ثم قال تعالى : { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون }
لما ذكر بعض العرضيات اللازمة وهو اختلاف ذكر الأعراض المفارقة ومن جملتها النوم بالليل والحركة طلبا للرزق بالنهار ، فذكر من اللوازم أمرين ، ومن المفارقة أمرين ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { منامكم بالليل والنهار } قيل أراد به النوم بالليل والنوم بالنهار وهي القيلولة : ثم قال : { وابتغاؤكم } أي فيهما فإن كثيرا ما يكتسب الإنسان بالليل ، وقيل أراد منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار فلف البعض بالبعض ، ويدل عليه آيات أخر . منها قوله تعالى : { وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا } وقوله : { وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا } ويكون التقدير هكذا : ومن آياته منامكم وابتغاؤكم بالليل والنهار من فضله ، فأخر الابتغاء وقرنه في اللفظ بالفعل إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من كسبه وبحذقه ، بل يرى كل ذلك من فضل ربه ، ولهذا قرن الابتغاء بالفضل في كثير من المواضع ، منها قوله تعالى : { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } وقوله : { ولتبتغوا من فضله } .
المسألة الثانية : قدم المنام بالليل على الابتغاء بالنهار في الذكر ، لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا لحاجة ، فلا يتعب إلا محتاج في الحال أو خائف من المآل .
المسألة الثالثة : قال : { آيات لقوم يسمعون } وقال من قبل : { لقوم يتفكرون } وقال : { للعالمين } فنقول المنام بالليل والابتغاء من فضله يظن الجاهل أو الغافل أنهما مما يقتضيه طبع الحيوان فلا يظهر لكل أحد كونهما من نعم الله فلم يقل آيات للعالمين ولأن الأمرين الأولين وهو اختلاف الألسنة والألوان من اللوازم والمنام والابتغاء من الأمور المفارقة فالنظر إليهما لا يدوم لزوالهما في بعض الأوقات ولا كذلك اختلاف الألسنة والألوان ، فإنهما يدومان بدوام الإنسان فجعلهما آيات عامة ، وأما قوله : { لقوم يتفكرون } فاعلم أن من الأشياء ما يعلم من غير تفكر ، ومنها ما يكفي فيه مجرد الفكرة ، ومنها ما لا يخرج بالفكر بل يحتاج إلى موقف يوقف عليه ومرشد يرشد إليه ، فيفهمه إذا سمعه من ذلك المرشد ، ومنها ما يحتاج إلى بعض الناس في تفهمه إلى أمثلة حسية كالأشكال الهندسية لكن خلق الأزواج لا يقع لأحد أنه بالطبع إلا إذا كان جامد الفكر خامد الذكر ، فإذا تفكر علم كون ذلك الخلق آية ، وأما المنام والابتغاء فقد يقع لكثير أنهما من أفعال العباد ، وقد يحتاج إلى مرشد بغير فكرة ، فقال : { لقوم يسمعون } ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد .
{ وَمِنْ ءاياته مَنَامُكُم } أي نومكم { الذين يُنفِقُونَ } لاستراحة القوى النفسانية وتقوى القوى الطبيعية { وابتغاؤكم } أي طلبكم { مِن فَضْلِهِ } أي بالليل والنهار ، وحذف ذلك لدلالة ما قيل عليه ، ونظيره قوله :
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم *** ومقتلهم عند الوغى كان أغدرا
فإنه أراد يقتلون نفوسهم عند السلم وحذف لدلالة الوغى في الشطر الثاني عليه ، والنوم بالليل والابتغاء من الفضل أي الكسب بالنهار أمران معتادان ، وأما النوم بالنهار فكنوم القيلولة ، وأما الكسب بالليل فكما يقع من بعض المكتسبين ، وأهل الحرف من السعي والعمل ليلاً لاسيما في أطول الليالي وعدم وفاء نهارهم بأغراضهم ، ومن ذلك حراسه الحوانيت بالأجرة وكذا قطع البراري في الأسفار ليلاً للتجارة ونحوها ، وقال الزمخشري : وهذا من باب اللف وترتيبه ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار إلا أنه فصل بين القرينين الأولين أعني منامكم وابتغاؤكم بالقرينين الآخرين أعني الليل والنهار لأنهما ظرفان والظرف والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد وهو الوجه الظاهر لتكرره في القرآن وأسد المعاني ما دل عليه القرآن انتهى ؛ والظاهر أنه أراد باللف الاصطلاحي ولا يأبى ذلك توسيط الليل والنهار لأنهما في نية التأخير وإنما وسطاً للاهتمام بشأنهما لأنهما من الآيات في الحقيقة لا المنام والابتغاء على ما حققه في «الكشف » مع تضمن توسيطهما مجاورة كل لما وقع فيه فالجار والمجرور قيل حال مقدمة من تأخير أي كائنين بالليل والنهار ، وقيل : خبر مبتدأ محذوف أي وذلك بالليل والنهار ، والجملة في «النظم الكريم » معترضة ، وعلى كلا القولين لا يرد على الزمخشري لزوم كون النهار معمولاً للابتغاء مع تقدمه عليه وعطفه على معمول { مَنَامُكُم } وفي اقتران الفضل بالابتغاء إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من نفسه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه جل وعلا .
{ إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } أي شأنهم أن يسمعوا الكلام سماع تفهم واستبصار ، وفيه إشارة إلى ظهور الأمر بحيث يكفي فيه مجرد السماع لمن له فهم وبصيرة ولا يحتاج إلى مشاهدة وإن كان مشاهداً .
وقال الطيبي : جيء بالفاصلة هكذا لأن أكثر الناس منسدحون بالليل كالأموات ومترددون بالنهار كالبهائم لا يدرون فيم هم ولم ذلك لكن من ألقى السمع وهو شهيد يتنبه لوعظ الله تعالى ويصغي إليه لأن مر الليالي وكر النهار يناديان بلسان الحال الرحيل الرحيل من دار الغرور إلى دار القرار كما قال تعالى : { وَهُوَ الذي جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } [ الفرقان : 2 6 ] وذكر الإمام أن من الأشياء ما يحتاج في معرفته إلى موقف يوقف عليه ومرشد يرشد إليه فيفهم إذا سمع من ذلك المرشد ، ولما كان المنام والابتغاء قد يقع لكثير أنهما من أفعال العباد فيحتاج معرفة أنهما من آياته تعالى إلى مرشد يعين الفكر قيل : { لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } فكأنه قيل : لقوم يسمعون ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد انتهى ؛ ولعل الاحتياج إلى مرشد يعين الفكر في أن الليل والنهار من الآيات بناءً على ما سمعت في بيان نكتة التوسيط أظهر فتأمل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.