فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ} (66)

{ قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ( 66 ) فأوجس في نفسه خيفة موسى ( 67 ) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ( 68 ) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ( 69 ) فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى ( 70 ) قال أمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ( 71 ) } .

وعلم موسى اختيار إلقائهم أولا حتى { قال } لهم { بل ألقوا } أنتم أولا ، وإنما أمرهم بذلك لتكون معجزته أظهر إذا ألقوا ما معهم فيصير آية نيرة للناظرين وعبرة للمعتبرين ، ثم يلقي هو عصاه فتبتلع ذلك ويظهر سلطانه . وقيل : إنما بتّ عليه السلام لهم القول مقابلة للأدب بأحسن من أدبهم ، وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم .

فألقوا { فإذا حبالهم } الفاء فصيحة ، يقال إذا هذه هي المفاجئة ، والتحقيق أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت للطالبة ناصبا لها ، وقد يكون ناصبها فعلا مخصوصا وهو فعل المفاجأة { وعصيهم } بكسر العين إتباعا لكسرة الصاد ، وقرئ بضمها وهي لغة بني تميم .

{ يخيل إليه من سحرهم } بالتحتية على البناء للمفعول ، وقرئ تخيل بالفوقية لأن العصي والحبال مؤنثة ، وقرئ نخيل بالنون على أن الله سبحانه هو المخيل لذلك ، وقرئ بالتحتية مبنيا للفاعل على أن المخيل هو الكيد .

وقيل المخيل هو { أنها تسعى } أي يخيل إليه سعيها ، ذكر معناه الزجاج ، وقال ومن قرأ بالفوقية جعل أن في موضع نصب ، أي تخيل إليه ذات سعي . يقال خيل إليه إذا شبه له ، وأدخل عليه التهمة والشبهة ، وذلك أنهم لطخوها وطلوها بالزئبق فلما أصابها حر الشمس ارتعشت واهتزت واضطربت ، فخيل إليه أنها تتحرك .