مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (24)

ثم قال تعالى : { ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }

لما ذكر العرضيات التي للأنفس اللازمة والمفارقة ذكر العرضيات التي للآفاق ، وقال : { يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء } وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : لما قدم دلائل الأنفس ههنا قدم العرضيات التي للأنفس وأخر العرضيات التي للآفاق كما أخر دلائل الآفاق ، بقوله : { ومن آياته خلق السماوات والأرض } .

المسألة الثانية : قدم لوازم الأنفس على العوارض المفارقة حيث ذكر أولا اختلاف الألسنة والألوان ثم المنام والابتغاء ، وقدم في الآفاق العوارض المفارقة على اللوازم حيث قال : { يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل } وذلك لأن الإنسان متغير الحال والعوارض له غير بعيدة ، وأما اللوازم فيه فقريبة . وأما السماوات والأرض فقليلة التغير فالعوارض فيها أغرب من اللوازم ، فقدم ما هو أعجب لكونه أدخل في كونه آية ونزيده بيانا فنقول : الإنسان يتغير حاله بالكبر والصغر والصحة والسقم وله صوت يعرف به لا يتغير وله لون يتميز عن غيره ، وهو يتغير في الأحوال وذلك لا يتغير وهو آية عجيبة ، والسماء والأرض ثابتان لا يتغيران ، ثم يرى في بعض الأحوال أمطار هاطلة وبروق هائلة ، والسماء كما كانت والأرض كذلك ، فهو آية دالة على فاعل مختار يديم أمرا مع تغير المحل ويزيل أمرا مع ثبات المحل .

المسألة الثالثة : كما قدم السماء على الأرض قدم ما هو من السماء وهو البرق والمطر على ما هو من الأرض وهو الإنبات والإحياء .

المسألة الرابعة : كما أن في إنزال المطر وإنبات الشجر منافع ، كذلك في تقدم البرق والرعد على المطر منفعة ، وذلك لأن البرق إذا لاح ، فالذي لا يكون تحت كن يخاف الابتلال فيستعد له ، والذي له صهريج أو مصنع يحتاج إلى الماء أو زرع يسوى مجاري الماء ، وأيضا العرب من أهل البوادي فلا يعلمون البلاد المعشبة إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب دون جانب ، واعلم أن فوائد البرق وإن لم تظهر للمقيمين بالبلاد فهي ظاهرة للبادين ولهذا جعل تقديم البرق على تنزيل الماء من السماء نعمة ، وآية ، وأما كونه آية فظاهر فإن في السحاب ليس إلا ماء وهواء وخروج النار منها بحيث تحرق الجبال في غاية البعد فلا بد له من خالق هو الله ، قالت الفلاسفة السحاب فيه كثافة ولطافة بالنسبة إلى الهواء والماء . فالهواء ألطف منه والماء أكثف فإذا هبت ريح قوية تخرق السحاب بعنف فيحدث صوت الرعد ويخرج منه النار كمساس جسم جسما بعنف ، وهذا كما أن النار تخرج من وقوع الحجر على الحديد فإن قال قائل الحجر والحديد جسمان صلبان والسحاب والريح جسمان رطبان ، فيقولون لكن حركة يد الإنسان ضعيفة وحركة الريح قوية تقلع الأشجار ، فنقول لهم البرق والرعد أمران حادثان لا بد لهما من سبب ، وقد علم بالبرهان كون كل حادث من الله فهما من الله ، ثم إنا نقول هب أن الأمر كما تقولون فهبوب تلك الريح القوية من الأمور الحادثة العجيبة لا بد له من سبب وينتهي إلى واجب الوجود ، فهو آية للعاقل على قدرة الله كيفما فرضتم ذلك .

المسألة الخامسة : قال ههنا : { لقوم يعقلون } لما كان حدوث الولد من الوالد أمرا عاديا مطردا قليل الاختلاف كان يتطرق إلى الأوهام العامية أن ذلك بالطبيعة ، لأن المطرد أقرب إلى الطبيعة من المختلف ، لكن البرق والمطر ليس أمرا مطردا غير متخلف إذ يقع ببلدة دون بلدة وفي وقت دون وقت وتارة تكون قوية وتارة تكون ضعيفة فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار ، فقال هو آية لمن له عقل إن لم يتفكر تفكرا تاما .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (24)

{ وَمِنْ ءاياته يُرِيكُمُ البرق } ذهب أبو علي إلى أنه بتقدير أن المصدرية والأصل أن يريكم فحذف أن وارتفع الفعل وهو الشائع بعد الحذف في مثل ذلك ، وشذ بقاؤه منصوباً بعده وقد روي بالوجهين قول طرفة :

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى *** وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

وجوز كونه مما نزل فيه الفعل منزلة المصدر فلا تقدر أن بل الفعل مستعمل في جزء معناه وهو الحدث مقطوع فيه النظر عن الزمان فيكون اسماً في صورة الفعل فيريكم بمعنى الرؤية ، وحمل على ذلك في المشهور قولهم : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، وجوز فيه أن يكون مما حذف فيه أن وأيد بأنه روى فيه تسمع بالنصب أيضاً ولم يرتضه بعض الأجلة لأن المعنى ليس على الاستقبال ، وأما أن تراه فالاستقبال فيه بالنسبة إلى السماء فلا ينافيه ، ومثله قوله :

فقالوا ما تشاء فقلت الهو *** إلى الاصباح آثر ذي أثير

ورجح الحمل على التنزيل منزلة اللازم دلالة على أنه كالحال اهتماماً بشأن المراد لقوله : آثر ذي أثير ، والتعليل بأن ما تشاء سؤال عما يشاؤه في الحال وأن للاستقبال ليس بالوجه لأن المشيئة تتعلق بالمستقبل أبداً ، وقال «الجامع الأصفهاني » : تقدير الآية ومن آياته آية يريكم البرق على أن { يُرِيكُمْ } صفة وحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه كما في قوله :

وما الدهر إلا تارتان فمنهما *** أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح

أي فمنهما تارة أموت قيل فلا بد من راجع فقد فيها أو بها ، ونص على الثاني الرماني كما في «البحر » وكلاهما لا يسد كما في «الكشف » عليه المعنى ، وقيل : التقدير ومن آياته البرق ثم استؤنف يريكم البرق ، وقيل : { مّنْ ءاياته } حال من البرق أي يريكم البرق حال كونه من آياته ، وجوز أبو حيان تعلقه بيريكم و { مِنْ } لابتداء الغاية وفيه مخالفة لنظرائه .

وفي «الكشف » لعل الأوجه أن يكون من آياته خبر مبتدأ محذوف أي من آياته ما يذكر أو ما يتلى عليكم ثم قيل : { يُرِيكُمُ البرق } بياناً لذلك ثم قال : وهذا أقل تكلفاً من الكل ، وأنت تعلم أن الأوجه ما توافق الآية به نظائرها .

{ خَوْفًا } أي من الصواعق { وَطَمَعًا } في المطر قاله الضحاك ، وقال قتادة : خوفاً للمسافر لأنه علامة المطر وهو يضره لعدم ما يكنه ولا نفع له فيه وطمعاً للمقيم ، وقيل : خوفاً أن يكون خلباً وطمعاً أن يكون ما طرأ وقال ابن سلام : خوفاً من البرد أن يهلك الزرع وطمعاً في المطر ونصهما على العلة عند الزجاج ، وهو على مذهب من لا يشترط في نصب المفعول له اتحاد المصدر والفعل المعلل في الفاعل ظاهر ، وأما على مذهب الأكثرين المشترطين لذلك فقيل في توجيهه : إن ذلك على تقدير مضاف أي إرادة خوف وطمع أي على تأويل الخوف والطمع بالإخافة والإطماع أما بأن يجعل أصلهما ذلك على حذف الزوائد أو بأن يجعلا مجازين عن سببيهما .

وقيل : إن ذلك لأن إراءتهم تستلزم رؤيتهم فالمفعولون فاعلون في المعنى فكأنه قيل : لجعلكم رائين خوفاً وطمعاً .

واعترض بأن الخوف والطمع ليسا غرضين للرؤية ولا داعيين لها بل يتبعانها فكيف يكونان علة على فرض الاكتفاء بمثل ذلك عند المشترطين ، ووجه بأنه ليس المراد بالرؤية مجرد وقوع البصر بل الرؤية القصدية بالتوجه والالتفات فهو مثل قعدت عن الحزب جبناً ولم يرتض ذلك أبو حيان أيضاً ثم قال : لو قيل على مذهب المشترطين أن التقدير يريكم البرق فترونه خوفاً وطمعاً فحذف العامل للدلالة عليه لكان إعراباً سائغاً ، وقيل : لعل الأظهر نصبهما على العلة للإراءة لوجود المقارنة والاتحاد في الفاعل فإن الله تعالى هو خالق الخوف والطمع ، وكون معنى قول النحاة لا بد أن يكون المفعول له فعل الفاعل أنه لا بد من كونه متصفاً به كالإكرام في قولك : جئتك إكراماً لك إن سلم فلا حجر من الانتصاب على التشبيه في المقارنة والاتحاد المذكور .

وتعقب بأن كون المعنى ما ذكر مما لا شبهة فيه وقد ذكره صاحب الانتصاف وغيره فإن الفاعل اللغوي غير الفاعل الحقيقي فالتوقف فيه وادعاء أنه لا حجر من الانتصاب على التشبيه مما لا وجه له ، وأنا أميل إلى عدم اشتراط الاتحاد في الفاعل لكثرة النصب مع عدم الاتحاد كما يشهد بذلك التتبع والرجوع إلى شرح الكافية للرضى ، والتأويل مع الكثرة مما لا موجب له ، وجوز أن يكون النصب هنا على المصدر أي تخافون خوفاً وتطمعون طمعاً على أن تكون الجملة حالاً ، وأولى منه أن يكونا نصباً على الحال أي خائفين وطامعين .

{ وَيُنَزّلُ مِنَ السماء مَاء } وقرأ غير واحد بالتخفيف { وَمِنْ ءاياته } أي بسبب الماء { الأرض } بأن يخرج سبحانه به النبات { بَعْدَ مَوْتِهَا } يبسها { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يستعملون عقولهم في استنباط أسبابها وكيفية تكونها ليظهر لهم كمال قدرة الصانع جل شأنه وحكمته سبحانه ، وقال الطيبي : لما كان ما ذكر تمثيلاً لإحياء الناس وإخراج الموتى وكان التمثيل لإدناء المتوهم المعقول وإراءة المتخيل في صورة المحقق ناسب أن تكون الفاصلة لقوم يعقلون .