قوله تعالى : { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } تتميما للإرشاد وذلك لأنه لما قال : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } كان لظان أن يظن أو لمتوهم أن يتوهم أن ذلك عند اختلاف قوم ، فأما إذا كان الاقتتال بين اثنين فلا تعم المفسدة فلا يؤمر بالإصلاح ، وكذلك الأمر بالإصلاح هناك عند الاقتتال ، وأما إذا كان دون الاقتتال كالتشاتم والتسافه فلا يجب الإصلاح فقال : { بين أخويكم } وإن لم تكن الفتنة عامة وإن لم يكن الأمر عظيما كالقتال بل لو كان بين رجلين من المسلمين أدنى اختلاف فاسعوا في الإصلاح .
وقوله { واتقوا الله لعلكم ترحمون } فيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : { إنما المؤمنون إخوة } قال بعض أهل اللغة الأخوة جمع الأخ من النسب والإخوان جمع الأخ من الصداقة ، فالله تعالى قال : { إنما المؤمنون إخوة } تأكيدا للأمر وإشارة إلى أن ما بينهم ما بين الأخوة من النسب والإسلام كالأب ، قال قائلهم :
أبي الإسلام لا أب ( لي ) سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تميم
المسألة الثانية : عند إصلاح الفريقين والطائفتين لم يقل اتقوا ، وقال هاهنا اتقوا مع أن ذلك أهم ؟ نقول الفائدة هو أن الاقتتال بين طائفتين يفضي إلى أن تعم المفسدة ويلحق كل مؤمن منها شيء وكل يسعى في الإصلاح لأمر نفسه فلم يؤكد بالأمر بالتقوى ، وأما عند تخاصم رجلين لا يخاف الناس ذلك وربما يزيد بعضهم تأكد الخصام بين الخصوم لغرض فاسد فقال : { فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله } أو نقول قوله { فأصلحوا } إشارة إلى الصلح ، وقوله { واتقوا الله } إشارة إلى ما يصونهم عن التشاجر ، لأن من اتقى الله شغله تقواه عن الاشتغال بغيره ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده » لأن المسلم يكون منقادا لأمر الله مقبلا على عباد الله فيشغله عيبه عن عيوب الناس ويمنعه أن يرهب الأخ المؤمن ، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم : «المؤمن من يأمن جاره بوائقه » يعني اتق الله فلا تتفرغ لغيره .
المسألة الثالثة : { إنما } للحصر أي لا أخوة إلا بين المؤمنين ، وأما بين المؤمن والكافر فلا ، لأن الإسلام هو الجامع ولهذا إذا مات المسلم وله أخ كافر يكون ماله للمسلمين ولا يكون لأخيه الكافر ، وأما الكافر فكذلك لأن في النسب المعتبر الأب الذي هو أب شرعا ، حتى أن ولدي الزنا من رجل واحد لا يرث أحدهما الآخر ، فكذلك الكفر كالجامع الفاسد فهو كالجامع العاجز لا يفيد الأخوة ، ولهذا من مات من الكفر وله أخ مسلم ولا وارث له من النسب لا يجعل ماله للكفار ، ولو كان الدين يجمعهم لكان مال الكافر للكفار ، كما أن مال المسلم للمسلمين عند عدم الوارث ، فإن قيل قد ثبت أن الأخوة للإسلام أقوى من الأخوة النسبية ، بدليل أن المسلم يرثه المسلمون ولا يرثه الأخ الكافر من النسب ، فلم لم يقدموا الأخوة الإسلامية على الأخوة النسبية مطلقا حتى يكون مال المسلم للمسلمين لا لأخوته من النسب ؟ نقول هذا سؤال فاسد ، وذلك لأن الأخ المسلم إذا كان أخا من النسب فقد اجتمع فيه أخوتان فصار أقوى والعصوبة لمن له القوة ، ألا ترى أن الأخ من الأبوين يرث ولا يرث الأخ من الأب معه فكذلك الأخ المسلم من النسب له أخوتان فيقدم على سائر المسلمين ، والله أعلم .
المسألة الرابعة : قال النحاة ( ما ) في هذا الموضع كافة تكف إن عن العمل ، ولولا ذلك لقيل : إنما المؤمنين إخوة ، وفي قوله تعالى : { فبما رحمة من الله } وقوله { عما قليل } ليست كافة . والسؤال الأقوى هو أن رب من حروف الجر والباء وعن كذلك ، وما في رب كافة وفي عما وبما ليست كافة ، والتحقيق فيه هو أن الكلام بعد ربما وإنما يكون تاما ، ويمكن جعله مستقلا ولو حذف ربما وإنما لم ضر ، فنقول ربما قام الأمير وربما زيد في الدار ، ولو حذفت ربما وقلت زيد في الدار وقام الأمير لصح ، وكذلك في إنما ولكنما ، وأما عما وبما فليست كذلك ، لأن قوله تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم } لو أذهبت بما وقلت رحمة من الله لنت لهم ، لما كان كلاما فالباء يعد تعلقها بما يحتاج إليها فهي باقية حقيقة ، ولكنما وإنما وربما لما استغنى عنها فكأنها لم يبق حكمها ولا عمل للمعدوم ، فإن قيل إن إذا لم تكف بما فما بعده كلام تام ، فوجب أن لا يكون له عمل تقول إن زيدا قائم ولو قلت زيد قائم لكفى وتم ؟ نقول : ليس كذلك لأن ما بعد إن جاز أن يكون نكرة ، تقول إن رجلا جاءني وأخبرني بكذا وأخبرني بعكسه ، وتقول جاءني رجل وأخبرني ، ولا يحسن إنما رجل جاءني كما لو لم تكن هناك إنما ، وكذلك القول في بينما وأينما فإنك لو حذفتهما واقتصرت على ما يكون بعدهما لا يكون تاما فلم يكف ، والكلام في لعل قد تقدم مرارا .
{ إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ } استئناف مقرر لما قبله من الأمر بالإصلاح ، وإطلاق الأخوة على المؤمنين من باب التشبيه البليغ وشبهوا بالأخوة من حيث انتسابهم إلى أصل واحد وهو الإيمان الموجب للحياة الأبدية ، وجوز أن يكون هناك استعارة وتشبه المشاركة في الإيمانب المشاركة في أصل التوالد لأن كلاً منهما أصل للبقاء إذ التوالد منشأ الحياة والإيمان منشأ البقاء الأبدي في الجنان ، والفاء في قوله تعالى : { فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } للإيذان بأن الأخوة الدينية موجبة للإصلاح ، ووضع الظاهر موضع الضمير مضافاً للمأمورين للمبالغة في تأكيد وجوب الإصلاح والتحضيض عليه ، وتخصيص الاثنين بالذكر لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوق ذلك بطريق الأولوية لتضاعف الفتنة والفساد فيه ، وقيل : المراد بالأخوين الأوس . والخزرج اللتان نزلت فيهما الآية سمي كلاً منهما أخاً لاجتماعهم في الجد الأعلى . وقرأ زيد بن ثابت . وابن مسعود . والحسن بخلاف عنه { إخوانكم } جمعاً على وزن غلمان .
وقرأ ابن سيرين { أخواتكم } جمعاً على وزن غلمة ، وروى عبد الوارث عن أبي عمرو القراآت الثلاث ، قال أبو الفتح : وقراءة الجمع تدل على أن قراءة الجمهور لفظها لفظ التثنية ومعناها الجماعة أي كل اثنين فصاعداً من المسلمين اقتتلا ، والإضافة لمعنى الجنس نحو لبيك وسعديك ، ويغلب الاخوان في الصداقة والأخوة في النسب وقد يستعمل كل منهما مكان الآخر { واتقوا الله } في كل ما تأتون وما تذرون من الأمور التي من جملتها ما أمرتم به من الإصلاح ، والظاهر أن هذا عطف على { فَأَصْلِحُواْ } وقال الطيبي : هو تذييل للكلام كأنه قيل : هذا الإصلاح من جملة التقوى فإذا فعلتم التقوى دخل فيه هذا التواصل ، ويجوز أن يكون عطفاً على { فَأَصْلِحُواْ } أي واصلوا بين أخويكم بالصلح واحذروا الله تعالى من أن تتهاونوا فيه { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أي لأجل أن ترحموا على تقواكم أو راجين أن ترحموا عليها .
ومن باب الإشارة : { إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } [ الحجرات : 10 ] إشارة إلى رعاية حق الأخوة الدينية ومنشأ نطفها صلب النبوة وحقيقتها نور الله تعالى فإصلاح ذات بينهم برفع حجب استار البشرية عن وجوه القلوب ليتصل النور بالنور من روزنة القلب فيصيروا كنفس واحدة
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.