مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ} (9)

قوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين } .

لما حذر الله المؤمنين من النبأ الصادر من الفاسق ، أشار إلى ما يلزم منه استدراكا لما يفوت ، فقال فإن اتفق أنكم تبنون على قول من يوقع بينكم ، وآل الأمر إلى اقتتال طائفتين من المؤمنين ، فأزيلوا ما أثبته ذلك الفاسق وأصلحوا بينهما { فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي } أي الظالم يجب عليكم دفعه عنه ، ثم إن الظالم إن كان هو الرعية ، فالواجب على الأمير دفعهم ، وإن كان هو الأمير ، فالواجب على المسلمين منعه بالنصيحة فما فوقها ، وشرطه أن لا يثير فتنة مثل التي في اقتتال الطائفتين أو أشد منهما ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قوله تعالى : { وإن } إشارة إلى ندرة وقوع القتال بين طوائف المسلمين ، فإن قيل فنحن نرى أكثر الاقتتال بين طوائفهم ؟ نقول قوله تعالى : { وإن } إشارة إلى أنه ينبغي أن لا يقع إلا نادرا ، غاية ما في الباب أن الأمر على خلاف ما ينبغي ، وكذلك { إن جاءكم فاسق بنبإ } إشارة إلى أن مجيء الفاسق بالنبأ ينبغي أن يقع قليلا ، مع أن مجيء الفاسق بالنبأ كثير ، وقول الفاسق صار عند أولي الأمر أشد قبولا من قول الصادق الصالح .

المسألة الثانية : قال تعالى : { وإن طائفتان } ولم يقل وإن فرقتان تحقيقا للمعنى الذي ذكرناه وهو التقليل ، لأن الطائفة دون الفرقة ، ولهذا قال تعالى : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } .

المسألة الثالثة : قال تعالى : { من المؤمنين } ولم يقل منكم ، مع أن الخطاب مع المؤمنين لسبق قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإ } تنبيها على قبح ذلك وتبعيدا لهم عنهم ، كما يقول السيد لعبده : إن رأيت أحدا من غلماني يفعل كذا فامنعه ، فيصير بذلك مانعا للمخاطب عن ذلك الفعل بالطريق الحسن ، كأنه يقول : أنت حاشاك أن تفعل ذلك ، فإن فعل غيرك فامنعه ، كذلك هاهنا قال : { وإن طائفتان من المؤمنين } ولم يقل منكم لما ذكرنا من التنبيه مع أن المعنى واحد .

المسألة الرابعة : قال تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } ولم يقل : وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين ، مع أن كلمة { إن } اتصالها بالفعل أولى ، وذلك ليكون الابتداء بما يمنع من القتال ، فيتأكد معنى النكرة المدلول عليها بكلمة { إن } وذلك لأن كونهما طائفتين مؤمنتين يقتضي أن لا يقع القتال منهما ، فإن قيل فلم لم يقل : يا أيها الذين آمنوا إن فاسق جاءكم ، أو إن أحد من الفساق جاءكم ، ليكون الابتداء بما يمنعهم من الإصغاء إلى كلامه ، وهو كونه فاسقا ؟ نقول المجيء بالنبأ الكاذب يورث كون الإنسان فاسقا ، أو يزداد بسببه فسقه ، فالمجيء به سبب الفسق فقدمه . وأما الاقتتال فلا يقع سببا للإيمان أو الزيادة ، فقال : { إن جاءكم فاسق } أي سواء كان فاسقا أو لا أو جاءكم بالنبأ فصار فاسقا به ، ولو قال : وإن أحد من الفساق جاءكم ، كان لا يتناول إلا مشهور الفسق قبل المجيء إذا جاءهم بالنبأ .

المسألة الخامسة : قال تعالى : { اقتتلوا } ولم يقل : يقتتلوا ، لأن صيغة الاستقبال تنبئ عن الدوام والاستمرار ، فيفهم منه أن طائفتين من المؤمنين إن تمادى الاقتتال بينهما فأصلحوا ، وهذا لأن صيغة المستقبل تنبئ عن ذلك ، يقال فلان يتهجد ويصوم .

المسألة السادسة : قال : { اقتتلوا } ولم يقل اقتتلا ، وقال : { فأصلحوا بينهما } ولم يقل بينهم ، ذلك لأن عند الاقتتال تكون الفتنة قائمة ، وكل أحد برأسه يكون فاعلا فعلا ، فقال : { اقتتلوا } وعند العود إلى الصلح تتفق كلمة كل طائفة ، وإلا لم يكن يتحقق الصلح فقال : { بينهما } لكون الطائفتين حينئذ كنفسين .

ثم قال تعالى : { فإن بغت إحداهما } إشارة إلى نادرة أخرى وهي البغي ، لأنه غير متوقع ، فإن قيل كيف يصح في هذا الموضع كلمة { إن } مع أنها تستعمل في الشرط الذي لا يتوقع وقوعه ، وبغي أحدهما عند الاقتتال لا بد منه ، إذ كل واحد منهما لا يكون محسنا ، فقوله { إن } تكون من قبيل قول القائل : إن طلعت الشمس ، نقول فيه معنى لطيف ، وهو أن الله تعالى يقول : الاقتتال بين طائفتين لا يكون إلا نادر الوقوع ، وهو كما تظن كل طائفة أن الأخرى فيها الكفر والفساد ، فالقتال واجب كما سبق في الليالي المظلمة ، أو يقع لكل واحد أن القتال جائز بالاجتهاد ، وهو خطأ ، فقال تعالى : الاقتتال لا يقع إلا كذا ، فإن بان لهما أو لأحدهما الخطأ واستمر عليه فهو نادر ، وعند ذلك يكون قد بغى فقال : { فإن بغت إحداهما على الأخرى } يعني بعد استبانة الأمر ، وحينئذ فقوله { فإن بغت } في غاية الحسن لأنه يفيد الندرة وقلة الوقوع ، وفيه أيضا مباحث ( الأول ) قال : { فإن بغت } ولم يقل فإن تبغ لما ذكرنا في قوله تعالى : { اقتتلوا } ولم يقل يقتتلوا ( الثاني ) قال : { حتى تفيء } إشارة إلى أن القتال ليس جزاء للباغي كحد الشرب الذي يقام وإن ترك الشرب ، بل القتال إلى حد الفيئة ، فإن فاءت الفئة الباغية حرم قتالهم ( الثالث ) هذا القتال لدفع الصائل ، فيندرج فيه وذلك لأنه لما كانت الفيئة من إحداهما ، فإن حصلت من الأخرى لا يوجد البغي الذي لأجله حل القتال ( الرابع ) هذا دليل على أن المؤمن بالكبيرة لا يخرج عن كونه مؤمنا لأن الباغي جعله من إحدى الطائفتين وسماهما مؤمنين ( الخامس ) قوله تعالى : { إلى أمر الله } يحتمل وجوها ( أحدها ) إلى طاعة الرسول وأولي الأمر لقوله تعالى : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } . ( وثانيها ) إلى أمر الله ، أي إلى الصلح فإنه مأمور به يدل عليه قوله تعالى : { وأصلحوا ذات بينكم } ، ( ثالثها ) إلى أمر الله بالتقوى ، فإن من خاف الله حق الخوف لا يبقى له عداوة إلا مع الشيطان كما قال تعالى : { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } ، ( السادس ) لو قال قائل قد ذكرتم ما يدل على كون الشرط غير متوقع الوقوع وقلتم بأن القتال والبغي من المؤمن نادر ، فإذن تكون الفئة متوقعة فكيف قال : { فإن فاءت } ؟ نقول قول القائل لعبده : إن مت فأنت حر ، مع أن الموت لا بد من وقوعه ، لكن لما كان وقوعه بحيث يكون العبد محلا للعتق بأن يكون باقيا في ملكه حيا يعيش بعد وفاته غير معلوم فكذلك هاهنا لما كان الواقع فيئتهم من تلقاء أنفسهم فلما لم يقع دل على تأكيد الأخذ بينهم فقال تعالى : { فإن فاءت } بقتالكم إياهم بعد اشتداد الأمر والتحام الحرب فأصلحوا ، وفيه معنى لطيف وهو أنه تعالى أشار إلى أن من لم يخف الله وبغى لا يكون رجوعه بقتالكم إلا جبرا ( السابع ) قال هاهنا : { فأصلحوا بينهما بالعدل } ولم يذكر العدل في قوله { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا } نقول لأن الإصلاح هناك بإزالة الاقتتال نفسه ، وذلك يكون بالنصيحة أو التهديد والزجر والتعذيب ، والإصلاح هاهنا بإزالة آثار القتل بعد اندفاعه من ضمان المتلفات وهو حكم فقال : { بالعدل } فكأنه قال : واحكموا بينهما بعد تركهما القتال بالحق وأصلحوا بالعدل مما يكون بينهما ، لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة بينهما مرة أخرى ( الثامن ) إذا قال : { فأصلحوا بينهما بالعدل } فأية فائدة في قوله { وأقسطوا } نقول قوله فأصلحوا بينهما بالعدل كان فيه تخصيص بحال دون حال فعمم الأمر بقوله { وأقسطوا } أي في كل أمر مفض إلى أشرف درجة وأرفع منزلة وهي محبة الله ، والإقساط إزالة القسط وهو الجور والقاسط هو الجائر ، والتركيب دال على كون الأمر غير مرضي من القسط والقاسط في القلب وهو أيضا غير مرضي ولا معتد به فكذلك القسط .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ} (9)

{ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } أي تقاتلوا ، وكان الظاهر اقتتلتا بضمير التثنية كما في قوله تعالى : { فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } أي بالنصح وإزالة الشبهة إن كانت والدعاء إلى حكم الله عز وجل ، والعدول إلى ضمير الجمع لرعاية المعنى فإن كل طائفة من الطائفتين جماعة فقد روعي في الطائفتين معناهما أولاً ولفظهما ثانياً على عكس المشهور في الاستعمال ، والنكتة في ذلك ما قيل : إنهم أولاً في حال القتال مختلطون فلذا جمع أولاً ضميرهم وفي حال الصلح متميزون متفارقون فلذا ثني الضمير . وقرأ ابن أبي عبلة { اقتتلتا } بضمير التثنية والتأنيث كما هو الظاهر . وقرأ زيد بن علي . وعبيد بن عمير { اقتتلا } بالتثنية والتذكير باعتبار أن الطائفتين فريقان { فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا } تعدت وطلبت العلو بغير الحق { على الاخرى } ولم تتأثر بالنصيحة { فقاتلوا التي تَبْغِى حتى تَفِىء } أي ترجع { إلى أَمْرِ الله } أي إلى حكمه أو إلى ما أمر سبحانه به وقرأ الزهري حتى { تفي } بغير همز وفتح الياء وهو شاذ كما قالوا في مضارع جاء يجيء بغير همز فإذا أدخلوا الناصب فتحوا الياء أجروه مجرى بفي مضارع وفي شذوذاً ، وفي تعليق القتال بالموصول للإشارة إلى علية ما في حيز الصلة أي فقاتلوها لبغيها { فَإِن فَاءتْ } أي رجعت إلى أمره تعالى وأقلعت عن القتال حذراً من قتالكم { فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بالعدل } بفصل ما بينهما على حكم الله تعالى ولا تكتفوا بمجرد متاركتهما عسى أن يكون بينهما قتال في وقت آخر ، وتقييد الإصلاح هنا بالعدل لأنه مظنة الحيف لوقوعه بعد المقاتلة وقد أكد ذلك بقوله تعالى : { وَأَقْسِطُواْ } أي اعدلوا في كل ما تأتون وما تذرون { إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } فيجازيهم أحسن الجزاء . وفي «الكشاف » في الإصلاح بالعدل والقسط تفاصيل ، إن كانت الباغية من قلة العدد بحيث لا منعة لها ضمنت بعد الفيئة ما جنت ، وإن كانت كثيرة ذات منعة وشوكة لم تضمن إلا عند محمد بن الحسن فإنه كان يفتي بأن الضمان يلزمها إذا فاءت ، وأما قبل التجمع والتجند أو حين تتفرق عند وضع الحرب أوزارها فما جنته ضمنته عند الجميع فمحمل الإصلاح بالعدل على مذهب محمد واضح منطبق على لفظ التنزيل ، وعلى قول غيره وجهه أن يحمل على كون الفئة قليلة العدد ، والذي ذكروا من أن الفرض إماتة الضغائن وسل الأحقاد دون ضمان الجنايات ليس بحسن الطباق للمأمور به من أعمال العدل ومراعاة القسط . قال في «الكشف » ، لأن ما ذكروه من إماتة الأضغان داخل في قوله تعالى : { فَإِن فَاءتْ } لأنه من ضرورات التوبة ، فأعمال العدل والقسط إنما يكون في تدارك الفرطات ثم قال : والأولى على قول الجمهور أن يقال : الإصلاح بالعدل أنه لا يضمن من الطرفين فإن الباغي معصوم الدم والمال مثل العادل لاسيما وقد تاب فكما لا يضمن العادل المتلف لا يضمنه الباغي الفائي ، هذا مقتضى العدل لا تخصيص الضمان بطرف دون آخر .

والآية نزلت في قتال وقع بين الأوس والخزرج . أخرج أحمد . والبخاري . ومسلم . وابن جرير . وابن المنذر . وابن مردويه . والبيهقي في سننه عن أنس قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبي فانطلق إليه وركب حماراً وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة فلما انطلق إليه قال : إليك عني فوالله لقد آذاني ريح حمارك فقال رجل من الأنصار : والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله رجال من قومه فغضب لكل منهما أصحابه فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال فأنزل الله تعالى فيهم : { وَإِن طَائِفَتَانِ } الآية ، وفي رواية أن النبي عليه الصلاة والسلام كان متوجهاً إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه فمر على عبد الله بن أبي بن سلول فقال ما قال فرد عليه عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه فتعصب لكل أصحابه فتقاتلوا فنزلت فقرأها صلى الله عليه وسلم عليهم فاصطلحوا وكان ابن روحة خزرجياً وابن أبي أوسيا .

/ وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم عن السدي قال : كان رجل من الأنصار يقال له عمران تحته امرأة يقال لها أم زيد وأنها أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها وجعلها في علية له لا يدخل عليها أحد من أهلها وأن المرأة بعثت إلى أهلها فجاء قومها فأنزلوها لينطلقوا بها وكان الرجل قد خرج فاستعان أهله فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وأهلها فتدافعوا اجتلدوا بالنعال فنزلت فيهم هذه الآية : { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم وفاءوا إلى أمر الله عز وجل ، والخطاب فيها على ما في «البحر » لمن له الأمر وروي ذلك عن ابن عباس وهو للوجوب فيجب الإصلاح ويجب قتال الباغية ما قاتلت وإذا كفت وقبضت عن الحرب تركت ، وجاء في حديث رواه الحاكم . وغيره حكمها إذا تولت قال عليه الصلاة والسلام : " يا ابن أم عبد هل تدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة ؟ قال : الله تعالى ورسوله أعلم قال : لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيؤها " وذكروا أن الفئتين من المسلمين إذا اقتتلا على سبيل البغي منهما جميعاً فالواجب أن يمشي بينهما بما يصلح ذات البين ويثمر المكافة والموادعة فإن لم يتحاجزا ولم يصطلحا وأقاما على البغي صيراً إلى مقاتلتهما ، وأنهما إذا التحم بينهما القتال لشبهة دخلت عليهما وكلتاهما عند أنفسهما محقة فالواجب إزالة الشبهة بالحجج النيرة والبراهين القاطعة وإطلاعهما على مراشد الحق فإن ركبتا متن اللجاج ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا به من اتباع الحق بعد وضوحه فقد لحقتا باللتين اقتتلا على سبيل البغي منهما جميعاً ، والتصدي لإزالة الشبهة في الفئة الباغية إن كانت لازم قبل المقاتلة ، وقيل : الخطاب لمن يتأتى منه الإصلاح ومقاتلة الباغي فمتى تحقق البغي من طائفة كان حكم إعانة المبغي عليه حكم الجهاد ، فقد أخرج الحاكم وصححه .

والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال : ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت في نفسي من هذه الآية يعني { وَإِن طَائِفَتَانِ } الخ إني لم أقاتل هذه الفئة بالباغية كما أمرني الله تعالى يعني بها معاوية ومن معه الباغين على علي كرم الله تعالى وجهه ، وصرح بعض الحنابلة بأن قتال الباغين أفضل من الجهاد احتجاجاً بأن علياً كرم الله تعالى وجهه اشتغل في زمان خلافته بقتالهم دون الجهاد ، والحق أن ذلك ليس على إطلاقه بل إذا خشي من ترك قتالهم مفسدة عظيمة دفعها أعظم من مصلحة الجهاد ، والحق أن ذلك ليس على إطلاقه بل إذا خشي من ترك قتالهم مفسدة عظيمة دفعها أعظم من مصلحة الجهاد ، وظاهر الآية أن الباغي مؤمن لجعل الطائفتين الباغية والمبغي عليها من المؤمنين . نعم الباغي على الإمام ولو جائراً فاسق مرتكب لكبيرة إن كان بغيه بلا تأويل أو بتأويل قطعي البطلان . والمعتزلة يقولون في مثله : إنه فاسق مخلد في النار أن مات بلا توبة ، والخوارج يقولون : إنه كافر ، والإمامية أكفروا الباغي على علي كرم الله تعالى وجهه المقاتل له واحتجوا بما روي من قوله صلى الله عليه وسلم له : «حربك حربي » وفيه بحث . وقرأ ابن مسعود { حتى يفيئوا إلى أمر الله فغن فاؤوا فخذوا بَيْنَهُم بالقسط } .

ومن باب الإشارة : ويشير قوله تعالى : { فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الاخرى فقاتلوا التي تَبْغِى حتى تَفِىء إلى أَمْرِ الله } [ الحجرات : 9 ] إلى أن النفس إذا ظلمت القلب باستيلاء شهواتها يجب أن تقاتل حتى تثخن بالجراحة بسيوف المجاهدة فإن استجابت بالطاعة عفى عنها لأنها هي المطية إلى باب الله عز وجل