مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا} (28)

ثم قال تعالى : { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في التخفيف قولان : الأول : المراد منه إباحة نكاح الأمة عند الضرورة وهو قول مجاهد ومقاتل ، والباقون قالوا : هذا عام في كل أحكام الشرع ، وفي جميع ما يسره لنا وسهله علينا ، إحسانا منه إلينا ، ولم يثقل التكليف علينا كما ثقل على بني إسرائيل ، ونظيره قوله تعالى : { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } وقوله : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } وقوله : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } وقوله عليه الصلاة والسلام : «جئتكم بالحنيفية السهلة السمحة » .

المسألة الثانية : قال القاضي : هذا يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى ، إذ لو كان كذلك فالكافر يخلق فيه الكفر ، ثم يقول له : لا تكفر ، فهذا أعظم وجوه التثقيل ، ولا يخلق فيه الإيمان ، ولا قدرة للعبد على خلق الإيمان . ثم يقول له : آمن ، وهذا أعظم وجوه التثقيل . قال : ويدل أيضا على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ، لأنه أعظم وجوه التثقيل .

والجواب : أنه معارض بالعلم والداعي ، وأكثر ما ذكرناه .

ثم قال : { وخلق الإنسان ضعيفا } والمعنى أنه تعالى لضعف الإنسان خفف تكليفه ولم يثقل والأقرب أنه يحمل الضعف في هذا الموضع لا على ضعف الخلقة ، بل يحمل على كثرة الدواعي إلى اتباع الشهوة واللذة ، فيصير ذلك كالوجه في أن يضعف عن احتمال خلافه . وإنما قلنا : إن هذا الوجه أولى ، لأن الضعف في الخلقة والقوة لو قوى الله داعيته إلى الطاعة كان في حكم القوي والقوي في الخلقة والآلة إذا كان ضعيف الدواعي إلى الطاعة صار في حكم الضعيف ، فالتأثير في هذا الباب لضعف الداعية وقوتها ، لا لضعف البدن وقوته ، هذا كله كلام القاضي ، وهو كلام حسن ، ولكنه يهدم أصله ، وذلك لما سلم أن المؤثر في وجود الفعل وعدمه ، قوة الداعية وضعفها فلو تأمل لعلم أن قوة الداعية وضعفها لا بد له من سبب ، فإن كان ذلك لداعية أخرى من العبد لزم التسلسل ، وإن كان الكل من الله ، فذاك هو الحق الذي لا محيد عنه ، وبطل القول بالاعتزال بالكلية والله أعلم .

المسألة الثالثة : روي عن ابن عباس أنه قال : ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت : { يريد الله ليبين لكم } { والله يريد أن يتوب عليكم } { يريد الله أن يخفف عنكم } { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } { إن الله لا يغفر أن يشرك به } { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه } { ما يفعل الله بعذابكم } .

ويقول محمد الرازي مصنف هذا الكتاب ختم الله له بالحسنى : اللهم اجعلنا بفضلك ورحمتك أهلا لها يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين .

النوع الثامن : من التكاليف المذكورة في هذه السورة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا} (28)

{ يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } أي في التكليف في أمر النساء والنكاح بإباحة نكاح الإماء قاله طاوس ومجاهد وقيل : يخفف في التكليف على العموم فإنه تعالى خفف عن هذه الأمة ما لم يخفف عن غيرها من الأمم الماضية ، وقيل : يخفف بقبول التوبة والتوفيق لها ، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب . { وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً } أي في أمر النساء لا يصبر عنهن قاله طاوس وفي الخبر : «لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريماً ويغلبهن لئيم فأحب أن أكون كريماً مغلوباً ولا أحب أن أكون لئيماً غالباً » وقيل : يستميله هواه وشهوته ويستشيطه خوفه وحزنه ، وقيل : عاجز عن مخالفة الهوى وتحمل مشاق الطاعة ، وقيل : ضعيف الرأي لا يدرك الأسرار والحكم إلا بنور إلهي . وعن الحسن رضي الله تعالى عنه أن المراد ضعيف الخلقة يؤلمه أدنى حادث نزل به ، ولا يخفى ضعف مساعدة المقام لهما فإن الجملة اعتراض تذييلي مسوق لتقرير ما قبله من التخفيف بالرخصة في نكاح الإماء ، وليس لضعف الرأي ولا لضعف البنية مدخل في ذلك ، وكونه إشارة إلى تجهيل المجوس في قياسهم على أول القولين ليس بشيء ، ونصب ( ضعيفاً ) على الحال وقيل : على التمييز ، وقيل : على نزع الخافض أي من ضعيف وأريد به الطين أو النطفة ، وكلاهما( {[242]} ) كما ترى ، وقرأ ابن عباس { وَخُلِقَ الإنسان } على البناء للفاعل والضمير لله عز وجل . وأخرج البيهقي في «الشعب » عنه أنه قال : ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت ، الأولى : { يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [ النساء : 26 ] والثانية : { والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } [ النساء : 27 ] إلى آخرها ، والثالثة : { يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } إلى آخرها ، والرابعة : { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً } [ النساء : 31 ] والخامسة : { إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } [ النساء : 40 ] والسادسة : { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً } [ النساء : 110 ] والسابعة : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } إلى آخرها ، والثامنة : { والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } [ النساء : 152 ] الآية . .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } أثقال العبودية في مقام المشاهدة ، أو أثقال النفس بفتح باب الاستلذاذ بالعبادة بعد الصبر عليها { وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً } [ النساء : 28 ] عن حمل واردات الغيب وسطوات المشاهدة فلا يستطيع حمل ذلك إلا بتأييد إلهي ، أو ضعيفاً لا يطيق الحجاب عن محبوبه لحظة ؛ ولا يصبر عن مطلوبه ساعة لكمال شوقه ومزيد غرامه :

والصبر يحمد في المواطن كلها *** إلا عليك فإنه مذموم

وكان الشبلي قدس سره يقول : إلهي لا معك قرار ولا منك فرار المستغاث بك إليك .


[242]:- أي القولين اهـ منه.