مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا} (4)

قوله تعالى : { وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } .

اعلم أنه سبحانه تكلم أولا في التوحيد ، وثانيا في الرد على عبدة الأوثان ، وثالثا في هذه الآية تكلم في مسألة النبوة ، وحكى سبحانه شبههم في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الشبهة الأولى : قولهم : { إن هذا إلا إفك افتراه } وأعانه عليه قوم آخرون ، ونظيره قوله تعالى : { إنما يعلمه بشر } واعلم أنه يحتمل أن يريدوا به أنه كذب في نفسه ، ويحتمل أن يريدوا به أنه كذب في إضافته إلى الله تعالى ، ثم ههنا بحثان :

الأول : قال أبو مسلم : الافتراء افتعال من فريت ، وقد يقال في تقدير الأديم فريت الأديم ، فإذا أريد قطع الإفساد قيل أفريت وافتريت وخلقت واختلقت ، ويقال فيمن شتم امرأ بما ليس فيه افترى عليه .

البحث الثاني : قال الكلبي ومقاتل : نزلت في النضر بن الحارث ، فهو الذي قال هذا القول { وأعانه عليه قوم آخرون } يعني عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار غلام عامر بن الحضرمي ، وجبر مولى عامر ، وهؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب ، وكانوا يقرأون التوراة ويحدثون أحاديث منها فلما أسلموا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهدهم ، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال . واعلم أن الله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : { فقد جاءوا ظلما وزورا } وفيه أبحاث :

الأول : أن هذا القدر إنما يكفي جوابا عن الشبهة المذكورة ، لأنه قد علم كل عاقل أنه عليه السلام تحداهم بالقرآن وهم النهاية في الفصاحة ، وقد بلغوا في الحرص على إبطال أمره كل غاية ، حتى أخرجهم ذلك إلى ما وصفوه به في هذه الآيات ، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا ، ولكان ذلك أقرب إلى أن يبلغوا مرادهم فيه مما أوردوه في هذه الآية وغيرها ، ولو استعان محمد عليه السلام في ذلك بغيره لأمكنهم أيضا أن يستعينوا بغيرهم ، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم كأولئك المنكرين في معرفة اللغة وفي المكنة من الاستعانة ، فلما لم يفعلوا ذلك والحالة هذه علم أن القرآن قد بلغ النهاية في الفصاحة وانتهى إلى حد الإعجاز ، ولما تقدمت هذه الدلالة مرات وكرات في القرآن وظهر بسببها سقوط هذا السؤال ، ظهر أن إعادة هذا السؤال بعد تقدم هذه الأدلة الواضحة لا يكون إلا للتمادي في الجهل والعناد ، فلذلك اكتفى الله في الجواب بقوله : { فقد جاءوا ظلما وزورا } .

البحث الثاني : قال الكسائي : قوله تعالى : { فقد جاءوا ظلما وزورا } أي أتوا ظلما وكذبا وهو كقوله : { لقد جئتم شيئا إدا } فانتصب بوقوع المجيء عليه ، وقال الزجاج : انتصب بنزع الخافض ، أي جاءوا بالظلم والزور .

البحث الثالث : أن الله تعالى وصف كلامهم بأنه ظلم وبأنه زور ، أما أنه ظلم فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ عنه ، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه وذلك هو الظلم ، وأما الزور فلأنهم كذبوا فيه ، وقال أبو مسلم : الظلم تكذيبهم الرسول والرد عليه ، والزور كذبهم عليهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا} (4)

{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ } القائلون كما أخرجه جمع عن قتادة هم مشركو العرب لا جميع الكفار بقرينة ادعاء إعانة بعض أهل الكتاب له صلى الله عليه وسلم وقد سمى منهم في بعض الروايات النضر بن الحرث . وعبد الله بن أمية . ونوفل بن خويلد ، ويجوز أن يراد غلاتهم كهؤلاء ومن ضامهم ، وروى عن ابن عباس ما يؤيده ، وروى عن الكلبي . ومقاتل أن القائل هو النضر والجمع لمشايعة الباقين له في ذلك ، ومن خص ضمير { اتخذوا } [ الفرقان : 3 ] بمشركي العرب وجعل الموصول هنا عبارة عنهم كلهم جعل وضع الموصول موضع ضميرهم لذمّهم بما في حيز الصلة والإيذان بأ ما تفوهوا به كفر عظيم ، وفي كلمة { هذا } حط لرتبة المشار إليه أي قالوا ما هذا إلا كذب مصروف عن وجهه { افتراه } يريدون أنه اهترعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل عليه عليه الصلاة والسلام { وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ } أي على افترائه واختراعه أو على الإفك { قَوْمٌ ءاخَرُونَ } يعنون اليهود بأن يلقوا إليه صلى الله عليه وسلم أخبار الأمم الدارجة وهو عليه الصلاة والسلام يعبر عنها بعبارته ، وقيل : هم عداس ، وقيل : عائش مولى حويطب بن عبد العزى . ويسار مولى العلاء بن الحضرمي . وجبر مولى عامر وكانوا كتابيين يقرؤن التوراة أسلموا وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعهدهم فقيل ما قيل ، وقال المبرد : عنوا بقوم آخرين المؤمنين لأن آخر لا يكون إلا من جنس الأول ، وفيه أن الاشتراك في الوصف غير لازم ألا ترى قوله تعالى : { فِئَةٌ تقاتل فِى سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ } [ آل عمران : 13 ] { فَقَدْ جَاءوا } أي الذين كفروا كما هو الظاهر { ظُلْماً } منصوب بجاءوا فإن جاء وأتى يستعملان ف يمعنى فعل فيتعديان تعديته كما قال الكسائي ، واختار هذا الوجه الطبرسي وأنشد قول طرفة

: على غير ذنب جئته غير أنني *** نشدت فلم أغفل حمولة معبد

وقال الزجاج : منصوب بنزع الخافض فهو من باب الحذف والإيصال ، وجوز أبو البقاء كونه حالاً أي ظالمين ، والأول أولى ، والتنوين فيه للتفخيم أي جاؤا بما قالوا ظلماً هائلاً عظيماً لا يقادر قدره حيث جعلوا الحق البحت الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إفكاً مفتري من قبل البشر وهو من جهة نظمه الرائق وطرازه الفائق بحيث لو اجتمعت الإنس والجن على مباراته لعجزوا عن الإتيان بمثل آية من آياته ومن جهة اشتماله على الحكم الخفية والأحكام المستتبعة للسعادات الدينية والدنيوية والأمور الغيبية بحيث لا تناول عقول البشر ولا تحيط بفهمه القوى والقدر ، وكذا التنوين في { وَزُوراً } أي وكذباً عظيماً لا يبلغ غايته حيث قالوا ما لا احتمال فيه للصدق أصلاً ، وسمي الكذب زوراً لا زوراره أي ميله عن جهة الحق والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنهما أمران متغايران حقيقة يقع أحدهماعقيب الآخر أو يحصل بسببه بل على أن الثاني عين الأول حقيقة وإنما الترتيب بحسب التغاير الاعتباري ، وقد لتحقيق ذلك المعنى فإن ما جاءه من الظلم والزور هو عين ما حكى عنهم لكنه لما كان مغايراً له في المفهوم وأظهر منه بطلاناً رتب عليه بالفاء رتيب اللازم على الملزوم تهويلاً لأمره كما قاله شيخ الإسلام ، وقيل : ضمير { *جاؤا } عائد على قوم آخرين ، والجملة من مقول الكفار وأرادوا أن أولئك المعينين جاءوا ظلماً بإعانتهم وزوراً بما أعانوا به وهو كما ترى .