ثم إن فرعون لما شاهد منهم السجود والإقرار خاف أن يصير ذلك سببا لاقتداء سائر الناس بهم في الإيمان بالله تعالى وبرسوله ففي الحال ألقى شبهة أخرى في النبي فقال : { آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } وهذا الكلام مشتمل على شبهتين :
إحداهما : قوله : { آمنتم له قبل أن آذن لكم } وتقريره أن الاعتماد على الخاطر الأول غير جائز بل لا بد فيه من البحث والمناظرة والاستعانة بالخواطر ، فلما لم تفعلوا شيئا من ذلك بل في الحال : { آمنتم له } دل ذلك على أن إيمانكم ليس عن البصيرة بل عن سبب آخر . وثانيها : قوله : { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } يعني أنكم تلامذته في السحر فاصطلحتم على أن تظهروا العجز من أنفسكم ترويجا لأمره وتفخيما لشأنه ، ثم بعد إيراد الشبهة اشتغل بالتهديد تنفيرا لهم عن الإيمان وتنفيرا لغيرهم عن الاقتداء بهم في ذلك فقال : { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } قرئ لأقطعن ولأصلبن بالتخفيف . والقطع من خلاف أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى لأن كل واحد من العضوين خلاف الآخر ، فإن هذا يد وذاك رجل وهذا يمين وذاك شمال وقوله : { من خلاف } في محل النصب على الحال أي : لأقطعنها مختلفات لأنها إذا خالف بعضها بعضا فقد اتصفت بالاختلاف ثم قال : { ولأصلبنكم في جذوع النخل } فشبه تمكن المصلوب في الجذع يتمكن الشيء الموعي في وعائه فلذلك قال في جذوع النخل والذي يقال في المشهور أن في بمعنى على فضعيف ثم قال : { ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } أراد بقوله : { أينا } نفسه لعنه الله لأن قوله : { أينا } يشعر بأنه أراد نفسه وموسى عليه السلام بدليل قوله : { آمنتم له } وفيه تصالف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس بأنواع العذاب واستضعاف موسى عليه السلام مع الهزء به لأن موسى عليه السلام قط لم يكن من التعذيب في شيء ، فإن قيل : إن فرعون مع قرب عهد بمشاهدة انقلاب العصا حية بتلك العظمة التي شرحتموها وذكرتم أنها قصدت ابتلاع قصر فرعون وآل الأمر إلى أن استغاث بموسى عليه السلام من شر ذلك الثعبان فمع قرب عهده بذلك وعجزه عن دفعه كيف يعقل أن يهدد السحرة ويبالغ في وعيدهم إلى هذا الحد ويستهزئ بموسى عليه السلام في قوله : { أينا أشد عذابا وأبقى } قلنا لم لا يجوز أن يقال : إنه كان في أشد الخوف في قلبه إلا أنه كان يظهر تلك الجلادة والوقاحة تمشية لناموسه وترويجا لأمره ، ومن استقرى أحوال أهل العالم علم أن العاجز قد يفعل أمثال هذه الأشياء ، ومما يدل على صحة ذلك أن كل عاقل يعلم بالضرورة أن عذاب الله أشد من عذاب البشر ، ثم إنه أنكر ذلك ، وأيضا فقد كان عالما بكذبه في قوله : { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } لأنه علم أن موسى عليه السلام ما خالطهم ألبتة وما لقيهم وكان يعرف من سحرته أن أستاذ كل واحد من هو وكيف حصل ذلك العلم ، ثم إنه مع ذلك كان يقول هذه الأشياء فثبت أن سبيله في كل ذلك ما ذكرناه وقال ابن عباس رضي الله عنهما : «كانوا في أول النهار سحرة ، وفي آخره شهداء » .
{ قَالَ } أي فرعون للسحرة { ءامَنتُمْ لَهُ } أي لموسى كما هو الظاهر . والإيمان في الأصل متعد بنفسه ثم شاع تعديه بالباء لما فيه من التصديق حتى صار حقيقة . وإنما عدى هنا باللام لتضمينه معنى الانقياد وهو يعدي بها يقال . انقاد له لا الاتباع كما قيل : لأنه متعد بنفسه يقال : اتبعه ولا يقال : اتبع له ، وفي «البحر » إن آمن يوصل بالباء إذا كان متعلقه الله عز اسمه وباللام إن كان متعلقه غيره تعالى في الأكثر نحو { يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ التوبة : 61 ] . { فما آمن لموسى } [ يونس : 83 ] الخ . { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } [ البقرة : 55 ] { وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } [ يوسف : 17 ] { فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } [ العنكبوت : 26 ] ، وجوز أن تكون اللام تعليلية والتقدير آمنتم بالله تعالى لأجل موسى وما شاهدتم منه ، واختاره بعضهم ولا تفكيك فيه كما توهم ، وقيل : يحتمل أن يكون ضمير { لَهُ } للرب عز وجل ، وفي الآية حينئذٍ تفكيك ظاهر .
وقرأ الأكثر { أَءمِنتُمْ } على الاستفهام التوبيخي . والتوبيخ هو المراد من الجملة على القراءة الأولى أيضاً لا فائدة الخبر أو لازمها { قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ } أي من غير إذني لكم في الإيمان كما في قوله تعالى : { لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى } [ الكهف : 109 ] لا أن إذنه لهم في ذلك واقع بعد أو متوقع ، وفرق الطبرسي بين الإذن والأمر بأن الأمر يدل على إرادة الآمر الفعل المأمور به وليس في الإذن ذلك { أَنَّهُ } يعني موسى عليه السلام { لَكَبِيرُكُمُ } لعظيمكم في فنكم وأعلمكم به وأستاذكم { الذى عَلَّمَكُمُ السحر } كأن اللعين وبخهم أولاً على إيمانهم له عليه السلام من غير إذنه لهم ليرى قومه أن إيمانهم غير معتد به حيث كان بغير إذنه . ثم استشعر أن يقولوا : أي حاجة إلى الإذن بعد أن صنعنا ما صنعنا وصدر منه عليه السلام ما صدر فأجاب عن ذلك بقوله : { أَنَّهُ } الخ أي ذلك غير معتد به أيضاً لأنه أستاذكم في السحر فتواطأتم معه على ما وقع أو علمكم شيئاً دون شيء فلذلك غلبكم فالجملة تعليل لمحذوف ، وقيل : هي تعليل للمذكور قبل . وبالجملة قال ذلك لما اعتراه من الخوف من اقتداء الناس بالسحرة في الإيمان لموسى عليه السلام ثم أقبل عليهم بالوعيد المؤكد حيث قال : { فَلأقَطّعَنَّ } أي إذا كان الأمر كذلك فاقسم لأقطعن { أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ } أي اليد اليمنى والرجل اليسرى وعليه عامة المفسرين وهو تخصيص من خارج وإلا فيحتمل أن يراد غير ذلك . و { مِنْ } ابتدائية .
وقال الطبرسي : بمعنى عن أو على وليس بشيء . والمراد من الخلاف الجانب المخالف أو الجهة المخالفة . والجار والمجرور حسبما يظهر متعلق باقطعن ، وقيل : متعلق بمحذوف وقع صفة مصدر محذوف أي تقطيعه مبتدأ من جانب مخالف أو من جهة مخالفة وابتداء التقطيع من ذلك ظاهر ، ويجوز أن يبقى الخلاف على حقيقته أعني المخالفة وجعله مبتدأ على التجوز فإنه عارض ما هو مبدأ حقيقة ، وجعل بعضهم الجار والمجرور في حيز النصب على الحالية ، والمراد لأقطعنها مختلفات فتأمل ، وتعيين هذه الكيفية قيل للإيذان بتحقيق الأمر وإيقاعه لا محالة بتعيين كيفيته المعهودة في باب السياسة .
ولعل اختيارها فيها دون القطع من وفاق لأن فيه إهلاكاً وتفويتاً للمنفعة ، وزعم بعضهم أنها أفظع { وَلأصَلّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل } أي عليها . وإيثار كلمة في للدلالة على إبقائهم عليها زماناً مديداً تشبيهاً لاستمرارهم عليها باستقرار الظرف في المظروف المشتمل عليه . وعلى ذلك قوله :
وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة *** فلا عطست شيبان إلا باجدعا
وفيه استعارة تبعية . والكلام في ذلك شهير . وقيل : لا استعارة أصلاً لأن فرعون نقر جذوع النخل وصلبهم في داخلها ليموتوا جوعاً وعطشاً ولا يكاد يصح بل في أصل الصلب كلام . فقال بعضهم : إنه أنفذ فيهم وعيده وصلبهم وهو أول من صلب . ولا ينافيه قوله تعالى : { أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون } [ القصص : 35 ] لأن المراد الغلبة بالحجة . وقال الإمام : لم يثبت ذلك في الأخبار . وأنت تعلم أن الظاهر السلامة . وصيغة التفعيل في الفعلين للتكثير . وقرئ بالتخفيف فيهما .
{ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى } يريد من ن نفسه وموسى عليه السلام بقرينة تقدم ذكره في قوله تعالى : { ءامَنتُمْ لَهُ } بناءً على الظاهر فيه . واختار ذلك الطبري . وجماعة . وهذا إما لقصد توضيع موسى عليه السلام والهزء به لأنه عليه السلام لم يكن من التعذيب في شيء ، وإما لأن إيمانهم لم يكن بزعمه عن مشاهدة المعجزة ومعاينة البرهان بل كان عن خوف من قبله عليه السلام حيث رأوا ابتلاع عصاه لحبالهم وعصيهم فخافوا على أنفسهم أيضاً ، واختار أبو حيان أن المراد من الغير الذي أشار إليه الضمير رب موسى عز وجل الذي آمنوا به بقولهم : { امَنَّا بِرَبّ هارون وموسى } [ طه : 70 ] . { وَلَتَعْلَمُنَّ } هنا معلق و { أينا أَشَدَّ } جملة استفهامية من مبتدأ وخبر في موضع نصب سادة مسد مفعوليه إن كان العلم على بابه أو في موضع مفعول واحد له إن كان بمعنى المعرفة . ويجوز على هذا الوجه أن يكون { أَيُّنَا } مفعولاً وهو مبني على رأي سيبويه و { أَشَدَّ } خبر مبتدأ محذوف أي هو أشد . والجملة صلة أي والعائد الصدر ، و { عَذَاباً } تمييز . وقد استغنى بذكره مع { أَشَدَّ } عن ذكره مع { أبقى } وهو مراد أيضاً . واشتقاق أبقى من البقاء بمعنى الدوام . وقيل : لا يبعد والله تعالى أعلم أن يكون من البقاء بمعنى العطاء فإن اللعين كان يعطي لمن يرضاه العطايا فيكون للآية شبه بقول نمروذ { أَنَا أُحْي وَأُمِيتُ } [ البقرة : 258 ] وهو في غاية البعد عند من له ذوق سليم . ثم لا يخفى أن اللعين في غاية الوقاحة ونهاية الجلادة حيث أوعد وهدد وأبرق وأرعد مع قرب عهده بما شاهد من انقلاب العصا حية وما لها من الآثار الهائلة حتى أنها قصدت ابتلاع قبته فاستغاث بموسى عليه السلام ولا يبعد نحو ذلك من فاجر طاغ مثله .