البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} (52)

قيل : سأله عن أخبارها وأحاديثها ليختبر أهما نبيان أو هما من جملة القُصّاص الذين دارسوا قصص الأمم السالفة ، ولم يكن عنده عليه السلام علم بالتوراة إنما أنزلت عليه بعد هلاك فرعون فقال { علمها عند ربي } .

وقيل : مراده من السؤال عنها لم عبدت الأصنام ولم تعبد الله إن كان الحق ما وصفت ؟ وقيل : مراده ما لها لا تبعث ولا تحاسب ولا تُجَازَى فقال { علمها عند ربي } فأجابه بأن هذا سؤال عن الغيب وقد استأثر الله به لا يعلمه إلاّ هو .

وقال النقاش : إنما سأل لما سمع وعظ مؤمن آل فرعون { يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب } الآية فرد علم ذلك إلى الله لأنه لم يكن نزلت عليه التوراة .

وقيل لما قال { إنّا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى } قال فرعون { فما بال القرون الأولى } فإنها كذبت ثم إنهم ما عذبوا .

وقيل : لما قرر أمر المبدأ والدلالة القاطعة على إثبات الصانع قال فرعون : إن كان ما ذكرت في غاية الظهور فما بال القرون الأولى نسوه وتركوه ، فلو كانت الدلالة واضحة وجب على القرون الماضية أن لا يكونوا غافلين عنها .

فعارض الحجة النقلية ، ويجوز أن يكون فرعون قد نازعه في إحاطة الله بكل شيء وتبينه لكل معلوم فتعنت وقال : ما تقول في سوالف القرون وتمادي كثرتهم وتباعد أطراف عددهم ، كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم ، فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه وهو مثبت عنده { في كتاب } ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل ، أي { لا يضل } كما تضل أنت { ولا ينسى } كما تنسى يا مدّعي الربوبية بالجهل والوقاحة قاله الزمخشري .

والظاهر عود الضمير في { علمها } إلى { القرون الأولى } أي مكتوب عند ربي في اللوح المحفوظ لا يجوز عليه أن يخطىء شيئاً أو ينساه ، يقال : ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه ، وضللته لغتان فلم يهتد إليه كقولك : ضللت الطريق والمنزل ولا يقال أضللته إلاّ إذا ضاع منك كالدابة إذا انفلتت وشبهها قاله الفراء .

وقال الزجاج : ضللته أضله إذا جعلته في مكان ولم تدر أين هو ، وأضللته والكتاب هنا اللوح المحفوظ .

وقيل { في كتاب } فيما كتبته الملائكة من أحوال البشر .

وقيل : الضمير في { علمها } عائد على القيامة لأنه سأله عن بعث الأمم .

وقال السدّي { لا يضل } لا يغفل .

وقال ابن عيسى { لا يضل } لا يذهب عليه تقول العرب ضل منزله بغير ألف .

وفي الحيوان أضل بعيره بالألف .

وقيل : التقدير { لا يضل ربي } الكتاب { ولا ينسى } ما فيه قاله مقاتل .

وقال القفال { لا يضلْ } عن معرفة الأشياء فيحيط بكل المعلومات { ولا ينسى } إشارة إلى بقاء ذلك العلم أبد الآباد على حاله لا يتغير .

وقال الحسن : لا يخطئ وقت البعث ولا ينساه .

وقال مجاهد : معنى الجملتين واحد وهو إشارة إلى أنه لا يعرض في علمه ما يغيره .

وقال ابن جرير : لا يخطئ في التدبير فيعتقد في غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه ، وقال أبو عبد الله الرازي : علم الله صفة قائمة به ولا تكون حاصلة في الكتاب لأن ذلك لا يعقل ، فالمعنى أن بقاء تلك المعلومات في علمه كبقاء المكتوبات في الكتاب ، فالغرض التوكيد بأن أسرارها معلومة له لا يزول شيء منها ، ويتأكد هذا بقوله { لا يضل ربي ولا ينسى } أو المعنى أنه أثبت تلك الأحكام في كتاب عنده يظهر للملائكة زيادة لهم في الاستدلال على أنه عالم بكل المعلومات منزه عن السهو والغفلة انتهى .

وفيه بعض تلخيص .

وقرأ الحسن وقتادة والجحدري وحماد بن سلمة وابن محيصن وعيسى الثقفي لا يُضِلُّ بضم الياء أي { لا يضلّ } الله ذلك الكتاب فيضيع { ولا ينسى } ما أثبته فيه .

وقرأ السلمي لا يُضِلُّ ربِيَ ولا يُنْسَى مبنيتين للمفعول ، والظاهر أن الجملتين استئناف وإخبار عنه تعالى بانتفاء هاتين الصفتين عنه .

وقيل : هما في موضع وصف لقوله { في كتاب } والضمير العائد على الموصوف محذوف أي لا يضله ربي ولا ينساه .

والظاهر أن الضمير في { ولا ينسى } عائد على الله .

وقيل : يحتمل أن يعود على { كتاب } أي لا يدع شيئاً فالنسيان استعارة كما قال { إلاّ أحصاها } فأسند الإحصاء إليه من حيث الحصر فيه ، وعن ابن عباس لا يترك من كفر به حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه .