مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (84)

قوله تعالى : { من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزي الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين ، وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين ، ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون } .

اعلم أنه تعالى لما بين أن الدار الآخرة ليست لمن يريد علوا في الأرض ولا فسادا ، بل هي للمتقين بين بعد ذلك ما يحصل لهم فقال : { من جاء بالحسنة فله خير منها } وفيه وجوه أحدهما : المعنى من جاء بالحسنة حصل له من تلك الكلمة خير وثانيها : حصل له شيء هو أفضل من تلك الحسنة ، ومعناه أنهم يزادون على ثوابهم وقد مر تفسيره في آخر النمل ، وأما قوله : { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون } فظاهره أن لا يزادوا على ما يستحقون . وإذا صح ذلك في السيئات دل أن المراد في الحسنات بما هو خير منها ما ذكرناه من مزيد الفضل على الثواب ، قال صاحب «الكشاف » تقدير الآية : ومن جاء بالسيئة فلا يجزون إلا ما كانوا يعملون ، لكنه كرر ذلك لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكررا فضل تهجين لحالهم وزيادة تبغيض للسيئة إلى قلوب السامعين ، وهذا من فضله العظيم أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها ، ويجزي بالحسنة عشر أمثالها ، وههنا سؤالان :

السؤال الأول : قال تعالى : { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها } كرر ذلك الإحسان واكتفى بذكر الإساءة بمرة واحدة ، وفي هذه الآية كرر ذكر الإساءة مرتين واكتفى في ذكر الإحسان بمرة واحدة ، فما السبب ؟ الجواب : لأن هذا المقام مقام الترغيب في الدار الآخرة ، فكانت المبالغة في الزجر عن المعصية لائقة بهذا الباب ، لأن المبالغة في الزجر عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة . وأما الآية الأخرى فهي شرح حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى .

السؤال الثاني : كيف قال : لا تجزي السيئة إلا بمثلها ؟ مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد الآباد والجواب : لأنه كان على عزم أنه لو عاش أبدا لقال ذلك فعومل بمقتضى عزمه . قال الجبائي : وهذا يدل على بطلان مذهب من يجوز على الله تعالى أن يعذب الأطفال عذابا دائما بغير جرم ، قلنا لا يجوز أن يفعله وليس في الآية ما يدل عليه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (84)

{ مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ } بمقابلتها { خَيْرٌ مّنْهَا } ذاتاً ووصفاً وقدراً على ما قيل ، وجوز كون { خَيْرٌ } واحد الخيور وليس بأفعل التفضيل و { مِنْ } سببية أي فله خير بسبب فعلها وهو خلاف الظاهر ، وقد تقدم الكلام في ذلك { وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يَجْزِى الذين عَمِلُواْ السيئات } وضع فيه الموصول والظاهر موضع الضمير لتهجين حال المسيئين بتكرير إسناد السيئة إليهم ، وفي جمع السيئات دون الحسنة قيل إشارة إلى قلة المحسنين وكثرة المسيئين ، وقد يقال : إنه إشارة إلى أن ضم السيئة إلى السيئة لا يزيد جزاءها بل جزائها إذا انفردت مثل جزائها إذا انضم إليها غيرها وأن عدم ضم الحسنة إلى الحسنة لا يؤثر في مقابلتها بما هو خير منها ، ولعل قلة المحسنين يفهم من عدم اعتبار الجمعية في { مِنْ } في قوله تعالى : { مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } وكثرة المسيئين تفهم من اعتبار الجمعية فيها إذ الموصول قائم مقام ضميرها في قوله تعالى : { وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يَجْزِى الذين عَمِلُواْ السيئات } { إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي إلا مثل ما كانوا يعملون فحذف المثل وأقيم مقامه ما كانوا يعملون مبالغة في المماقلة ، وهذا لطف منه عز وجل إذ ضاعف الحسنة ولم يرض بزيادة جزاء السيئة مقدار ذرة ، وقيل : لا حاجة إلى اعتبار المضاف فإن أعمالهم أنفسها تظهر يوم القيامة في صورة ما يعذبون به ، ولا يخفى ما فيه ، وفي ذكر عملوا ثانياً دون جاؤوا إشارة إلى أن ما يجزون عليه ما كان عن قصد لأن العمل يخصه كما قال الراغب ، وفي التفسير الكبير للإمام الرازي في أثناء الكلام على تفسير قوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أصحاب الكهف والرقيم } [ الكهف : 9 ] الآية أن في التعبير بجاء دون عمل بأن يقال : من عمل الحسنة فله خير منها ومن عمل السيئة الخ دلالة على أن استحقاق الثواب أي والعقاب مستفاد من الخاتمة لا من أول العمل ، ويؤكد ذلك أنه لو مضي عمره في الكفر ثم أسلم في آخر الأمر كان من أهل الثواب وبالضد ، ولا يخلو عن حسن ، ولعل نكتة التعبير بعملوا ثانياً تتأتى عليه أيضاً .

وفي قوله تعالى : { فَلا يَجْزِى } الخ دون فللذين عملوا السيئات ما كانوا يعملون أو فما للذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون إشارة إلى أنه قد يحصل العفو عن العقاب ، ولله تعالى در التنزيل ما أكثر أسراره ، واستشكل ما تدل عليه الآية من أن جزاء السيئة مثلها بأن من كفر فمات على الكفر يعذب عذاب الأبد ، وأين هو من كفر ساعة ؟ وأجيب بأن أمر المماثلة مجهول لنا لاسيما على القول بنفي الحسن والقبح العقليين للأفعال ، وقصارى ما نعلم أن الله تعالى جعل لكل ذنب جزاء أخبر عز وجل أنه مماثل له ، وقد أخبر سبحانه أن جزاء الكفر عذاب الأبد فنؤمن به وبأنه مما تقتضيه الحكمة وما علينا إذا لم نعلم جهة المماثلة ووجه الحكمة فيه ، وكذا يقال في الذنوب التي شرع الله تعالى لها حدوداً في الدنيا كالزنا وشرب الخمر وقذف المصون وحدودها التي شرعها جل شأنه لها فإنا لا نعلم وجه تخصيص كل ذنب منها بحد مخصوص من تلك الحدود المختلفة لكنا نجزم بأن ذلك لا يخلو عن الحكمة ، وأجاب الإمام عن مسألة الكفر وعذاب الأبد بأن ذلك لأن الكافر كان عازماً أنه لو عاش إلا الأبد لبقي على ذلك الكفر ، وقيل : في وجه تعذيب الكافر أبد الآباد إن جزاء المعصية يتفاوت حسبل تفاوت عظمة المعصى فكلما كان المعصى أعظم كان الجزاء أعظم ، فحيث كان الكفر معصية من لا تتناهي عظمته جل شأنه كان جزاؤه غير متناه ، وقياس ذلك أن يكون جزاء كل معصية كذلك إلا أنه لم يكن كذلك فيما عدا الكفر فضلاً منه تعالى شأنه لمكان الإيمان ، وقيل أيضاً : إن كل كفر قولاً كان أو فعلا يعود إلى نسبة النقص إليه عز وجل المانفي لوجوب الوجود المقتضى لوجوده سبحانه أزلا وأبداً وإذا توهم هناك زمان ممتد كان غير متناه فحيث كان الكفر مستلزماً نفي وجوده تعالى شأنه فيما لا يتناهى كان جزاؤه غير متناه ولا كذلك سائر المعاصي فتدبر .