قال تعالى { لا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما }
والمراد بالذين يختانون أنفسهم طعمة ومن عاونه من قومه ممن علم كونه سارقا ، والاختيان كالخيانة يقال : خانه واختانه ، وذكرنا ذلك عند قوله تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } وإنما قال تعالى لطعمة ولمن ذب عنهم : إنهم يختانون أنفسهم لأن من أقدم على المعصية فقد حرم نفسه الثواب وأوصلها إلى العقاب ، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه ، ولهذا المعنى يقال لمن ظلم غيره : إنه ظلم نفسه .
واعلم أن في الآية تهديدا شديدا ، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما مال طبعه قليلا إلى جانب طعمة ، وكان في علم الله أن طعمة كان فاسقا ، فالله تعلى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب ، فكيف حال من يعلم من الظالم كونه ظالما ثم يعينه على ذلك الظلم ، بل يحمله عليه ويرغبه فيه أشد الترغيب .
ثم قال تعالى : { إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما } قال المفسرون : إن طعمة خان في الدرع ، وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة فلا جرم قال الله تعالى : { إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما } .
فإن قيل : لم قال { خوانا أثيما } مع أن الصادر عنه خيانة واحدة وإثم واحد .
قلنا : علم الله تعالى أنه كان في طبع ذلك الرجل الخيانة الكثيرة والإثم الكثير ، فذكر اللفظ الدال على المبالغة بسبب ما كان في طبعه من الميل إلى ذلك ، ويدل عليه ما رويناه أنه بعد هذه الواقعة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائط إنسان لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات ، ومن كان خاتمته كذلك لم يشك في خيانته ، وأيضا طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدفع السرقة عنه ويلحقها باليهودي ، وهذا يبطل رسالة الرسول ، ومن حاول إبطال رسالة الرسول وأراد إظهار كذبه فقد كفر ، فلهذا المعنى وصفه الله بالمبالغة في الخيانة والإثم .
وقيل : إذا عثرت من رجل على سيئة ف اعلم أن لها أخوات . عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق ، فجاءت أمة تبكي وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه ، فقال كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول الأمر ، واعلم أنه تعالى لما خص هذا الوعيد بمن كان عظيم الخيانة والإثم دل ذلك على أن من كان قليل الخيانة والإثم فهو خارج عنه ثم
{ وَلاَ تجادل عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } أي يخونونها وجعلت خيانة الغير خيانة لأنفسهم لأن وبالها وضررها عائد عليهم ، ويحتمل أنه جعلت المعصية خيانة فمعنى { يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } يظلمونها باكتساب المعاصي وارتكاب الآثام ، وقيل : الخيانة مجاز عن المضرة ولا بعد فيه ، والمراد بالموصول إما السارق أو المودع المكافر وأمثاله ، وإما هو ومن عاونه فإنه شريك له في الإثم والخيانة ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام المقصود بالنهي ، والنهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي مرتكباً للمنهي عنه ، وقد يقال : إن ذلك من قبيل { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر : 65 ] ومن هنا قيل : المعنى لا تجادل أيها الإنسان .
{ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً } كثير الخيانة مفرطاً فيها { أَثِيماً } منهمكاً في الإثم ، وتعليق عدم المحبة المراد منه البغض والسخط بصيغة المبالغة ليس لتخصيصه بل لبيان إفراط بني أبيرق وقومهم في الخيانة والإثم . وقال أبو حيان : أتى بصيغة المبالغة فيهما ليخرج منه من وقع منه الإثم والخيانة مرة ومن صدر منه ذلك على سبيل الغفلة وعدم القصد ، وليس بشيء ، وإرداف الخوان بالإثم قيل : للمبالغة ، وقيل : إن الأول : باعتبار السرقة أو إنكار الوديعة ، والثاني : باعتبار تهمة البريء ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وقدمت صفة الخيانة على صفة الإثم لأنها سبب له ، أو لأن وقوعهما كان ذلك ، أو لتواخي الفواصل على ما قيل : .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلاَ تجادل } أحداً { عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } بتضييع حقوقها { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً } لنفسه { أَثِيماً } [ النساء : 107 ] مرتكباً الإثم ميالاً مع الشهوات
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.