفظي بالفعل لأن العبرة للمعنى ، وهذه اللغة تدل على أن العبرة في باب الإعمال الشبه المعنوي بالفعل وهو إثبات التوكيد دون الشبه اللفظي كما أن التعويل في باب كان على المعنى دون اللفظ لكونه فعلا محضا ، وأما اللغة الظاهرة وهي ترك إعمال إن الخفيفة دالة على أن الشبه اللفظي في إن الثقيلة أحد جزأي العلة في حق عملها وعند الخفة زال الشبه فلم تعمل بخلاف السكون فإنه عامل بمعناه لكونه فعلا محضا ولا عبرة للفظه .
المسألة الثانية : أنه سبحانه وتعالى لما ذكر ما أسروه من النجوى حكى عنهم ما أظهروه ومجموعه يدل على التنفير عن موسى عليه السلام ومتابعة دينه . فأحدها : قولهم : { هذان لساحران } وهذا طعن منهم في معجزات موسى عليه السلام ثم مبالغة في التنفير عنه لما أن كل طبع سليم يقتضي النفرة عن السحر وكراهة رؤية الساحر ، ومن حيث إن الإنسان يعلم أن السحر لا بقاء له فإذا اعتقدوا فيه السحر قالوا : كيف نتبعه فإنه لا بقاء له ولا لدينه ولا لمذهبه . وثانيها : قوله : { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } وهذا في نهاية التنفير لأن المفارقة عن المنشأ ، والمولد شديدة على القلوب ، وهذا هو الذي حكاه الله تعالى عن فرعون في قوله : { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى } وكأن السحرة تلقفوا هذه الشبهة من فرعون ثم أعادوها . وثالثها : قوله : { ويذهبا بطريقتكم المثلى } وهذا أيضا له تأثير شديد في القلب فإن العدو إذا جاء واستولى على جميع المناصب والأشياء التي يرغب فيها فذلك يكون في نهاية المشقة على النفس فهم ذكروا هذه الوجوه للمبالغة في التنفير عن موسى والترغيب في دفعه وإبطال أمره وههنا بحثان :
البحث الأول : قال الفراء : الطريقة الرجال الأشراف الذين هم قدوة لغيرهم يقال هم طريقة قومهم ، ويقال للواحد أيضا : هو طريقة قومه ، وجعل الزجاج الآية من باب حذف المضاف أي ويذهبا بأهل طريقتكم المثلى ، وعلى التقديرين ، فالمراد أنهم كانوا يحرضون القوم بأن موسى وهارون عليهما السلام يريدان أن يذهبا بأشراف قومكم وأكابركم وهم بنو إسرائيل لقول موسى عليه السلام : { أرسل معنا بني إسرائيل } وإنما سموا بني إسرائيل بذلك لأنهم كانوا أكثر القوم يومئذ عددا وأموالا ومن المفسرين من فسر الطريقة المثلى بالدين سموا دينهم بالطريقة المثلى : { وكل حزب بما لديهم فرحون } ومنهم من فسرها بالجاه والمنصب والرياسة .
البحث الثاني : { المثلى } مؤنثة لتأنيث الطريقة ، واختلفوا في أنه لم سمى الأفضل بالأمثل فقال بعضهم : الأمثل : الأشبه بالحق ، وقيل : الأمثل الأوضح والأظهر ،
{ قَالُواْ } أي بطريق التناجي والإسرار { إِنْ هاذان لساحران } الخ فإنه تفسير لذلك ونتيجة التنازع وخلاصة ما استقرت عليه آراؤهم بعد التناظر والتشاور .
وقيل : كان نجواهم أن قالوا حين سمعوا مقالة موسى عليه السلام ما هذا بقول ساحر ، وروي ذلك عن محمد بن إسحاق . وقيل : كان ذلك أن قالوا : إن غلبنا موسى اتبعناه ، ونقل ذلك عن الفراء . والزجاج .
وقيل : كان ذلك أن قالوا : إن كان هذا ساحراً فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر ، وروي ذلك عن قتادة ، وعلى هذه الأقوال يكون المراد من { أَمَرَهُمْ } [ طه : 62 ] أمر موسى عليه السلام وإضافته إليهم لأدنى ملابسة لوقوعه فيما بينهم واهتمامهم به ويكون إسرارهم من فرعون وملئه ، ويحمل قولهم : { إِنْ هاذان لساحران } الخ على أنهم اختلفوا فيما بينهم من الأقاويل المذكورة ثم استقرت آراؤهم على ذلك وأبوا إلا المناصبة للمعارضة وهو كلام مستأنف استئنافاً بيانياً كأنه قيل : فماذا قالوا للناس بعد تمام التنازع فقبل : { قَالُواْ إِنْ هاذان } الخ .
وجعل الضمير في { قَالُواْ } : لفرعون وملئه على أنهم قالوا ذلك للسحرة رداً لهم عن الاختلاف وأمرا بالإجماع والإزماع وإظهار الجلادة مخمل بجزالة النظم الكريم كما يشهد به الذوق السليم ، نعم لو جعل ضمير { تنازعوا } والضمائر الذي بعده لهم كما ذهب إليه أكثر المفسرين أيضاً لم يكن فيه ذلك الإخلال وإن مخففة من إن وقد أهملت عن العمل واللام فارقة .
وقرأ ابن كثير بتشديد نون { هذان } وهو على خلاف القياس للفرق بين الأسماء المتمكنة وغيرها .
وقال الكوفيون : إن نافية واللام واللام بمعنى إلا أي ما هذان إلا ساخران . ويؤيده أنه قرئ كذلك . وفي رواية عن أبي أنه قرأ { إِن هذان إِلا ساحران } . وقرئ { إن ذان } بدون هاء التنبيه { إِلا ساحران } . وعزاها ابن خالويه إلى عبد الله . وبعضهم إلى أبي وهي تؤيد ذلك أيضاً . وقرئ { إن ذان لساحران } بإسقاط هاء التنبيه فقط .
وقرأ أبو جعفر . والحسن . وشيبة . والأعمش . وطلحة . وحميد . وأيوب . وخلف في اختياره . وأبو عبيد . وأبو حاتم . وابن عيسى الأصبهاني . وابن جرير : وابن جبير الأنطاكي . والأخوان . والصاحبان من السبعة { إن } بتشديد النون { هذان } بألف ونون خفيفة ، واستشكلت هذه القراءة حتى قيل : إنها لحن وخطأ بناءً على ما أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن عن هشام بن عروة عن أبيه قال : سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن لحن القرآن عن قوله تعالى : { إِنْ هاذان لساحران } . وعن قوله تعالى : { والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكواة } [ النساء : 162 ] وعن قوله تعالى : { والذين هَادُواْ والصابئون } [ المائدة : 69 ] فقالت : يا ابن أخي هذا عمل الكتاب أخطؤوا في الكتاب ، وإسناده صحيح على شرط الشيخين كما قال الجلال السيوطي .
وهذا مشكل جداً إذ كيف يظن بالصحابة أولاً أنهم يلحنون في الكلام فضلاً عن القرآن وهم الفصحاء اللد ، ثم كيف يظن بهم ثانياً الغلط في القرآن الذي تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم كما أنزل ولم يألوا جهداً في حفظه وضبطه وإتقانه ، ثم كيف يظهر بهم ثالثاً اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته ، ثم كيف يظن بهم رابعاً عدم تنبههم ورجوعهم عنه ، ثم كيف يظن خامساً الاستمرار على الخطأ وهو مروى بالتواتر خلفاً عن سلف ولو ساغ مثل ذلك لارتفع الوثوق بالقرآن .
وقد خرجت هذه القراءة على وجوه ، الأول أن { ءانٍ } بمعنى نعم وإلى ذلك ذهب جماعة منهم المبرد والأخفش الصغير وأنشدوا قوله :
بكر العواذل في الصبو *** ح يلمنني وألومهنه
ويقلن شيب قد علا *** ك وقد كبرت فقلت إنه
والجيد الاستدلال بقول ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما لمن قال له : لعن الله ناقة حملتني إليك إن وراكبها إذ قد قيل : في البيت إنا لا نسلم أن إن فيه بمعنى نعم والهاء للسكت بل هي الناصبة والهاء ضمير منصوب بها والخبر محذوف أي إنه كذلك ولا يصح أن يقال : إنها في الخبر كذلك وحذف الجزءان لأن حذف الجزأين جميعاً لا يجوز . وضعف هذا الوجه بأن كونها بمعنى نعم لم يثبت ، أو هو نادر . وعلى تقدير الثبوت من غير ندرة ليس قبلها ما يقتضي جواباً حتى تقع نعم في جوابه . والقول بأنه يفهم من صدر الكلام أن منهم من قال : هما ساحران فصدق وقيل : نعم بعيد . ومثله القول بأن ذلك تصديق لما يفهم من قول فرعون : { أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يا موسى } [ طه : 57 ] وأيضاً إن لام الابتداء لا تدخل على خبر المبتدأ .
وأجيب عن هذا بأن اللام زائدة وليست للابتداء كما في قوله :
أم الحليس لعجوز شهربه *** ترضى من اللحم بعظم الرقبة
أو بأنها داخلة على مبتدأ محذوف أي لهما ساحران ، كما اختاره الزجاج وقال : عرضته على عالمنا وشيخنا وأستاذنا محمد بن زيد يعني المبرد . والقاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد فقبلاه ، وذكرا أنه أجود ما سمعناه في هذا أو بأنها دخلت بعد إن هذه لشبهها بأن المؤكدة لفظاً كما زيدت أن بعد ما المصدرية لمشابهتها للنافية في قوله :
ورج الفتى للخير ما إن رأيته *** على السن خيراً لا يزال يزيد
ورد الأول : بأن زيادتها في الخبر خاصة بالشعر وما هنا محل النزاع فلا يصح الاحتجاج به كما توهم النيسابوري . وزيف الثاني أبو علي في الإغفال بما خلاصته أن التأكيد فيما خيف لبسه فإذا بلغ به الشهرة الحذف استغنى لذلك عن التأكيد ، ولو كان ما ذكر وجهاً لم يحمل نحو لعجوز شهربة على الضرورة ولا تقاس على أن حيث حذف معها الخبر في :
إن محلا وإن مرتحلا *** وإن اجتمعا في التأكيد لأنها مشبهة بلا وحمل النقيض على النقيض شائع ، وابن جني بأن الحذف من باب الإيجاز والتأكيد من باب الأطناب والجمع بينهما محال للتنافي .
وأجيب : بأن الحذف لقيام القرينة والاستغناء غير مسلم والتأكيد لمضمون الجملة لا للمحذوف والحمل في البيت ممكن أيضاً واقتصارهم فيه على الضرورة ذهول وكم ترك الأول للآخر واجتماع ألا يجازوا الأطناب مع اختلاف الوجه غير محال . وأصدق شاهد على دخول اللام في مثل هذا الكلام ما رواه الترمذي . وأحمد . وابن ماجه «أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ » نعم لا نزاع في شذوذ هذا الحذف استعمالاً وقياساً .
الثاني : أن إن من الحروف الناصبة واسمها ضمير الشأن وما بعد مبتدأ وخبر والجملة خبرها ، وإلى ذلك ذهب قدماء النحاة . وضعف بأن ضمير الشان موضوع لتقوية الكلام وما كان كذلك لا يناسبه الحذف والمسموع من حذفه كما في قوله :
إن من لام في بني بنت حسا *** ن ألمه وأعصه في الخطوب
إن من يدخل الكنيسة يوما *** يلق فيها جآذرا وظباء
/ ضرورة أو شاذ إلا في باب إن المفتوحة إذا خففت فاستسهلوه لوروده في كلام بني على التخفيف فحذف تبعاً لحذف النون ولأنه لو ذكر لوجب التشديد إذ الضمائر ترد الأشياء إلى أصولها ، ثم يرد بحث دخول اللام في الخبر ، وإن التزم تقدير مبتدأ داخلة هي عليه فقد سمعت ما فيه من الجرح والتعديل ، الثالث : أنها الناصبة وهاء ضمير القصة اسمها وجلمة { هاذان لساحران } خبرها ، وضعف بأنه يقتضي وصل ها بإن من إثبات الألف وفصل ها من { ذان } في الرسم وما في المصحف ليس كذلك ، ومع ذلك يرد بحث دخول اللام .
الرابع : أن إن ملغاة وإن كانت مشددة حملا لها على المخففة وذلك كما أعملت المخففة حملا لها عليها في قوله تعالى : { وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفّيَنَّهُمْ } [ هود : 111 ] أو حطاً لرتبتها عن الفعل لأن عملها ليس بالأصالة بل بالشبه له وما بعدها مبتدأ وخبر وإلى ذلك ذهب علي بن عيسى . وفيه أن هذا الإلغاء لم ير في غير هذا الموضع وهو محل النزاع وبحث اللام فيه بحالة . الخامس : وهو أجود الوجوه وأوجهها . واختاره أبو حيان . وابن مالك . والأخفش . وأبو علي الفارسي . وجماعة أنها الناصبة . واسم الإشارة اسمها : واللام لام الابتداء و { ساحران } خبرها ؛ ومجيء اسم الإشارة بالألف مع أنه منصوب جار على لغة بعض العرب من إجراء المثنى بالألف دائماً قال شاعرهم :
واها لريا ثم واها واها *** يا ليت عيناها لنا وفاها
وموضع الخلخال من رجلاها *** بثمن نرضى به أباها
وأطرق إطراق الشجاع ولو يرى *** مساغاً لنا باه الشجاع لصمما
وقالوا : ضربته بين أذناه ومن يشتري الخفان وهي لغة الكنانة حكى ذلك أبو الخطاب ولبني الحرث بن كعب . وخثعم . وزبيد . وأهل تلك الناحية حكى ذلك الكسائي . ولبني العنبر . وبني الهيجم . ومراد وعذرة . وقال أبو زيد : سمعت من العرب من يقلب كل ياء ينفتح ما قبلها ألفاً ، وابن الحاجب يقول : إن { يَشَاء هذان } مبني لدلالته على معنى الإشارة . وإن قول الأكثرين هذين جراً ونصباً ليس إعراباً أيضاً .
قال ابن هشام : وعلى هذا فقراءة هذان أقيس إذ الأصل في المبنى أن لا تختلف صيغته مع أن فيها مناسبة لألف { *ساحران } اه . وأما الخبر السابق عن عائشة فقد أجاب عنه ابن أشته وتبعه ابن جبارة في شرح الرائية بأن قولها : اخطؤوا على معنى أخطؤوا في اختيار الأولى من الأحرف السبعة لجمع الناس عليه لا أن الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز فإن ما لا يجوز من كل شيء مردود بالإجماع وإن طالت مدة وقوعه وبنحو هذا يجاب عن أخبار رويت عنها أيضاً .
وعن ابن عباس في هذا الباب تشكل ظواهرها . ثم أخرج عن إبراهيم النخعي أنه قال : إن هذان لساحران وإن هذين لساحران سواء لعلهم كتبوا الألف مكان الياء يعني أنه من إبدال حرف في الكتابة بحرف كما وقع في صلاة وزكاة وحياة . ويرد على هذا أنه إنما يحسن لو كانت القراءة بالياء في ذلك . ثم أنت تعلم أن الجواب المذكور لا يحسم مادة الإشكال لبقاء تسمية عروة ذلك في السؤال لحناً اللهم إلا أن يقال : أراد باللحن اللغة كما قال ذلك ابن اشته في قول ابن جبير المروي عنه بطرق في { والمقيمين الصلاة } [ النساء : 162 ] هو لحن من الكاتب أو يقال : أراد به اللحن بحسب بادئ الرأي : وابن الأنباري جنح إلى تضعيف الروايات في هذا الباب ومعارضتها بروايات أخر عن ابن عباس . وغيره تدل على ثبوت الأحرف التي قيل فيها ما قيل في القراءة . ولعل الخبر السابق الذي ذكر أنه صحيح الإسناد على شرط الشيخين داخل في ذلك لكن قال الجلال السيوطي : إن الجواب الأول الذي ذكره ابن اشته أولى وأقعد . وقال العلاء فيما أخرجه ابن الأنباري وغيره عن عكرمة قال : لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفاً من اللحن فقال : لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو قال : ستقرؤها بألسنتها لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف إن ذلك لا يصح عن عثمان فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع .
والذي أجنح أنا إليه والعاصم هو الله تعالى تضعيف جميع ما ورد مما فيه طعن بالمتواتر ولم يقبل تأويلاً ينشرح له الصدر ويقبله الذوق وإن صححه من صححه .
والطعن في الرواة أهون بكثير من الطعن بالأئمة الذين تلقوا القرآن العظيم الذي وصل إلينا بالتواتر من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يألوا جهداً في إتقانه وحفظه .
وقد ذكر أهل المصطلح أن مما يدرك به وضع الخبر ما يؤخذ من حال المروى كان يكون مناقضاً لنص القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي أو صريح العقل حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل أو لم يحتمل سقوط شيء منه يزول به المحذور فلو قال قائل بوضع بعض هاتيك الأخبار لم يبعد والله تعالى أعلم .
وقرأ أبو عمرو { إن هذين } بتشديد نون { إن } وبالياء في { هذين } . وروي ذلك عن عائشة . والحسن . والأعمش . والنخعي . والجحدري . وابن جبير . وابن عبيد . وإعراب ذلك واضح إذ جاء على المهيع المعروف في مثله لكن في «الدر المصون » قد استشكلت هذه القراءة بأنها مخالفة لرسم الإمام فإن اسم الإشارة فيه بدون ألف وياء فإثبات الياء زيادة عليه . ولذا قال الزجاج : أنا لا أجيزها وليس بشيء لأنه مشترك الإلزام ولو سلم فكم في القراءات ما خالف رسمه القياس مع أن حذف الألف ليس على القياس أيضاً .
{ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ } أي أرض مصر بالاستيلاء عليها { بِسِحْرِهِمَا } الذي أظهراه من قبل ، ونسبة ذلك لهارون لما أنهم رأوه مع موسى عليهما السلام سالكاً طريقته . وهذه الجملة صفة أو خبر بعد خبر .
{ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى } أي بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب وأمثلها بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما يريدون به ما كان عليه قوم فرعون لا طريقة السحر فإنهم ما كانوا يعتقدونه ديناً . وقيل : أرادوا أهل طريقتكم فالكلام على تقدير مضاف . والمراد بهم بنو إسرائيل لقول موسى عليه السلام : { أَرْسِلْ مَعَنَا بني إسرائيل } [ طه : 47 ] وكانوا أرباب علم فيما بينهم .
وأخرج ذلك ابن المنذر . وابن أبي حاتم عن ابن عباس . وتعقب بأن إخراجهم من أرضهم إنما يكون بالاستيلاء عليها تمكناً وتصرفاً فكيف يتصور حينئذٍ نقل بني إسرائيل إلى الشام . وحمل الإخراج على إخراج بني إسرائيل منها مع بقاء قوم فرعون على حالهم مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله ، على أن هذه المقالة منهم للإغراء بالمبالغة في المغالبة والاهتمام بالمناصبة فلا بد أن يكون الإنذار والتحذير بأشد المكاره وأشقها عليهم ، ولا ريب في أن إخراج بني إسرائيل من بينهم والذهاب بهم إلى الشام وهم آمنون في ديارهم ليس فيه كثير محذور وهو كلام يلوح عليه مخايل القبول فلعل الخبر عن الحبر لا يصح .
وأخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم أيضاً عن مجاهد أن الطريقة اسم لوجوه القوم وأشرافهم . وحكى فلان طريقة قومه أي سيدهم ، وكأن إطلاق ذلك على الوجوه مجاز لاتباعهم كما يتبع الطريق .
وأخرجا عن علي كرم الله تعالى وجهه أن إطلاق ذلك عليهم بالسريانية ، وكأنهم أرادوا بهؤلاء الوجوه الوجوه من قوم فرعون أرباب المناصب وأصحاب التصرف والمراتب فيكونوا قد حذروهم بالإخراج من أوطانهم وفصل ذوي المناصب منهم عن مناصبهم وفي ذلك غاية الذل والهوان ونهاية حوادث الزمان ، فما قيل : إن تخصيص الإذهاب بهم مما لا مزية فيه ليس بشيء ، وقيل : إنهم أرادوا بهم بني إسرائيل أيضاً لأنهم كانوا أكثر منهم نشباً وأشرف نسباً وفيه ما مر آنفاً ، واعترض أيضاً بأنه ينافيه استعبادهم واستخدامهم وقتل أولادهم وسومهم العذاب .
وأجيب بالمنع فكم من متبوع مقهور وشريف بأيدي الأنذال مأسور وهو كما ترى .