قوله تعالى { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما }
واعلم أن هذه إشارة إلى ما كانوا يتناجون فيه حين يبيتون ما لا يرضي من القول وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : النجوى في اللغة سر بين اثنين ، يقال ناجيت الرجل مناجاة ونجاء ، ويقال : نجوت الرجل أنجو نجوى بمعنى ناجيته ، والنجوى قد تكون مصدرا بمنزلة المناجاة ، قال تعالى { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } وقد تكون بمعنى القوم الذين يتناجون ، قال تعالى { وإذ هم نجوى } .
المسألة الثانية : قوله { إلا من أمر بصدقة } ذكر النحويون في محل { من } وجوها ، وتلك الوجود مبنية على معنى النجوى في هذه الآية ، فإن جعلنا معنى النجوى هاهنا السر فيجوز أن يكون في موضع النصب ؛ لأنه استثناء الشيء عن خلاف جنسه فيكون نصبا كقوله { إلا أذى } ويجوز أن يكون رفعا في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس كقوله :
إلا اليعافير وإلا العيس *** . . .
وأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف فقال : التقدير إلا في نجوى من أمر بصدقة ثم حذف المضاف ، وعلى هذا التقدير يكون { من } في محل النجوى لأنه أقيم مقامه ، ويجوز فيه وجهان : إحدهما : الخفض بدل من نجواهم ، كما تقول : ما مررت بأحد إلا زيد . والثاني : النصب على الاستثناء فكما تقول ما جاءني أحد إلا زيدا ، وهذا استثناء الجنس من الجنس ، وأما إن جعلنا النجوى اسما للقوم المتناجين كان منصوبا على الاستثناء لأنه استثناء الجنس من الجنس ؛ ويجوز أن يكون { من } في محل الخفض من وجهين : أحدهما : أن تجلعه تبعا لكثير ، على معنى : لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة ، كقولك : لا خير في القوم إلا نفر منهم . والثاني : أن تجعله تبعا للنجوى ، كما تقول : لا خير في جماعة من القوم إلا زيد ، إن شئت أتبعت زيدا الجماعة ، وإن شئت أتبعته القوم ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : هذه الآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة ، والمراد : لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير ، ثم إنه تعالى ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع : الأمر بالصدقة ، والأمر بالمعروف ، والإصلاح بين الناس ، وإنما ذكر الله هذه الأقسام الثلاثة ، وذلك لأن عمل الخير إما أن يكون بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة ، أما إيصال الخير فإما أن يكون من الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال ، وإليه الإشارة بقوله { إلا من أمر بصدقة } وإما أن يكون من الخيرات الروحانية ، وهو عبارة عن تكميل القوة النظرية بالعلوم ، أو تكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة ، ومجموعها عبارة عن الأمر بالمعروف ، وإليه الإشارة بقوله { أو معروف } وأما إزالة الضرر فإليها الإشارة بقوله { أو إصلاح بين الناس } فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة في هذه الآية ، ومما يدل على صحة ما ذكرنا قوله عليه الصلاة والسلام : «كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله » وقيل لسفيان الثوري : ما أشد هذا الحديث ! فقال سفيان : ألم تسمع الله يقول { لا خير في كثير من نجواهم } فهو هذا بعينه ، أما سمعت الله يقول { والعصر إن الإنسان لفي خسر } فهو هذا بعينه .
ثم قال تعالى : { ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما } والمعنى أن هذه الأقسام الثلاثة من الطاعات وإن كانت في غاية الشرف والجلالة إلا أن الإنسان إنما ينتفع بها إذا أتى بها لوجه الله ولطلب مرضاته ، فأما إذا أتى بها للرياء والسمعة انقلبت القضية فصارت من أعظم المفاسد ؛ وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلب في إخلاص النية ، وتصفية الداعية عن الإلتفات إلى غرض سوى طلب رضوان الله تعالى ونظيره قوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } وقوله { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } وقوله عليه الصلاة والسلام : «إنما الأعمال بالنيات » وهاهنا سؤالان :
السؤال الأول : لم انتصب { ابتغاء مرضات الله } ؟
والجواب : لأنه مفعول له ، والمعنى لأنه لابتغاء مرضاة الله .
السؤال الثاني : كيف قال { إلا من أمر } ثم قال { ومن يفعل ذلك } .
والجواب : أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأن الأمر بالخير لما دخل في زمرة الخيرين فبأن يدخل فاعل الخير فيهم كان ذلك أولى ، ويجوز أن يراد : ومن يأمر بذلك ، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر أيضا فعل من الأفعال .
{ لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن } أي الذين يختانون ، واختار جمع أن الضمير للناس ، وإليه يشير كلام مجاهد ، و النجوى في الكلام كما قال الزجاج : ما يتفرد به الجماعة أو الاثنان ، وهل يشترط فيه أن يكون سراً أو لا ؟ قولان : وتكون بمعنى التناجي ، وتطلق على القوم المتناجين ك { إِذْ هُمْ * نجوى } [ الإسراء : 47 ] وهو إما من باب رجل عدل ، أو على أنه جمع نجي كما نقله الكرماني والظرف الأول خبر { لا } والثاني في موضع الصفة للنكرة أي : كائن من نجواهم .
{ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ } أي إلا في نجوى من أمر { بِصَدَقَةٍ } فالكلام على حذف مضاف ، وبه يتصل الاستثناء ، وكذا إن أريد بالنجوى المتناجون على أحد الاعتبارين ، ولا يحتاج إلى ذلك التقدير حينئذ ، ويكفي في صحة الاتصال صحة الدخول وإن لم يجزم به فلا يرد ما توهمه عصام الدين من أن مثل جاءني كثير من الرجال إلا زيداً لا يصح فيه الاتصال لعدم الجزم بدخول زيد في الكثير ، ولا الانقطاع لعدم الجزم بخروجه ، ولا حاجة إلى ما تكلف في دفعه بأن المراد لا خير في كثير من نجوى واحد منهم إلا نجوى من أمر الخ ، فإنه في كثير من نجواه خير فإنه على ما فيه لا يتأتى مثله على احتمال الجمع ، وجوز رحمه الله تعالى ، بل زعم أنه الأولى أن يجعل { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ } متعلقاً بما أضيف إليه النجوى بالاستثناء أو البدل ، ولا يخفى أنه إن سلم أن له معنى خلاف الظاهر ، وجوز غير واحد أن يكون الاستثناء منقطعاً على معنى لكن من أمر بصدقة وإن قلّت ففي نجواه الخير .
{ أَوْ مَعْرُوفٍ } وهو كل ما عرفه الشرع واستحسنه ، فيشمل جميع أصناف البر كقرض وإغاثة ملهوف ، وإرشاد ضال إلى غير ذلك ، ويراد به هنا ما عدا الصدقة وما عدا ما أشير إليه بقوله تعالى : { أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس } وتخصيصه بالقرض وإغاثة الملهوف وصدقة التطوع ، وتخصيص الصدقة فيما تقدم بالصدقة الواجبة مما لا داعي إليه وليس له سند يعول عليه ، وخص الصدقة والإصلاح بين الناس/ بالذكر من بين ما شمله هذا العام إيذاناً بالاعتناء بهما لما في الأول : من بذل المال الذي هو شقيق الروح وما في الثاني : من إزالة فساد ذات البين وهي الحالقة للدين كما في الخبر ، وقدم الصدقة على الإصلاح لما أن الأمر بها أشق لما فيه من تكليف بذل المحبوب ، والنفس تنفر عمن يكلفها ذلك ، ولا كذلك الأمر بالإصلاح ، وذكر الإمام الرازي أن السر في إفراد هذه الأقسام الثلاثة بالذكر «أن عمل الخير المتعدي إلى الناس ، إما لإيصال المنفعة أو لدفع المضرة ، والمنفعة إما جسمانية كإعطاء المال ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } وإما روحانية وإليه الإشارة بالأمر بالمعروف ، وأما رفع الضرر فقد أشير إليه بقوله تعالى : { أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس } » ولا يخفى ما فيه ، والمراد من الإصلاح بين الناس التأليف بينهم بالمودة إذا تفاسدوا من غير أن يجاوز في ذلك حدود الشرع الشريف ، نعم أبيح الكذب لذلك ، فقد أخرج الشيخان وأبو داود عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً ، وقالت : لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث : في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها "
وعد غير واحد الإصلاح من الصدقة ، وأيد بما أخرجه البيهقي عن أبي أيوب " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة يرضى الله تعالى ورسوله موضعها ؟ قال : بلى قال : تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا " ، وعن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفضل الصدقة إصلاح ذات البين " وهذا الخبر ظاهر في أن الإصلاح أفضل من الصدقة بالمال . ومثله ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن أبي الدرداء قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا : بلى قال : إصلاح ذات البين " ولا يخفى أن هذا ونحوه مخرّج مخرج الترغيب ، وليس المراد ظاهره إذ لا شك أن الصيام المفروض والصلاة المفروضة والصدقة كذلك أفضل من الإصلاح اللهم إلا أن يكون إصلاح يترتب على عدمه شر عظيم وفساد بين الناس كبير .
{ وَمَن يَفْعَلْ ذلك } أي المذكور من الصدقة وأخويها ، والكلام تذييل للاستثناء ، وكان الظاهر ومن يأمر بذلك ليكون مطابقاً للمذيل إلا أنه رتب الوعد على الفعل إثر بيان خيرية الآمر لما أن المقصود الترغيب في الفعل وبيان خيرية الآمر به للدلالة على خيريته بالطريق الأولى ، وجوز أن يكون عبر عن الأمر بالفعل إذ هو يكنى به عن جميع الأشياء كما إذا قيل : حلفت على زيد وأكرمته وكذا وكذا فتقول : نعم ما فعلت ، ولعل نكتة العدول عن يأمر إلى { يَفْعَلُ } حينئذ الإشارة إلى أن التسبب لفعل الغير الصدقة والإصلاح والمعروف بأي وجه كان كاف في ترتب الثواب ، ولا يتوقف ذلك على اللفظ ، ويجوز جعل ذلك إشارة إلى الأمر فيكون معنى من أمر { وَمَن يَفْعَلْ } الأمر واحداً ، وقيل : لا حاجة إلى جعله تذييلاً ليحتاج إلى التأويل تحصيلاً للمطابقة ، بل لما ذكر الآمر استطراد ذكر ممتثل أمره كأنه قيل : ومن يمتثل .
{ ابتغاء مرضات الله } أي لأجل طلب رضاء الله تعالى { فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ } بنون العظمة على الالتفات ، وقرأ أبو عمرو وحمزة وقتيبة عن الكسائي وسهل وخلف بالياء { أَجْراً عَظِيماً } لا يحيط به نطاق الوصف ، قيل : وإنما قيد الفعل بالابتغاء المذكور لأن الأعمال بالنيات ، وإن من فعل خيراً لغير ذلك لم يستحق به غير الحرمان ، ولا يخفى أن هذا ظاهر في أن الرياء محبط لثواب الأعمال بالكلية وهو ما صرح به ابن عبد السلام والنووي ، وقال الغزالي : إذا غلب الإخلاص فهو مثاب وإلا فلا ، وقيل : هو مثاب غلب الإخلاص أم لا لكن على قدر الإخلاص ، وفي دلالة الآية على أن غير المخلص لا يستحق غير الحرمان نظر لأنه سبحانه أثبت فيها للمخلص أجراً عظيماً وهو لا ينافي أن يكون لغيره ما دونه ، وكون العظمة بالنسبة إلى أمور الدنيا خلاف الظاهر .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ } وهو ما كان من جنس الفضول ، والأمر الذي لا يعني { إِلا } نجوى { مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } وأرشد إلى فضيلة السخاء الناشىء من العفة ، { أَوْ مَعْرُوفٍ } قولي كتعلم علم ، أو فعلي كإغاثة ملهوف { أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس } الذي هو من باب العدل { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } ويجمع بين تلك الكمالات { ابتغاء مَرْضَاتَ الله } لا للرياء والسمعة من كل ما يعود به الفضيلة رذيلة فسوف يؤتيه الله تعالى