ثم قال تعالى : { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون }
لما بين الله تعالى عظمته في الابتداء بقوله : { ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } وعظمته في الانتهاء ، وهو حين تقوم الساعة ويفترق الناس فريقين ، ويحكم على البعض بأن هؤلاء للجنة ولا أبالي ، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي ، أمر بتنزيهه عن كل سوء ويحمده على كل حال فقال : { فسبحان الله } أي سبحوا الله تسبيحا ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في معنى سبحان الله ولفظه ، أما لفظه ففعلان اسم للمصدر الذي هو التسبيح ، سمي التسبيح بسبحان وجعل علما له . وأما المعنى فقال بعض المفسرين : المراد منه الصلاة ، أي صلوا ، وذكروا أنه أشار إلى الصلوات الخمس ، وقال بعضهم أراد به التنزيه ، أي نزهوه عن صفات النقص وصفوه بصفات الكمال ، وهذا أقوى والمصير إليه أولى ، لأنه يتضمن الأول وذلك لأن التنزيه المأمور به يتناول التنزيه بالقلب ، وهو الاعتقاد الجازم وباللسان مع ذلك ، وهو الذكر الحسن وبالأركان معهما جميعا وهو العمل الصالح ، والأول هو الأصل ، والثاني ثمرة الأول والثالث ثمرة الثاني ، وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد شيئا ظهر من قلبه على لسانه ، وإذا قال ظهر صدقه في مقاله من أحواله وأفعاله ، واللسان ترجمان الجنان والأركان برهان اللسان ، لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان ، وهي مشتملة على الذكر باللسان والقصد بالجنان ، وهو تنزيه في التحقيق ، فإذا قال نزهوني ، وهذا نوع من أنواع التنزيه ، والأمر المطلق لا يختص بنوع دون نوع فيجب حمله على كل ما هو تنزيه فيكون أيضا هذا أمرا بالصلاة ، ثم إن قولنا يناسب ما تقدم ، وذلك لأن الله تعالى لما بين أن المقام الأعلى والجزاء الأوفى لمن آمن وعمل الصالحات حيث قال : { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون } قال : إذا علمتم أن ذلك المقام لمن آمن وعمل الصالحات والإيمان تنزيه بالجنان وتوحيد باللسان والعمل الصالح استعمال الأركان والكل تنزيهات وتحميدات ، فسبحان الله أي فأتوا بذلك الذي هو الموصل إلى الحبور في الرياض ، والحضور على الحياض .
المسألة الثانية : خص بعض الأوقات بالأمر بالتسبيح وذلك لأن أفضل الأعمال أدومها ، لكن أفضل الملائكة ملازمون للتسبيح على الدوام كما قال تعالى : { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } والإنسان ما دام في الدنيا لا يمكنه أن يصرف جميع أوقاته إلى التسبيح ، لكونه محتاجا إلى أكل وشرب وتحصيل مأكول ومشروب وملبوس ومركوب فأشار الله تعالى إلى أوقات إذا أتى العبد بتسبيح الله فيها يكون كأنه لم يفتر وهي الأول والآخر والوسط أول النهار وآخره ووسطه فأمر بالتسبيح في أول الليل ووسطه ، ولم يأمر بالتسبيح في آخر الليل لأن النوم فيه غالب والله من على عباده بالاستراحة بالنوم ، كما قال :
{ ومن آياته منامكم بالليل } فإذا صلى في أول النهار تسبيحتين وهما ركعتان حسب له صرف ساعتين إلى التسبيح ، ثم إذا صلى أربع ركعات وقت الظهر حسب له صرف أربع ساعات أخر فصارت ست ساعات ، وإذا صلى أربعا في أواخر النهار وهو العصر حسب له أربع أخرى فصارت عشر ساعات ، فإذا صلى المغرب والعشاء سبع ركعات أخر حصل له صرف سبع عشرة ساعة إلى التسبيح وبقي من الليل والنهار سبع ساعات وهي ما بين نصف الليل وثلثيه لأن ثلثيه ثمان ساعات ونصفه ست ساعات وما بينهما السبع ، وهذا القدر لو نام الإنسان فيه لكان كثيرا وإليه أشار تعالى بقوله : { قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه } وزيادة القليل على النصف هي ساعة فيصير سبع ساعات مصروفة إلى النوم والنائم مرفوع عنه القلم ، فيقول الله عبدي صرف جميع أوقات تكليفه في تسبيحي فلم يبق لكم أيها الملائكة عليهم المزية التي ادعيتم بقولكم : { نحن نسبح بحمدك ونقدس لك } على سبيل الانحصار بل هم مثلكم فمقامهم مثل مقامكم في أعلى عليين ، واعلم أن في وضع الصلاة في أوقاتها وعدد ركعاتها واختلاف هيئاتها حكمة بالغة ، أما في عدد الركعات فما تقدم من كون الإنسان يقظان في سبع عشرة ساعة ففرض عليه سبع عشرة ركعة ، وأما على مذهب أبي حنيفة حيث قال بوجوب الوتر ثلاث ركعات وهو أقرب للتقوى ، فنقول هو مأخوذ من أن الإنسان ينبغي أن يقلل نومه فلا ينام إلا ثلث الليل مأخوذا من قوله تعالى : { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه } ويفهم من هذا أن قيام ثلثي الليل مستحسن مستحب مؤكد باستحباب ولهذا قال عقيبه : { علم أن لن تحصوه فتاب عليكم } ذكر بلفظ التوبة ، وإذا كان كذلك يكون الإنسان يقظان في عشرين ساعة فأمر بعشرين ركعة ، وأما النبي عليه السلام فلما كان من شأنه أن لا ينام أصلا كما قال : «تنام عيناي ولا ينام قلبي » جعل له كل الليل كالنهار فزيد له التهجد فأمر به ، وإلى هذا أشار تعالى في قوله : { ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا } أي كل الليل لك للتسبيح فصار هو في أربع وعشرين ساعة مسبحا ، فصار من الذين لا يفترون طرفة عين ، وأما في أوقاته فما تقدم أيضا أن الأول والآخر والوسط هو المعتبر فشرع التسبيح في أول النهار وآخره ، وأما الليل فاعتبر أوله ووسطه كما اعتبر أول النهار ووسطه ، وذلك لأن الظهر وقته نصف النهار والعشاء وقته نصف الليل لأنا بينا أن الليل المعتبر هو المقدار الذي يكون الإنسان فيه يقظان وهو مقدار خمس ساعات فجعل وقته في نصف هذا القدر وهو الثلاثة من الليل ، وأما أبو حنيفة لما رأى وجوب الوتر كان زمان النوم عنده أربع ساعات وزمان اليقظة بالليل ثمان ساعات وأخر وقت العشاء الآخرة إلى الرابعة والخامسة ، ليكون في وسط الليل المعتبر ، كما أن الظهر في وسط النهار ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم لما كان ليله نهارا ونومه انتباها قال :
« لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وتأخير العشاء إلى نصف الليل » ليكون الأربع في نصف الليل كما أن الأربع في نصف النهار ، وأما التفصيل فالذي يتبين لي أن النهار اثنتا عشرة ساعة زمانية والصلاة المؤداة فيها عشر ركعات فيبقى على المكلف ركعتان يؤديهما في أول الليل ويؤدي ركعة من صلاة الليل ليكون ابتداء الليل بالتسبيح كما كان ابتداء النهار بالتسبيح ، ولما كان المؤدى من تسبيح النهار في أوله ركعتين كان المؤدى من تسبيح الليل في أوله ركعة لأن سبح النهار طويل مثل ضعف سبح الليل ، لأن المؤدى في النهار عشرة والمؤدى في الليل من تسبيح الليل خمس .
المسألة الثانية : في فضيلة السبحلة والحمدلة في المساء والصباح ، ولنذكرها من حيث النقل والعقل ، أما النقل فأخبرني الشيخ الورع الحافظ الأستاذ عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بحلب مسندا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبعض أصحابه : «أتعجز عن أن تأتي وقت النوم بألف حسنة ؟ فتوقف فقال النبي عليه السلام : قل سبحان الله والحمد لله والله أكبر مائة مرة يكتب لك بها ألف حسنة » وسمعته يقول رحمه الله مسندا « من قال خلف كل صلاة مكتوبة عشر مرات سبحان الله وعشر مرات الله أكبر أدخل الجنة » وأما العقل فهو أن الله تعالى له صفات لازمة لا من فعله وصفات ثابتة له من فعله ، أما الأولى فهي صفات كمال وجلال خلافها نقص ، فإذا أدرك المكلف الله بأنه لا يجوز أن يخفي عليه شيء لكونه عالما بكل شيء فقد نزهه عن الجهل ووصفه بضده ، وإذا عرفه بأنه لا يعجز عن شيء لكونه قادرا على كل شيء فقد نزهه عن العجز ، وإذا علم أنه لا يجري في ملكه إلا ما يشاء لكونه مريدا لكل كائن فقد وصفه ونزهه ، وإذا ظهر له أنه لا يجوز عليه الفناء لكونه واجب البقاء فقد نزهه ، وإذا بان له أنه لا يسبقه العدم لاتصافه بالقدم فقد نزهه ، وإذا لاح له أنه لا يجوز أن يكون عرضا أو جسما أو في مكان لكونه واجبا بريئا عن جهات الإمكان فقد نزهه . لكن صفاته السلبية والإضافية لا يعدها عاد ولو اشتغل بها واحد لأفنى فيها عمره ولا يدرك كنهها . فإذا قال قائل مستحضرا بقلبه سبحان الله متنبها لما يقوله من كونه منزها له عن كل نقص فإتيانه بالتسبيح على هذا الوجه من الإجمال يقوم مقام إتيانه به على سبيل التفصيل ، لكن لا ريب في أن من أتى بالتسبيح عن كل واحد على حدة مما لا يجوز على الله يكون قد أتى بما لا تفي به الأعمار ، فيقول هذا العبد أتى بتسبيحي طول عمره ومدة بقائه فأجازيه بأن أطهره عن كل ذنب وأزينه بخلع الكرامة وأنزله بدار المقامة مدة لا انتهاء لها ، وكما أن العبد ينزه الله في أول النهار وآخره ووسطه ، فإن الله تعالى يطهره في أوله وهو دنياه وفي آخره وهو عقباه وفي وسطه وهو حالة كونه في قبره الذي يحويه إلى أوان حشره وهو مغناه .
وأما الثانية وهو صفات الفعل فالإنسان إذا نظر إلى خلق الله السماوات يعلم أنها نعمة وكرامة فيقول الحمد لله ، فإذا رأى الشمس فيها بازغة فيعلم أنها نعمة وكرامة فيقول الحمد لله ، وكذلك القمر وكل كوكب والأرض وكل نبات وكل حيوان يقول الحمد لله ، لكن الإنسان لو حمد الله على كل شيء على حدة لا يفي عمره به ، فإذا استحضر في ذهنه النعم التي لا تعد كما قال تعالى : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ويقول الحمد لله على ذلك فهذا الحمد على وجه الإجمال يقوم منه مقام الحمد على سبيل التفصيل ، ويقول عبدي استغرق عمره في حمدي وأنا وعدت الشاكر بالزيادة فله علي حسنة التسبيح الحسنى وله على حمده الزيادة ثم إن الإنسان إذا استغرق في صفات الله قد يدعوه عقله إلى التفكر في الله تعالى بعد التفكر في آلاء الله ، فكل ما يقع في عقله من حقيقته فينبغي أن يقول الله أكبر مما أدركه ، لأن المدركات وجهات الإدراكات لا نهاية لها ، فإن أراد أن يقول على سبيل التفصيل الله أكبر من هذا الذي أدركته من هذا الوجه وأكبر مما أدركته من ذلك الوجه وأكبر مما أدركته من وجه آخر يفني عمره ولا يفي بإدراك جميع الوجوه التي يظن الظان أنه مدرك لله بذلك الوجه ، فإذا قال مع نفسه الله أكبر أي من كل ما أتصوره بقوة عقلي وطاقة إدراكي يكون متوغلا في العرفان وإليه الإشارة بقوله :
العجز عن درك الإدراك إدراك *** . . .
فقول القائل المستيقظ : « سبحان الله والحمد لله والله أكبر » مفيد لهذه الفوائد ، لكن شرطه أن يكون كلاما معتبرا وهو الذي يكون من صميم القلب لا الذي يكون من طرف اللسان .
المسألة الرابعة : قوله : { وعشيا } عطف على { حين } أي سبحوه حين تمسون وحين تصبحون وعشيا ،
{ فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الحمد فِى السموات والأرض وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ } إثر ما بين حال فريقي المؤمنين العاملين بالصالحات والكافرين المكذبين بالآيات وما لهما من الثواب والعقاب أرشد سبحانه إلى ما ينجي من الثاني ويفضي إلى الأول من تنزيه الله عز وجل عن كل ما لا يليق بشأنه جل شأنه ومن حمده تعالى والثناء عليه ووصفه بما هو أهله من الصفات الجميلة والشؤون الجليلة ، وتقديم الأول على الثاني لما أن التخلية متقدمة على التحلية مع أنه أول ما يدعي إليه الذين كفروا المذكورون قبل بلا فصل ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، وظاهر كلامهم أن { سُبْحَانَ } هنا منصوب بفعل أمر محذوف فكأنه قيل : إذا علمتم ذلك أو إذا صح واتضح حال الفريقين ومآلهما فسبحوا سبحان الله الخ أي نزهوه تعالى تنزيهه اللائق به عز وجل في هذه الأوقات ، قال في «الكشف » : وفيه إشكال لأن سبحان الله لزم طريقة واحدة لا ينصبه فعل الأمر لأنه إنشاء من نوع آخر ، والجواب أن ذلك توضيح للمعنى وأن وقوعه جواب الشرط على منوال إن فعلت كذا فنعم ما فعلت فإنه إنشاء أيضاً لكنه ناب مناب الخبر وأبلغ ، كذلك هو لإنشاء تنزيهه تعالى في الأوقات هرباً من وبيل عقابه وطلباً لجزيل ثوابه ، والشرط والجواب مقول على ألسنة العباد انتهى ، وفي حواشي شيخ زاده أن الأمر بل الجملة الإنشائية مطلقاً لا يصح تعليقها بالشرط لأن الإنشاء إيقاع المعنى بلفظ يقارنه ولو جاز تعليقه للزم تأخره عن زمان التلفظ وأنه غير جائز وإنما المعلق بالشرط هو الإخبار عن إنشاء التمني والترجي وإنشاء المدح والذم والاستفهام ونحوها فإذا قلت : إن فعلت كذا غفر الله تعالى لك أو فنعم ما فعلت كان المعنى فقد فعلت ما تستحق بسببه أن يغفر الله تعالى لك أو أن تمدح بسببه إلا أن الجملة الإنشائية أقيمت مقامه للمبالغة للدلالة على الاستحقاق فمعنى الآية إذا كان الأمر كما تقرر فأنتم تسبحون الله تعالى في الأوقات المذكورة وهو في معنى الأمر بالتسبيح فيها انتهى .
ولعله أظهر مما في «الكشف » بل لا يظهر ما ذكر فيه من دعوى أن الشرط والجواب مقول على ألسنة العباد .
ويوهم كلام بعضهم أن الكلام بتقدير القول حيث قال : كأنه قيل إذا صح واتضح عاقبة المطيعين والعاصين فقولوا : نسبح سبحان الخ ، والمعنى فسبحوه تسبيحاً في الأوقات ، ولا يخفى ما فيه ، وكأني بك تمنع لزوم سبحان طريقة واحدة وهي التي ذكرت أولاً ، ويجوز نصب فعل الأمر لها إذا اقتضاه المقام وأشعر به الكلام ، ولكن كأنك تميل إلى اعتبار كون الجملة خبرية لفظاً إنشائية معنى بأن يراد بها الأمر لتوافق جملة { لَهُ الحمد } فإنها وإن كانت خبرية إلا أن الإخبار بثبوت الحمد له تعالى ووجوبه على المميزين من أهل السموات والأرض كما يشعر به اتباع ذلك ذكر الوعد والوعيد وتفريعه عليه بالفاء في معنى الأمر به على أبلغ وجه على ما صرح به بعض الأجلة فكأنه حينئذٍ قد قيل : فسبحوا الله تعالى تسبيحه اللائق به سبحانه في هذه الأوقات واحمدوه ، وظاهر كلام الأكثرين أن جملة { لَهُ الحمد } الخ معطوفة على الجملة التي قبلها وأن { عشياً } معطوف على { حِينَ تُمْسُونَ } بل هم صرحوا بهذا ، وعلى ما ذكر يكون جملة { لَهُ الحمد } فاصلة بين المعطوف والمعطوف عليه ، وما أشبه الآية حينئذٍ بآية الوضوء على ما ذهب إليه أهل السنة .
وفي «الكشاف » أن { عشياً } متصل بقوله تعالى : { حِينَ تُمْسُونَ } وقوله تعالى : { وَلَهُ الحمد } الخ اعتراض بينهما ، ومعناه أن على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه .
وإلى كون الجملة معترضة ذهب أبو البقاء أيضاً ، وجعل قوله تعالى : { فِي السموات } حالاً من الحمد ، وفي جواز مجيء الحال منه على احتمال كونه مبتدأ وهو الظاهر خلاف ، ولعل من لا يجوز ذلك يجعل الجار متعلقاً بالثبوت الذي تقتضيه النسبة ، والمراد بالتسبيح والحمد ظاهرهما على ما ذهب إليه جمع من الأجلة ، وقيل : المراد بالتسبيح الصلاة . وأخرج عبد الرزاق . والفريابي . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . والطبراني . والحاكم وصححه عن أبي رزين قال : جاء نافع بن الأرزق إلى ابن عباس فقال : هل تجد الصلوات الخمس في القرآن ؟ فقال : نعم فقرأ { فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ } صلاة المغرب { وَحِينَ تُصْبِحُونَ } [ الروم : 71 ] صلاة الصبح { وَعَشِيّاً } صلاة العصر { وَحِينَ تُظْهِرُونَ } صلاة الظهر ، وقرأ { وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء } [ النور : 58 ] وأخرج ابن أبي شيبة . وابن جرير . وابن المنذر عنه قال : جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة { فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ } المغرب والعشاء { وَحِينَ تُصْبِحُونَ } الفجر { وَعَشِيّاً } العصر { وَحِينَ تُظْهِرُونَ } الظهر ، وذهب الحسن إلى ذلك حتى أنه ذهب إلى أن الآية مدنية لما أنه يرى فرضية الخمس بالمدينة وأنه كان الواجب بمكة ركعتين في أي وقت اتفقت الصلاة فيه ، والصحيح أنها فرضت بمكة ويدل عليه حديث المعراج دلالة بينة .
واختار الإمام الرازي حمل التسبيح على التنزيه فقال : إنه أقوى والمصير إليه أولى لأنه يتضمن الصلاة وذلك لأن التنزيه المأمور به يتناول التنزيه بالقلب وهو الاعتقاد الجازم وباللسان مع ذلك وهو الذكر الحسن وبالأركان معهما جميعاً وهو العمل الصالح ، والأول هو الأصل والثاني ثمرة الأول والثالث ثمرة الثاني ، وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد شيئاً ظهر من قلبه على لسانه وإذا قال ظهر صدقه في مقاله من أحوال أفعاله واللسان ترجمان الجنان والأركان برهان اللسان لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان وهي مشتملة على الذكر باللسان والقصد بالجنان فهو تنزيه في التحقيق ، فإذا قال سبحانه نزهوني وهذا نوع من أنواع التنزيه والأمر المطلق لا يختص بنوع دون نوع فيجب حمله على كل ما هو تنزيه فيكون هذا أمراً بالصلاة ، ثم إن قولنا يناسبه ما تقدم وذلك لأن الله تعالى لما بين أن المقام الأعلى والجزاء الأوفى لمن آمن وعمل الصالحات حيث قال عز وجل : { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ } [ الروم : 5 1 ] قال سبحانه : إذا علمتم أن ذلك المقام لمن آمن وعمل الصالحات والإيمان تنزيه بالجنان وتوحيد باللسان والعمل الصالح استعمال الأركان فالكل تنزيهات وتحميدات فسبحان الله أي فأتوا بذلك الذي هو الموصل إلى الحبور في الرياض والحضور على الحياض اه ، وأنا بالإمام أقتدي في دعوى أولوية الحمل على الظاهر ، واختار أيضاً أن قوله تعالى : { لَهُ الحمد } اعتراض مؤكد بين المعطوف والمعطوف عليه مطلقاً ومعناه على ما سمعت عن الكشاف أن على المميزين كلهم أن يحمدوه فإن حمل التسبيح على الصلاة فهو كلام يؤكد الوجوب لأن الحمد يتجوز به عن الصلاة كالتسبيح ، ووجه التأكيد دلالته على أنه أمر عم المكلفين من أهل السموات والأرض ، وإن حمل على الظاهر فوجهه أن ذلك جار مجرى الاستدراك للأمر بالتسبيح ، ولما كان من واد واحد كان كل منهما مؤكداً للآخر فدل على دوام وجوب الحمد في الأوقات ووجوب التسبيح على أهل السموات والأرض ، وأما الدلالة على الوجوب فمن اتباع { سبحان الله } الخ ذكر الوعد والوعيد بالفاء فإنه يفهم تعين ذلك طريقاً للخلاص عن الدركات الوصول إلى الدرجات وما يتعين طريقاً لذلك كان واجباً كذا في «الكشف » .
وذكر الإمام أن في هذا الاعتراض لطيفة وهو أن الله تعالى لما أمر العباد بالتسبيح كأنه قال جل وعلا : بين لهم أن تسبيحهم الله تعالى لنفعهم لا لنفع يعود إلى الله عز وجل فعليهم أن يحمدوا الله تعالى إذا سبحوه جل شأنه ، وهذا كما في قوله تعالى : { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إسلامكم بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ للإيمان } [ الحجرات : 7 1 ] .
وجوز بعضهم كون { عشياً } معطوفاً على قوله تعالى : { مَا فِي السموات } ورد بأنه لا يعطف ظرف الزمان على المكان ولا عكسه ، وقيل : يحتمل أن يكون معطوفاً على مقدر أي وله الحمد في السموات والأرض دائماً وعشياً على أنه تخصيص بعد تعميم والجملة اعتراضية أو حالية وهو كما ترى ، وتخصيص الأوقات المذكورة بالذكر لظهور آثار القدرة والعظمة والرحمة فيها ، وقدم الإمساء على الإصباح لتقدم الليل والظلمة ، وقدم العشي على الإظهار لأنه بالنسبة إلى الإظهار كالإمساء بالنسبة إلى الإصباح .
وفي «البحر » قوبل بالعشي الإمساء وبالإظهار الإصباح لأن كلاً منهما يعقب بما قابله فالعشي يعقبه الإمساء والإصباح يعقبه الإظهار ، وقال العلامة أبو السعود : إن تقديم { عشياً } على { حِين تُظْهِرُونَ } لمراعاة الفواصل وليس بذاك وذكر الإمام أنه قدم الإمساء على الإصباح ههنا وأخر في قوله تعالى : { سبحوه بُكْرَةً وَأَصِيلاً } [ الأحزاب : 42 ] لأن أول الكلام ههنا ذكر الحشر والإعادة وكذا آخره والإمساء آخر فذكر الآخر أولاً لتذكر الآخرة ، وتغيير الأسلوب في { عشياً } لما أنه لا يجيء منه الفعل بمعنى الدخول في العشي كالمساء والصباح والظهيرة ، ولعل السر في ذلك على ما قيل : إنه ليس من الأوقات التي تختلف فيها أحوال الناس وتتغير تغيراً ظاهراً مصححاً لوصفهم بالخروج عما قبلها والدخول فيها كالأوقات المذكورة فإن كلاً منها وقت يتغير فيه الأحوال تغيراً ظاهراً ، أما في المساء والصباح فظاهر . وأما في الظهيرة فلأنها وقت يعاد فيه التجرد عن الثياب للقيلولة كما مرت إليه الإشارة في سورة النور ، هذا وفضل التسبيح والتحميد أظهر من أن يستدل عليه ، وذكروا في فضل ما تضمنته الآية عدة أخبار ، فأخرج الإمام أحمد . وابن جرير . وابن المنذر : وابن أبي حاتم . وابن السني في عمل اليوم والليلة . والطبراني . وابن مردويه . والبيهقي في الدعوات عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا أخبركم لم سمى الله تعالى إبراهيم خليله الذي وفى لأنه يقول كلما أصبح وأمسى سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون "
وأخرج أبو داود ، والطبراني ، وابن السني ، وابن مردويه عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قال حين يصبح سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى قوله تعالى : وكذلك تخرجون أدرك ما فاته في يومه ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته " إلى غير ذلك من الأخبار ، ولعل فيه تأييداً لكون { فَيَكُونُ فسبحان } الخ مقولاً على ألسنة العباد فتأمل . وقرأ عكرمة { حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } بتنوين حين فالجملة صفة حذف منها العائد والتقدير تمسون فيه وتصبحون فيه ، وعلى قراءة الجمهور الجملة مضاف إليها ولا تقدير للضمير أصلاً .
ومن باب الإشارة : { فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ } [ الروم : 7 1 ] الخ فيه إشارة إلى أنه ينبغي استغراق الأوقات في تنزيه الله سبحانه والثناء عليه جل وعلا بما هو سبحانه وتعالى أهله فإن ذلك روضة هذه النشأة ، وفي الأثر إن حلق الذكر رياض الجنة .