مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ} (102)

ثم قال تعالى : { قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين } قال المفسرون : يعني قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وقوم موسى قالوا : { أرنا الله جهرة } فصار ذلك وبالا عليهم ، وبنو إسرائيل { قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله } قال تعالى : { فما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم } و{ قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه } فسألوها ثم كفروا بها ، وقوم عيسى سألوا المائدة ثم كفروا بها ، فكأنه تعالى يقول أولئك سألوا فلما أعطوا سؤالهم ساءهم ذلك فلا تسألوا عن أشياء فلعلكم إن أعطيتم سؤلكم ساءكم ذلك فإن قيل : إنه تعالى قال : أولا { لا تسألوا عن أشياء } ثم قال هاهنا : { قد سألها قوم من قبلكم } وكان الأولى أن يقول : قد سأل عنها قوم فما السبب في ذلك .

قلنا الجواب من وجهين : الأول : أن السؤال عن الشيء عبارة عن السؤال عن حالة من أحواله ، وصفة من صفاته ، وسؤال الشيء عبارة عن طلب ذلك الشيء في نفسه ، يقال : سألته درهما أي طلبت منه الدرهم ويقال : سألته عن الدرهم أي سألته عن صفة الدرهم وعن نعته ، فالمتقدمون إنما سألوا من الله إخراج الناقة من الصخرة ، وإنزال المائدة من السماء ، فهم سألوا نفس الشيء ، وأما أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فهم ما سألوا ذلك ، وإنما سألوا عن أحوال الأشياء وصفاتها ، فلما اختلف السؤالان في النوع ، اختلفت العبارة أيضا إلا أن كلا القسمين يشتركان في وصف واحد ، وهو أنه خوض في الفضول ، وشروع فيما لا حاجة إليه ، وفيه خطر المفسدة ، والشيء الذي لا يحتاج إليه ويكون فيه خطر المفسدة ، يجب على العاقل الاحتراز عنه ، فبين تعالى أن قوم محمد عليه السلام في السؤال عن أحوال الأشياء مشابهون لأولئك المتقدمين في سؤال تلك الأشياء في كون كل واحد منهما فضولا وخوضا فيما لا فائدة فيه .

الوجه الثاني : في الجواب أن الهاء في قوله { قد سألها } غير عائدة إلى الأشياء التي سألوا عنها ، بل عائدة إلى سؤالاتهم عن تلك الأشياء ، والتقدير : قد سأل تلك السؤالات الفاسدة التي ذكرتموها قوم من قبلكم ، فلما أجيبوا عنها أصبحوا بها كافرين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ} (102)

{ قَدْ سَأَلَهَا } أي المسألة فالضمير في موقع المصدر لا المفعول به ، والمراد سأل مثلها في كونها محظورة ومستتبعة للوبال { قَوْمٌ } وعدم التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير ، وجوز أن يكون الضمير للأشياء على تقدير المضاف أيضاً فالضمير في موقع المفعول به وذلك من باب الحذف والإيصال والمراد سأل عنها ، وقيل : لا حاجة إلى جعله من ذلك الباب لأن السؤال هنا استعطاء وهو يتعدى بنفسه كقولك : سألته درهماً بمعنى طلبته منه لا استخبار كما في صدر الآية ، واختلف في تعيين القوم . فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه هم قوم عيسى عليه الصلاة والسلام سألوه إنزال المائدة ثم كفروا بها ، وقيل : هم قوم صالح عليه السلام سألوه الناقة ثم عقروها وكفروا بها ، وقيل : هم قوم موسى عليه السلام سألوه أن يريهم الله تعالى جهرة أو سألوه بيان البقرة . وعن مقاتل هم بنو إسرائيل مطلقاً كانوا يسألون أنبياءهم عن أشياء فإذا أخبروهم كذبوهم . وعن السدي هم قريش سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يحول الصفا ذهباً ، وقال الجبائي : كانوا يسألونه صلى الله عليه وسلم عن أنسابهم فإذا أخبرهم عليه الصلاة والسلام لم يصدقوا ويقولوا : ليس الأمر كذلك ، ولا يخفى عليك الغث والسمين من هذه الأقوال وأن بعضها يؤيد حمل السؤال على الاستعطاء وبعضها يؤيد حمله على الاستخبار ، والحمل على الاستخبار أولى ، وإلى تعينه ذهب بعض العلماء .

{ مِن قَبْلِكُمْ } متعلق بسألها ، وجوز كونه متعلقاً بمحذوف وقع صفة لقوم ، واعترض بأن ظرف الزمان لا يكون صفة الجثة ولا حالاً منها ولا خبراً عنها ، وأجيب بأن التحقيق أن هذا مشروط إذا عدمت الفائدة أما إذا حصلت فيجوز كما إذا أشبهت الجثة المعنى في تجددها ووجودها وقتاً دون وقت نحو الليلة الهلال بخلاف زيد يوم السبت وما نحن فيه مما فيه فائدة لأن القوم لا يعلم هل هم ممن مضى أم لا ؟ وقال أبو حيان وهو تحقيق بديع غفلوا عنه : «هذا المنع إنما هو في الزمان ( ظرف ) المجرد عن الوصف أما إذا تضمن وصفاً فيجوز كقبل وبعد فإنهما وصفان في الأصل فإذا قلت جاء زيد قبل عمرو فالمعنى جاء في زمان قبل زمان مجيئه أي متقدم عليه ولذا وقع صلة للموصول ، ولو لم يلحظ فيه الوصف وكان ظرف زمان مجرد لم يجز أن يقع صلة ولا صفة . قال تعالى : { والذين مِن قَبْلِكُمْ } [ البقرة : 21 ] ولا يجوز والذين اليوم » وما نحن فيه من المتضمن لا المجرد وهو ظاهر ، وما قيل من أنه ليس من المتنازع فيه في شيء لأن الواقع صفة هو الجار والمجرور لا الظرف نفسه ليس بشيء لأن دخول الجار عليه إذا كان من أول في لا يخرجه عن كونه في الحقيقة هو الصفة أو نحوها فليفهم .

{ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا } أي بسببها ، وهو متعلق بقوله سبحانه وتعالى : { كافرين } قدم عليه رعاية للفواصل . وقرأ أبي ( قد سألها قوم بينت لهم فأصبحوا بها كافرين ) .