مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (101)

قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } في الآية مسائل :

المسألة الأولى : في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال : { ما على الرسول إلا البلاغ } صار التقدير كأنه قال ، ما بلغه الرسول إليكم فخذوه ، وكونوا منقادين له ، وما لم يبلغه الرسول إليك فلا تسألوا عنه ، ولا تخوضوا فيه ، فإنكم إن خضتم فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما يثقل عليكم ويشق عليكم . الثاني : أنه تعالى لما قال : { ما على الرسول إلا البلاغ } وهذا ادعاء منه للرسالة ، ثم إن الكفار كانوا يطالبونه بعد ظهور المعجزات ، بمعجزات أخر على سبيل التعنت كما قال تعالى حاكيا عنهم { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } إلى قوله { قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } والمعنى إني رسول أمرت بتبليغ الرسالة والشرائع والأحكام إليكم ، والله تعالى قد أقام الدلالة على صحة دعواي في الرسالة بإظهار أنواع كثيرة من المعجزات ، فبعد ذلك طلب الزيادة من باب التحكم وذلك ليس في وسعي ولعل إظهارها يوجب ما يسوءكم مثل أنها لو ظهرت فكل من خالف بعد ذلك استوجب العقاب في الدنيا ، ثم إن المسلمين لما سمعوا الكفار يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المعجزات ، وقع في قلوبهم ميل إلى ظهورها فعرفوا في هذه الآية أنهم لا ينبغي أن يطلبوا ذلك فربما كان ظهورها يوجب ما يسوءهم .

الوجه الثالث : أن هذا متصل بقوله : { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أحوال مخفية إن تبد لكم تسؤكم .

المسألة الثانية : أشياء جمع شيء وأنها غير متصرفة وللنحويين في سبب امتناع الصرف وجوه الأول : قال الخليل وسيبويه : قولنا شيء جمعه في الأصل شياء على وزن فعلاء فاستثقلوا اجتماع الهمزتين في آخره ، فنقلوا الهمزة الأولى التي هي لام الفعل إلى أول الكلمة فجاءت لفعاء ، وذلك يوجب منع الصرف لثلاثة أوجه ، واحد منها مذكور ، وإثنان خطرا ببالي .

أما الأول : وهو المذكور فهو أن الكلمة لما كانت في الأصل على وزن فعلاء ، مثل حمراء ، لا جرم لم تنصرف كما لم ينصرف حمراء ، والثاني : أنها لما كانت في الأصل شياء ثم جعلت أشياء كان ذلك تشبيها بالمعدول كما في عامر وعمر ، وزافر وزفر ، والعدل أحد أسباب منع الصرف . الثالث : وهو إنا لما قطعنا الحرف الأخير منه وجعلناه أوله ، والكلمة من حيث أنها قطع منها الحرف الأخير صارت كنصف الكلمة ، ونصف الكلمة لا يقبل الإعراب ، ومن حيث إن ذلك الحرف الذي قطعناه منها ما حذفناه بالكلية ، بل ألصقناه بأولها ، كانت الكلمة كأنها باقية بتمامها ، فلا جرم منعناه بعض وجوه الإعراب دون البعض ، تنبيها على هذه الحالة ، فهذا ما خطر بالبال في هذا المقام .

الوجه الثاني : في بيان السبب في منع الصرف ما ذكره الأخفش والفراء : وهو أن أشياء وزنه أفعلاء ، كقوله أصدقاء وأصفياء ، ثم إنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فقدموا الهمزة ، فلما كان أشياء في الأصل أشيياء على وزن أصدقاء وأفعلاء ، وكان ذلك مما لا يجري فيه الصرف ، فكذا هاهنا .

الوجه الثالث : ما ذكره الكسائي : وهو أن أشياء على وزن أفعال ، إلا أنهم لم يصرفوه لكونه شبيها في الظاهر بحمراء وصفراء ، وألزمه الزجاج أن لا ينصرف أسماء وأبناء ، وعندي أن سؤال الزجاج ليس بشيء ، لأن للكسائي أن يقول : القياس يقتضي ذلك في أبناء وأسماء ، إلا أنه ترك العمل به للنص ، لأن النص أقوى من القياس ، ولم يوجد النص في لفظ أشياء فوجب الجري فيه على القياس ، ولأن المحققين من النحويين اتفقوا على أن العلل النحوية لا توجب الاطراد ، ألا ترى أنا إذا قلنا الفاعلية توجب الرفع ، لزمنا أن نحكم بحصول الرفع في جميع المواضع ، كقولنا جاءني هؤلاء وضربني هذا بل نقول : القياس ذلك فيعمل به ، إلا إذا عارضه نص فكذا القول فيما أورده الزجاج على الكسائي .

المسألة الثالثة : روى أنس أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأكثروا المسألة ، فقام على المنبر فقال : «سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به » فقام عبد الله ابن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه ، فقال يا نبي الله من أبي فقال : «أبوك حذافة بن قيس » وقال سراقة بن مالك ويروي عكاشة بن محصن يا رسول الله : الحج علينا في كل عام فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد مرتين أو ثلاثة ، فقال عليه الصلاة والسلام : «ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لتركتم ، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه » وقام آخر فقال : يا رسول الله أين أبي فقال «في النار » ولما اشتد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم قام عمر وقال : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا فأنزل الله تعالى هذه الآية .

واعلم أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتبت عليه تكاليف شاقة صعبة فالأولى بالعاقل أن يسكت عما لا تكليف عليه فيه ، ألا ترى أن الذي سأل عن أبيه فإنه لم يأمن أن يلحقه الرسول عليه الصلاة والسلام بغير أبيه فيفتضح ، وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه : «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من كان سببا لتحريم حلال » إذ لم يؤمن أن يقول في الحج إيجاب في كل عام وكان عبيد بن عمير يقول : إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوه ، وما حرم فاجتنبوه ، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها ، فذلك عفو من الله تعالى ، ثم يتلو هذه الآية وقال أبو ثعلبة الخشني : إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها .

ثم قال تعالى : { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } وفيه وجوه : الأول : أنه بين بالآية الأولى أن تلك الأشياء التي سألوا عنها أن أبديت لهم ساءتهم ثم بين بهذه الآية أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، فكان حاصل الكلام أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، وإن أبديت لهم ساءتهم ، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرهم . والوجه الثاني : في تأويل الآية أن السؤال على قسمين . أحدهما : السؤال عن شيء لم يجز ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه ، فهذا السؤال منهي عنه بقوله { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } .

والنوع الثاني من السؤال : السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فهاهنا السؤال واجب ، وهو المراد بقوله { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } والفائدة في ذكر هذا القسم أنه لما منع في الآية الأولى من السؤال أوهم أن جميع أنواع السؤال ممنوع منه فذكر ذلك تمييزا لهذا القسم عن ذلك القسم .

فإن قيل قوله { وإن تسألوا عنها } هذا الضمير عائد إلى الأشياء المذكورة في قوله { لا تسألوا عن أشياء } فكيف يعقل في { أشياء } بأعيانها أن يكون السؤال عنها ممنوعا وجائزا معا .

قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعا قبل نزول القرآن بها ومأمورا به بعد نزول القرآن بها ، والثاني : أنهما وإن كانا نوعين مختلفين ، إلا أنهما في كون كل واحد منهما مسؤولا عنه شيء واحد ، فلهذا الوجه حسن اتحاد الضمير وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين .

الوجه الثالث في تأويل الآية : إن قوله { لا تسألوا عن أشياء } دل على سؤالاتهم عن تلك الأشياء ، فقوله { وإن تسألوا عنها } أي وإن تسألوا عن تلك السؤالات حين ينزل القرآن يبين لكم أن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا ، والحاصل أن المراد من هذه الآية أنه يجب السؤال أولا ، وأنه هل يجوز السؤال عن كذا وكذا أم لا .

ثم قال تعالى : { عفا الله عنها } وفيه وجوه : الأول : عفا الله عما سلف من مسائلكم وإغضابكم للرسول بسببها ، فلا تعودوا إلى مثلها . الثاني : أنه تعالى ذكر أن تلك الأشياء التي سألوا عنها إن أبديت لهم ساءتهم ، فقال { عفا الله عنها } يعني عما ظهر عند تلك السؤالات مما يسؤكم ويثقل ويشق في التكليف عليكم . الثالث : في الآية تقديم وتأخير ، والتقدير : لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها في الآية { إن تبد لكم تسؤكم } وهذا ضعيف لأن الكلام إذا استقام من غير تغيير النظم لم يجز المصير إلى التقديم والتأخير ، وعلى هذا الوجه فقوله { عفا الله عنها } أي أمسك عنها وكف عن ذكرها ولم يكلف فيها بشيء ، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام : «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق » أي خففت عنكم بإسقاطها .

ثم قال تعالى : { والله غفور حليم } وهذه الآية تدل على أن المراد من قوله عفا الله عنها ما ذكرناه في الوجه الأول .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (101)

{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء } ظاهر اللفظ كما قال ابن يعيش يقضي بكونها جمع شيء لأن فعلاً إذا كان متعل العين يجمع في القلة على أفعال نحو بيت وأبيات وشيخ وأشياخ إلا أنهم رأوها غير مصروفة في حال التنكير كما هنا فتشعبت آراء الجماعة فيها فذهب سيبويه والخليل إلى أن الهمزة للتأنيث وأن الكلمة اسم مفرد يراد به الجمع نحو الحلفاء والظرفاء فأشياء في الأصل شيئاء بهمزتين بينهما ألف فقدمت الهمزة الأولى التي هي لام الكلمة على الفاء لاستثقال همزتين بينهما ألف قبلهما حرف علة وهو الياء والهمزة الثانية زائدة للتأنيث ولذلك لا تنصرف ووزنها لفعاء ، وقصارى ما في هذا المذهب القلب وهو كثير في كلامهم ارتكبوه مع عدم الثقل كما في أينق وقسي ونحوهما فارتكابه مع الثقل أولى فلا يضر الاعتراض بأنه خلاف الأصل . وذهب الفراء إلى أنها جمع شيء بياء مشددة وهمزة بوزن هين ولين إلا أنهم خففوه فقالوا شيء كميت في ميت وبعد التخفيف جمعوه على أشياء بهمزتين بينهما ألف بعد ياء بزنة افعلاء فاجتمعت همزتان إحداهما لام الكلمة والأخرى للتأنيث فخففوا ذلك بقلب الهمزة الأولى ياء ثم حذفوا الياء الأولى التي هي عين الكلمة فصار وزنه افعلاء ، وقيل : في تصريف هذا المذهب أنهم حذفوا الهمزة التي هي لام الكلمة لأن الثقل حصل بها فوزنها افعاء ومنع الصرف لهمزة التأنيث . واستحسن هذا المذهب لو كان على أن أصل شيء بالتخفيف شيء بالتشديد دليل ، وذهب الأخفش إلى أنها جمع شيء بوزن فلس وأصلها أشيئاء بهمزتين بينهما ألف بعد ياء ثم عمل فيه ما مر . ورده الزجاج بأن فعلاً لا يجمع على افعلاء ، وناظر أبو عثمان المازني الأخفش في هذه المسألة كما قال أبو علي في «التكملة » فقال : كيف تصغر أشياء قال أقول أشيآء فقال المازني : هلا رددتها إلى الواحد فقلت شييئات لأن أفعلاء لا تصغر فلم يأت بمقنع انتهى . وأراد أن أفعلاء من أمثلة الكثرة وجموع الكثرة لا تصغر على ألفاظها وتصغر بآحادها ثم يجمع الواحد بالألف والتاء كقولك في تصغير درهم : دريهمات ، والجواب كما قال أبو علي عن ذلك بأن أفعلاء هنا جاز تصغيرها على لفظها لأنها قد صارت بدلاً من أفعال بدلالة استجازتهم إضافة العدد إليها كما أضيف إلى أفعال ، ويدل على كونها بدلاً أيضاً تذكيرهم العدد المضاف إليها في قولهم : ثلاثة أشياء فكما صارت بمنزلة أفعال في هذا الموضع بالدلالة المذكورة كذلك يجوز تصغيرها من حيث جاز تصغير أفعال ولم يمتنع تصغيرها على اللفظ من حيث امتنع تصغير هذا الوزن في غير هذا الموضع لارتفاع المعنى المانع من ذلك عن أشياء وهو أنها صارت بمنزلة أفعال وإن كان كذلك لم يجتمع في الكلمة ما يتدافع من إرادة التقليل والتكثير في شيء واحد انتهى ، ومراده كما قال ابن الشجري بأن فعلاء في هذا الموضع صارت بدلاً من أفعال أنه كان القياس في جمع شيء أشياء مصروفاً كقولك في جمع فيء أفياء على أن تكون همزة الجمع هي همزة الواحد ولكنهم أقاموا أشياء التي همزتها للتأنيث مقام أشياء التي وزنها أفعال ، واستدلاله في تجويز تصغير أشياء على لفظها بأنها صارت بدلاً من أفعال بدلالة أنهم أضافوا العدد إليها وألحقوه الهاء فقالوا ثلاثة أشياء مما لا يقوم به دلالة لأن أمثلة القلة وأمثلة الكثرة يشتركن في ذلك ، ألا ترى أنهم يضيفون العدد إلى أبنية الكثرة إذا عدم بناء القلة فيقولون : ثلاثة شسوع وخمسة دراهم ، وأما إلحاق الهاء في قولنا : ثلاثة أشياء وإن كان أشياء مؤنثاً لأن الواحد مذكر ألا ترى أنك تقول ثلاثة : أنبياء وخمسة أصدقاء وسبعة شعراء فتلحق الهاء وإن كان لفظ الجمع مؤنثاً وذلك لأن الواحد نبي وصديق وشاعر كما أن واحد أشياء شيء فأي دلالة في قوله : ويدل على كونها بدلاً تذكيرهم العدد المضاف إليها الخ ثم قال : والذي يجوز أن يستدل به لمذهب الأخفش أن يقال : إنما جاز تصغير افعلاء على لفظه وإن كان من أبنية الكثرة لأن وزنه نقص بحذف لامه فصار افعاء فشبهوه بأفعال فصغروه ، وذهب الكسائي إلى أنها جمع شيء كضيف وأضياف .

وأورد عليه منع الصرف من غير علة ويلزمه صرف أبناء( {[271]} ) وأسماء ، وقد استشعر الكسائي هذا الإيراد وأشار إلى دفعه بأنه على أفعال ولكن كثرت في الكلام فأشبهت فعلاء فلم يصرف كما لم يصرف حمراء ، وقد جمعوها على أشاوى كعذراء وعذارى وأشياوات كحمراء وحمراوات فعاملوا أشياء وإن كانت على أفعال معاملة حمراء وعذراء في جمعي التكسير والتصحيح . ورد بأن الكثرة تقتضي تخفيفه وصرفه . وأيده بعضهم بأن العرب قد اعتبروا في باب ما لا ينصرف الشبه اللفظي كما قيل في سراويل إنه منع من الصرف لشبهه بمصابيح وأجروا ألف الإلحاق مجرى ألف التأنيث المقصورة ولكن مع العلمية فاعتبروا مجرد الصورة فليكن هذا من ذلك القبيل ، وقيل : إنها جمع شيء ووزنها أفعلاء جمع فعيل كنصيب وأنصباء وصديق وأصدقاء وحذفت الهمزة الأولى التي هي لام الكلمة وفتحت الياء لتسلم الألف فصارت أشياء بزنة أفعاء ، وجعل مكي تصريفه كمذهب الأخفش إذ أبدل الهمزة ياء ثم حذفت إحدى الياءين وحسن حذفها من الجمع حذفها من المفرد لكثرة الاستعمال وعدم الصرف لهمزة التأنيث الممدودة ، وهو حسن إلا أنه يرد عليه كما ورد على الأخفش مع إيرادات أخر ، وقيل غير ذلك ، وللشهاب عليه الرحمة :

أشياء لفعاء في وزن وقد قلبوا *** لاماً لها وهي قبل القلب شيئاء

وقيل أفعال لم تصرف بلا سبب *** منهم وهذا لوجه الرد إيماء أو أشياء

وحذف اللام من ثقل *** وشيء أصل شيء وهي آراء

وأصل أسماء اسماً وكمثل كسا *** فاصرفه حتماً ولا تغررك أسماء

واحفظ وقل للذي ينسى العلا سفها *** حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء

وظاهر صنيعه كغيره يشير إلى اختيار مدهب الخليل وسيبويه ، وقال غير واحد : إنه الأظهر لقولهم في جمعها أشاوى فجمعوها كما جمعوا صحراء على صحارى ، وأصله كما قال ابن الشجري أشايا بالياء لظهورها في أشياء لكنهم أبدلوها واواً على غير قياس كإبدالها واواً في قولهم جبيت الخراج جباوة ، وأيضاً يدل على أنها مفرد قولهم في تحقيرها أشيئاء كصحيراء ولو كانت جمعاً لقالوا شيآت على ما تقدمت الإشارة ، وتمام البحث في «أمالي ابن الشجري .

{ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } صفة لأشياء داعية إلى الانتهاء عن السؤال عنها ، وعطف عليها قوله سبحانه : { وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرءان تُبْدَ لَكُمْ } أي بالوحي كما ينبىء عنه تقييد السؤال بحين نزول القرآن لأن المساءة في الشرطية الأولى معلقة بإبداء تلك الأشياء لا بالسؤال عنها فعقبها جل شأنه بما هو ناطق باستلزام السؤال عنها لإبدائها الموجب للمحذور ، فضمير { عَنْهَا } راجع إلى تلك الأشياء وليس على حد عندي درهم ونصفه كما وهم ، والمراد بها ما لا خير لهم فيه من نحو التكاليف الصعبة التي لا يطيقونها والأسرار الخفية التي قد يفتضحون بها ، فكما أن السؤال عن الأمور الواقعة مستتبع لإبدائها كذلك السؤال عن تلك التكاليف مستتبع لإيجابها عليهم بطريق التشديد لإساءتهم الأدب وتركهم ما هو الأولى بهم من الاستسلام لأمر الله تعالى من غير بحث فيه ولا تعرض لكيفيته وكميته ففي «صحيح مسلم » عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أيها الناس قد فرض الله تعالى عليكم الحج فحجوا " فقال رجل وهو كما قال ابن الهمام الأقرع بن حابس ، وصرح به أحمد والدارقطني والحاكم في حديث صحيح رووه على شرط الشيخين " أكل عام يا رسول الله فسكت عليه الصلاة والسلام حتى قالها ثلاثاً فقال صلى الله عليه وسلم : لو قلت : نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال صلى الله عليه وسلم : ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه " وذكر كما قال ابن حبان أن الآية نزلت لذلك .

وأخرج مسلم وغيره أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في المسألة فصعد ذات يوم المنبر وقال :

" لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم فلما سمعوا ذلك أزموا ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر قال أنس رضي الله تعالى عنه : فجعلت أنظر يميناً وشمالاً فإذا كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي فأنشأ رجل كان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه فقال : يا رسول الله من أبي ؟ قال : أبوك حذافة ، ثم أنشأ عمر رضي الله تعالى عنه فقال : رضينا بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً نعوذ بالله تعالى من الفتن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط إنه صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط " وذكر ابن شهاب أن أم ابن حذافة واسمه عبد الله قالت له لما رجع إليها : ما سمعت قط أعق منك أمنت أن تكون أمك قارفت بعض ما يقارف أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس فقال ابن حذافة : لو ألحقني بعبد أسود للحقته . وأخرج غير واحد عن قتادة أن هذه الآية نزلت يومئذٍ . ووجه اتصالها بما قبلها على الرواية الأولى ظاهر جداً لما أن الكلام فيما يتعلق بالحج .

وذكر الطبرسي في ذلك ثلاثة أوجه ، «الأول : أنها متصلة بقوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ المائدة : 100 ] لأن من الفلاح ترك السؤال بما لا خير فيه ، والثاني : أنها متصلة بقوله سبحانه : { مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ } [ المائدة : 99 ] أي فإنه بلغ ما فيه المصلحة فلا تسألوه عما لا يعنيكم ، والثالث : أنها متصلة بقوله جل وعلا : { والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } [ المائدة : 99 ] أي فلا تسألوا عن تلك الأشياء فتظهر سرائركم2 .

{ عَفَا الله عَنْهَا } أي عن المسألة المدلول عليها بلا تسألوا . والجملة استئناف مسوق لبيان أن نهيهم عنها لم يكن لمجرد صيانتهم عن المساءة بل لأنها في نفسها معصية مستتبعة للمؤاخذة وقد عفا سبحانه عنها ، وفيه من حثهم على الجد في الانتهاء عنها ما لا يخفى أي عفا الله تعالى عن مسألتكم السالفة حيث لم يفرض عليكم الحج في كل عام جزاء لمسألتكم أو المراد تجاوز عن عقوبتكم الأخروية بسبب ذلك فلا تعودوا لمثله ، وقد يحمل العفو عنها على معنى شامل للتجاوز عن العقوبة الدنيوية والعقوبة الأخروية واختاره بعض المحققين ، وجوز غير واحد كون الجملة صفة أخرى لأشياء والضمير المجرور عائد إليها وهو الرابط على معنى لا تسألوا عن أشياء لم يكلفكم الله تعالى بها . واعترض بأن هذا يقتضي أن يكون الحج قد فرض أولاً ثم نسخ بطريق العفو وأن يكون ذلك معلوماً للمخاطبين ضرورة أن حق الوصف أن يكون معلوم الثبوت للموصوف عند المخاطب قبل جعله وصفاً له وكلاهما ضروري الانتفاء قطعاً على أنه يستدعي اختصاص النهي بمسألة الحج ونحوها مع أن النظم الكريم صريح في أنه مسوق للنهي عن السؤال عن الأشياء التي يسوءهم إبداؤها سواء كانت من قبيل الأحكام والتكاليف الموجبة لمساءتهم بإنشائها وإيجابها بسبب السؤال عقوبة وتشديداً كمسألة الحج لولا عفوه تعالى عنها أو من قبيل الأمور الواقعة قبل السؤال الموجبة للمساءة بالإخبار بها كما في سبب النزول على ما أخرج ابن جرير وغيره عن أبي هريرة قال :

" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل فقال : أين أبي ؟ قال : في النار " وفسر بعضهم العفو عنها بالكف عن بيانها والتعرض لشأنها وحينئذٍ يوشك أن لا يتوجه هذا الاعتراض أصلاً ، وإلى التفسير الأول يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، فقد أخرج مجاهد عنه أنه كان إذا سئل عن الشيء لم يجىء فيه أثر يقول : هو من العفو ثم يقرأ هذه الآية .

والذي ذهب إليه شيخ الإسلام عليه الرحمة هو الاستئناف لا غير لما علمت ، واستبعاد بعض الفضلاء ليس في محله . ثم قال : «إن قلت تلك الأشياء غير موجبة للمساءة ألبتة بل هي محتملة لإيجاب المسرة أيضاً لأن إيجابها للأولى وإن كان من حيث وجودها فهي من حيث عدمها موجبة للأخرى قطعاً وليست إحدى الحيثيتين محققة عند السائل وإنما غرضه من السؤال ظهورها كيف كانت بل ظهورها بحيثية إيجابها للمسرة فلم ( عبر ) عنها بحيثية إيجابها للمساءة قلت : لتحقيق المنهي عنه كما ستعرفه مع ما فيه من تأكيد النهي وتشديده لأن تلك الحيثية هي الموجبة للانتهاء لا الحيثية الثانية ولا حيثية التردد بين الإيجابين ، فإن قيل : الشرطية الثانية ناطقة بأن السؤال عن تلك الأشياء الموجبة للمساءة مستلزم لإبدائها فلم تخلف الإبداء في مسألة الحج ولم يفرض كل عام ؟ قلنا : لوقوع السؤال قبل النهي وما في الشرطية إنما هو السؤال الواقع بعده إذ هو الموجب للتغليظ والتشديد ولا تخلف فيه .

فإن قيل : ما ذكر إنما يتمشى فيما إذا كان السؤال عن الأمور المترددة بين الوقوع وعدمه كما ذكر في التكاليف الشاقة وأما إذا كان عن الأمور الواقعة قبله فلا يكاد يتسنى لأن ما يتعلق به الإبداء هو الذي وقع في نفس الأمر ولا مرد له سواء كان السؤال قبل أو بعد وقد يكون الواقع ما يوجب المسرة كما في مسألة ابن حذافة فيكون هو متعلق الإبداء لا غيره فيتعين التخلف حتماً . قلنا : لا احتمال له فضلاً عن تعينه فإنه المنهي عنه في الحقيقة إنما هو السؤال عن الأشياء الموجبة للمساءة الواقعة في نفس الأمر قبل السؤال كسؤال من قال : أين أبي ؟ لا ما يعمها وغيرها مما ليس بواقع لكنه محتمل الوقوع عند المكلفين حتى يلزم التخلف في صورة عدم الوقوع .

وجملة الكلام أن مدلول النظم الكريم بطريق العبارة إنما هو النهي عن السؤال عن الأشياء التي يوجب إبداؤها المساءة ألبتة إما بأن تكون تلك الأشياء بعرضية الوقوع فتبدى عند السؤال بطريق الإنشاء عقوبة وتشديداً كما في صورة كونها من قبيل التكاليف الشاقة ، وإما بأن تكون واقعة في نفس الأمر قبل السؤال فتبدى عنده بطريق الإخبار بها فالتخلف ممتنع في الصورتين معاً ، ومنشأ توهمه عدم الفرق بين المنهي عنه وغيره بناءً على عدم امتياز ما هو موجود أو بعرضية الوجود من تلك الأشياء في نفس الأمر وما ليس كذلك عند المكلفين وملاحظتهم للكل باحتمال الوجود والعدم ، وفائدة هذا الإبهام الانتهاء عن تلك الأشياء على الإطلاق حذار إبداء المكروه » انتهى وهو تحرير لم يسبق إليه .

{ والله غَفُورٌ حَلِيمٌ } أي مبالغ في مغفرة الذنوب والإغضاء عن المعاصي ولذلك عفا سبحانه عنكم ولم يعاقبكم بما فرط منكم ، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما سبق من عفوه تعالى .


[271]:- قوله ويلزمه صرف أبناء الخ كذا بخطه، ولعل الأصل ويلزمه منع صرف الخ تأمل.