ثم إن موسى عليه السلام قابل أدبهم بأدب فقال : { بل ألقوا } أما قوله : { بل ألقوا } ففيه سؤالان :
السؤال الأول : كيف يجوز أن يقول موسى عليه السلام : { بل ألقوا } فيأمرهم بما هو سحر وكفر لأنهم إذا قصدوا بذلك تكذيب موسى عليه السلام كان كفرا . والجواب من وجوه : أحدها : لا نسلم أن نفس الإلقاء كفر ومعصية لأنهم إذا ألقوا وكان غرضهم أن يظهر الفرق بين ذلك الإلقاء وبين معجزة الرسول عليه السلام وهو موسى كان ذلك الإلقاء إيمانا وإنما الكفر هو القصد إلى تكذيب موسى وهو عليه السلام إنما أمر بالإلقاء لا بالقصد إلى التكذيب فزال السؤال . وثانيها : ذلك الأمر كان مشروطا والتقدير : { ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين } كما في قوله تعالى : { فأتوا بسورة من مثله إن كنتم صادقين } أي إن كنتم قادرين . وثالثها : أنه لما تعين ذلك طريقا إلى كشف الشبهة صار ذلك جائزا . وهذا كالمحق إذا علم أن في قلب واحد شبهة وأنه لو لم يطالبه بذكرها وتقريرها بأقصى ما يقدر عليه لبقيت تلك الشبهة في قلبه ، ويخرج بسببها عن الدين فإن للمحق أن يطالبه بتقريرها على أقصى الوجوه ويكون غرضه من ذلك أن يجيب عنها ويزيل أثرها عن قلبه فمطالبته بذكر الشبهة لهذا الغرض تكون جائزة فكذا ههنا . ورابعها : أن لا يكون ذلك أمرا بل يكون معناه إنكم إن أردتم فعله فلا مانع منه حسا لكي ينكشف الحق . وخامسها : أن موسى عليه السلام لا شك أنه كان كارها لذلك ولا شك أنه نهاهم عن ذلك بقوله : { ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب } وإذا كان الأمر كذلك استحال أن يكون قوله أمرا لهم بذلك لأن الجمع بين كونه ناهيا وآمرا بالفعل الواحد محال ، فعلمنا أن قوله غير محمول على ظاهره وحينئذ يزول الإشكال .
السؤال الثاني : لم قدمهم في الإلقاء على نفسه مع أن تقديم استماع الشبهة على استماع الحجة غير جائز فكذا تقديم إيراد الشبهة على إيراد الحجة وجب أن لا يجوز لاحتمال أنه ربما أدرك الشبهة ثم لا يتفرغ لإدراك الحجة بعده فيبقى حينئذ في الكفر والضلال وليس لأحد أن يقول إن ذلك كان بسبب أنهم لما قدموه على أنفسهم فهو عليه السلام قابل ذلك بأن قدمهم على نفسه لأن أمثال ذلك إنما يحسن فيما يرجع إلى حظ النفس ، فأما ما يرجع إلى الدليل والشبهة فغير جائز . والجواب أنه عليه السلام كان قد أظهر المعجزة مرة واحدة فما كان به حاجة إلى إظهارها مرة أخرى والقوم إنما جاؤوا لمعارضته فقال عليه السلام : لو أني بدأت بإظهار المعجزة أولا لكنت كالسبب في إقدامهم على إظهار السحر وقصد إبطال المعجزة وذلك غير جائز ، ولكني أفوض الأمر إليهم حتى أنهم باختيارهم يظهرون ذلك السحر ثم أنا أظهر المعجز الذي يبطل سحرهم فيكون على هذا التقدير سببا لإزالة الشبهة ، وأما على التقدير الأول فإنه يكون سببا لوقوع الشبهة فكان ذلك أولى . أما قوله : { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : { ألقوا حبالهم وعصيهم } ميلا من هذا الجانب وميلا من هذا الجانب فخيل إلى موسى عليه السلام أن الأرض كلها حيات وأنها تسعى فخاف فلما قيل له : { ألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا } ألقى موسى عصاه فإذا هي أعظم من حياتهم ثم أخذت تزداد عظما حتى ملأت الوادي ثم صعدت وعلت حتى علقت ذنبها بطرف القبة ثم هبطت فأكلت كل ما عملوا في الميلين والناس ينظرون إليها لا يحسبون إلا أنه سحر ثم أقبلت نحو فرعون لتبتلعه فاتحة فاها ثمانين ذراعا فصاح بموسى عليه السلام فأخذها فإذا هي عصى كما كانت ونظرت السحرة فإذا هي لم تدع من حبالهم وعصيهم شيئا إلا أكلته فعرفت السحرة أنه ليس بسحر وقالوا أين حبالنا وعصينا لو لم تكن سحرا لبقيت فخروا سجدا وقالوا : { آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون } .
المسألة الثانية : اختلفوا في عدد السحرة قال القاسم بن سلام : كانوا سبعين ألفا مع كل واحد عصا وحبل . وقال السدي : كانوا بضعة وثلاثين ألفا مع كل واحد عصا وحبل ، وقال وهب : كانوا خمسة عشر ألفا ، وقال ابن جريج وعكرمة كانوا تسعمائة : ثلاثمائة من الفرس وثلاثمائة من الروم وثلاثمائة من الإسكندرية . وقال الكلبي : كانوا اثنين وسبعين ساحرا اثنان منهم من القبط وسبعون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على ذلك ، واعلم أن الاختلاف والتفاوت واقع في عدد كثير وظاهر القرآن لا يدل على شيء منه والأقوال إذا تعارضت تساقطت .
المسألة الثالثة : قال صاحب «الكشاف » : يقال في إذا هذه إذا المفاجأة والتحقيق فيها أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصبا لها وجملة تضاف إليها خصت في بعض المواضع بأن تكون ناصبا فعلا مخصوصا وهو فعل المفاجأة والجملة ابتدائية لا غير فتقدير قوله تعالى : { فإذا حبالهم وعصيهم } ففاجأ موسى وقت تخيل سعي حبالهم وعصيهم وهذا تمثيل ، والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي اه .
المسألة الرابعة : قرئ عصيهم بالضم وهو الأصل والكسر إتباع نحو دلي ودلي وقسي وقسي وقرئ تخيل بالتاء المنقوطة من فوق بإسناد الفعل إلى الحبال والعصي وقرئ بالضم بالياء المنقطة من تحت بإسناد الفعل إلى الكيد والسحر وقال الفراء أي يخيل إليه سعيها .
المسألة الخامسة : الهاء في قوله : { يخيل إليه } كناية عن موسى عليه السلام والمراد أنهم بلغوا في سحرهم المبلغ الذي صار يخيل إلى موسى عليه السلام أنها تسعى كسعي ما يكون حيا من الحيات لا أنها كانت حية في الحقيقة ويقال إنهم حشوها بما إذا وقعت الشمس عليه يضطرب ويتحرك . ولما كثرت واتصل بعضها ببعض فمن رآها كان يظن أنها تسعى ، فأما ما روي عن وهب أنهم سحروا أعين الناس وعين موسى عليه السلام حتى تخيل ذلك مستدلا بقوله تعالى : { فلما ألقوا سحروا أعين الناس } وبقوله تعالى : { يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } فهذا غير جائز لأن ذلك الوقت وقت إظهار المعجزة والأدلة وإزالة الشبهة فلو صار بحيث لا يميز الموجود عن الخيال الفاسد لم يتمكن من إظهار المعجزة فحينئذ يفسد المقصود ، فإذن المراد أنه شاهد شيئا لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى ،
{ قَالَ } استئناف كما مر كأنه قيل : فماذا قال عليه السلام ؟ فقيل قال : { بَلْ أَلْقُواْ } أنتم أولاً إظهاراً لعدم المبالاة بسحرهم وإسعافاً لما أوهموا من الميل إلى البدء في شقهم حيث غيروا النظم إلى وجه أبلغ إذ كان الظاهر أن يقولوا : وإما أن نلقى وليبرزوا ما معهم ويستفرغوا جهدهم ويستنفذوا قصارى وسعهم ثم يظهر الله تعالى شأنه سلطانه فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه .
قيل وفي ذلك أيضاً مقابلة أدب بأدب ، واستشكل بعضهم هذا الأمر ظناً منه أنه يستلزم تجويز السحر فحمله دفعاً لذلك على الوعيد على السحر كما يقال للعبد العاصي : إفعل ما أردت ، وقال أبو حيان : هو مقرون بشرط مقدر أي ألقوا إن كنتم محقين . وفيه أنه عليه السلام يعلم عدم إحقاقهم فلا يجدي التقدير يريدون ملاحظة غيره .
وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى ذلك ولا إشكال فإن هذا كالأمر بذكر الشبهة لتنكشف . والقول بأن تقديم سماع الشبهة على الحجة غير جائز لجواز أن لا يتفرغ لإدراك الحجة بعد ذلك فتبقى مما لا يلتفت إليه .
{ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى } الفاء فصيحة معربة عن مسارعتهم إلى الإلقاء كما في قوله تعالى : { فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفلق } [ البقرة : 60 ] أي فالقوا فإذا حبالهم الخ . وهي في الحقيقة عاطفة لجملة المفاجأة على الجملة المحذوفة . وإذا فجائية وهي عند الكوفيين حرف وهو مذهب مرجوح عند أبي حيان وظرف زمان عند الرياشي وهو كذلك عنده أيضاً وظرف مكان عند المبرد وهو ظاهر كلام سيبويه ومختار أبي حيان والعامل فيها هنا { أَلْقَوْاْ } عند أبي البقاء . ورد بأن الفاء تمنع من العمل ، وفي «البحر » إنما هي معمولة لخبر المبتدأ الذي هو { حبالهم وَعِصِيَّهُمْ } إن لم يجعلها هي في موضع الخبر بل جعلنا الخبر جملة { يُخَيَّلُ } وإذا جعلناها في موضع الخبر وجعلنا الجملة في موضع الحال فالأمر واضح . وهذا نظير خرجت فإذا الأسد رابض ورابضاً . ولصحة وقوعها خبراً يكتفي بها وبالمرفوع بعدها كلاماً فيقال : خرجت فإذا الأسد . ونص الأخفش في الأوسط على أنها قد يليها جملة فعلية مصحوبة بقد فيقال : خرجت فإذا قد ضرب زيد عمراً ، وفي «الكشاف » التحقيق فيها أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصباً لها وجملة تضاف إليها خصت في بعض المواضع بأن يكون ناصبها فعلاً مخصوصاً وهو فعل المفاجأة ، والجملة ابتدائية لا غير فتقدير الآية ففاجأ موسى وقت تخيل سعى حبالهم وعصيهم وهذا تمثيل ، والمعنى على مفاجأة حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي انتهى ، وفيه من المخالفة لما قدمنا ما فيه لكن أمر العطف عليه أوفق كما لا يخفى ، وعنى بقوله : هذا تمثيل أنه تصوير للإعراب وأن إذا وقتية أوقع عليها فعل المفاجأة توسعاً لأنها سدت مسد الفعل والمفعول ولأن مفاجأة الوقت يتضمن مفاجأة ما فيه بوجه أبلغ ، وما قيل : إنه أراد الاستعارة التمثيلية فيحتاج إلى تكلف لتحصيلها .
وضمير { إِلَيْهِ } الظاهر أنه لموسى عليه السلام بل هو كالمتعين ، وقيل : لفرعون وليس بشيء ، وأن وما في حيزها نائب فاعل { يُخَيَّلُ } أي يخيل إليه بسبب سحرهم سعيها وكأن ذلك من باب السيمياء وهي علم يقتدر به على إراء الصورة الذهنية لكن يشترط غالباً أن يكون لها مادة في الخارج في الجملة ويكون ذلك على ما ذكره الشيخ محمد عمر البغدادي في حاشيته على رسالة الشيخ عبد الغني النابلسي في وحدة الوجود بواسطة أسماء وغيرها .
وذكر العلامة البيضاوي في بعض رسائله أن علم السيمياء حاصله إحداث مثالات خيالية لا وجود لها في الحس ويطلق على إيجاد تلك المثالات بصورها في الحس وتكون صوراً في جوهر الهواء وهي سريعة الزوال بسبب سرعة تغير جوهره ولفظ سيمياء معرب شيم يه ومعناه اسم الله تعالى انتهى . وما ذكره من سرعة الزوال لا يسلم كلياً وهو عندي بعض من علم السحر . وعرفه البيضاوي بأنه علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة بأسباب خفية ثم قال : والسحر منه حقيقي . ومنه غير حقيقي ؛ ويقال له : الأخذ بالعيون وسحرة فرعون أتوا بمجموع الأمرين انتهى ، والمشهور أن هؤلاء السحرة جعلوا في الحبال والعصي زئبقاً فلما أصابتها حرارة الشمس اضطربت واهتزت فخيل إليه عليه السلام أنها تتحرك وتمشي كشيء فيه حياة .
ويروى أنه عليه السلام رآها كأنها حيات وقد أخذت ميلاً في ميل ؛ وقيل : حفروا الأرض وجعلوا فيها ناراً ووضعوا فوقها تلك الحبال والعصي فلما أصابتها حرارة النار تحركت ومشت . وفي القلب من صحة كلا القولين شيء .
والظاهر أن التخيل من موسى عليه السلام قد حصل حقيقة بواسطة سحرهم ، وروي ذلك عن وهب .
وقيل : لم يحصل . والمراد من الآية أنه عليه السلام شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة له لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً وهو خلاف الظاهر جداً ، وقرأ الحسن وعيسى { *عصيهم } بضم العين وإسكان الصاد وتخفيف الياء مع الرفع وهو جمع كما في القراءة المشهور وقرأ الزهري . والحسن . وعيسى . وأبو حيوة . وقتادة . والجحدري . وروح . وابن ذكوان . وغيرهم { تخيل } بالتاء الفوقانية مبنياً للمفعول وفيه ضمير الحبال والعصي . و { سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى } بدل اشتمال من ذلك الضمير ولا يضر الإبدال منه في كونه رابطاً لكونه ليس ساقطاً من كل الوجوه .
وقرأ أبو السمال { تخيل } بفتح التاء أي تتخيل وفيه أيضاً ضمير ما ذكر و { سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى } بدل منه أيضاً ، وقال ابن عطية : هو مفعول من أجله ، وقال أبو القاسم بن حبارة الهذلي الأندلسي في كتاب الكامل : عن أبي السمال أنه قرئ { *تخيل } بالتاء من فوق المضمومة وكسر الياء والضمير فيه فاعل و { سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى } نصب على المفعول به . ونسب ابن عطية هذه القراءة إلى الحسن . وعيسى الثقفي ومن بني { تخيل } للمفعول فالمخيل لهم ذلك هو الله تعالى للمحنة والابتلاء .
وروي الحسن بن يمن عن أبي حيوة { مّن نَّخِيلٍ } بالنون وكسر الياء فالفاعل ضميره تعالى و { أَنَّهَا تسعى } مفعول به .