نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (84)

ولما تحرر الفرق بين أهل الدارين ، وكان لا بد من إتيان الآخرة ، وعلم أن الآخرة إنما هي جزاء الأعمال ، وتقرر من كونها للخائفين أنها على الآمنين ، فاستؤنف تفصيل ذلك جواباً لمن كأنه قال : ما لمن أحسن ومن أساء عند القدوم ؟ بقوله : { من جاء } أي في الآخرة أو الدنيا { بالحسنة } أي الحالة الصالحة { فله } من فضل الله { خير منها } من عشرة أضعاف إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما لا يحيط به إلا الله تعالى { ومن جاء بالسيئة } وهي ما نهى الله عنه ، ومنه إخافة المؤمنين { فلا يجزى } من جاز ما ، وأظهر ما في هذا الفعل من الضمير العائد على من فقال : { الذين عملوا السيئات } تصويراً لحالهم تقبيحاً لها وتنفيراً من عملها ، ولعله جمع هنا وأفرد أولاً إشارة إلى أن المسيء أكثر { إلا } مثله سواء عدلاً منه تعالى ، هكذا كان الأصل ، ولكنه قال : { ما كانوا } أي بجميع هممهم { يعملون* } مبالغة في المثلية ، هذا في الآخرة ، وزادت الآية الإشارة إلى أنه يفعل في الدنيا مثل ذلك وإن خفي ، فسيخافون في حرمهم بما أخافوا المؤمنين فيه وقد جعله الله للأمن ، فاعتلوا عن الدخول في دينه بخوف التخطف من أرضهم ، فسيصير عدم دخولهم فيه سبباً لخوفهم وتخطفهم من أرضهم فيعلمون أن ما كانوا فيه من الأمن إنما هو بسببك ، ثم يصيرون يوم الفتح في قبضتك .