ثم قال تعالى : { قل لا يستوي الخبيث والطيب } .
اعلم أنه تعالى لما زجر عن المعصية ورغب في الطاعة بقوله { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } ثم أتبعه بالتكليف بقوله { ما على الرسول إلا البلاغ } ثم أتبعه بالترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية بقوله { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } أتبعه بنوع آخر من الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية فقال : { قل لا يستوي الخبيث والطيب } وذلك لأن الخبيث والطيب قسمان : أحدهما : الذي يكون جسمانيا ، وهو ظاهر لكل أحد ، والثاني : الذي يكون روحانيا ، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية ، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعة الله تعالى ، وذلك لأن الجسم الذي يلتصق به شيء من النجاسات يصير مستقذرا عند أرباب الطباع السليمة ، فكذلك الأرواح الموصوفة بالجهل بالله والإعراض عن طاعة الله تعالى تصير مستقذرة عند الأرواح الكاملة المقدسة . وأما الأرواح العارفة بالله تعالى المواظبة على خدمة الله تعالى ، فإنها تصير مشرقة بأنوار المعارف الإلهية مبتهجة بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة ، وكما أن الخبيث والطبيب في عالم الجسمانيات لا يستويان ، فكذلك في عالم الروحانيات لا يستويان ، بل المباينة بينهما في عالم الروحانيات أشد ، لأن مضرة خبث الخبيث الجسماني شيء قليل ، ومنفعته طيبة مختصرة ، وأما خبث الخبيث الروحاني فمضرته عظيمة دائمة أبدية ، وطيب الطيب الروحاني فمنفعته عظيمة دائمة أبدية ، وهو القرب من جوار رب العالمين ، والانخراط في زمرة الملائكة المقربين ، والمرافقة من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين ، فكان هذا من أعظم وجوه الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية .
ثم قال تعالى : { ولو أعجبك كثرة الخبيث } يعني أن الذي يكون خبيثا في عالم الروحانيات ، قد يكون طيبا في عالم الجسمانيات ، ويكون كثير المقدار ، وعظيم اللذة ، إلا أنه مع كثرة مقداره ولذاذة متناوله وقرب وجدانه ، سبب للحرمان من السعادات الباقية الأبدية السرمدية ، التي إليها الإشارة بقوله { والباقيات الصالحات خير عند ربك } وإذا كان الأمر كذلك فالخبيث ولو أعجبك كثرته ، يمتنع أن يكون مساويا للطيب الذي هو المعرفة والمحبة والطاعة والابتهاج بالسعادات الروحانية والكرامات الربانية .
ولما ذكر تعالى هذه الترغيبات الكثيرة في الطاعة ، والتحذيرات من المعصية ، أتبعها بوجه آخر يؤكدها ، فقال تعالى : { فاتقوا الله يا أولى الألباب لعلكم تفلحون } أي فاتقوا الله بعد هذه البيانات الجلية ، والتعريفات القوية ، ولا تقدموا على مخالفته لعلكم تصيرون فائزين بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة .
{ قُلْ } يا محمد { لاَّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب } أي الردىء والجيد من كل شيء ، فهو حكم عام في نفي المساواة عند الله تعالى بين النوعين والتحذير عن رديها وإن كان سبب النزول أن المسلمين أرادوا أن يوقعوا بحجاج اليمامة وكان معهم تجارة عظيمة فنهوا عن ذلك على ما مر ذكره ، وقيل : نزلت في رجل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن الخمر كانت تجارتي وإني جمعت من بيعها مالاً فهل ينفعني من ذلك ( المال ) إن عملت فيه بطاعة الله تعالى ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أنفقته في حج أو جهاد ( أو صدقة ) ( 1 ) لم يعدل جناح بعوضة إن الله تعالى لا يقبل إلا الطيب . وعن الحسن واختاره الجبائي الخبيث الحرام والطيب الحلال ، وأخرج ابن جرير وغيره عن السدي قال : الخبيث هم المشركون والطيب هم المؤمنون وتقديم الخبيث في الذكر للإشعار من أول الأمر بأن القصور الذي ينبىء عنه عدم الاستواء فيه لا في مقابله ، وقد تقدمت الإشارة إلى تحقيقه .
{ وَلَوْ أَعْجَبَكَ } أي وإن سرك أيها الناظر بعين الاعتبار { كَثْرَةُ الخبيث } . وقيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته والواو لعطف الشرطية على مثلها المقدر . وقيل للحال أي لو لم يعجبك ولو أعجبك وكلتاهما في موضع الحال من فاعل { لاَ يَسْتَوِى } أي لا يستويان كائنين على كل حال مفروض . وقد حذفت الأولى في مثل هذا التركيب لدلالة الثانية عليها دلالة واضحة فإن الشيء إذا تحقق مع المعارض فلأن يتحقق بدونه أولى . وجواب لو محذوف في الجملتين لدلالة ما قبلها عليه { فاتقوا الله ياأولى * الالباب } في تحري الخبيث وإن كثر وآثروا عليه الطيب وإن قل فإن مدار الاعتبار هو الخيرية والرداءة لا الكثرة والقلة وفي الأكثر أحسن كل شيء أقله . ولله در من قال
: والناس ألف منهم كواحد *** وواحد كالألف إن أمر عنا
وفي الآية كما قيل إشارة إلى غلبة أهل الإسلام وإن قلوا { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } راجين أن تنالوا الفلاح والفوز بالثواب العظيم والنعيم المقيم .
( ومن باب الإشارة ) :{ قُل لاَّ يَسْتَوِى الخبيث } [ المائدة : 100 ] من النفوس والأعمال والأخلاق والأموال { والطيب } من ذلك { وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث } بسبب ملاءمته للنفس فإن الأول موجب للقربة دون الثاني { يا أيها الذين آمنوا } الإيمان البرهاني { لاَ تَسْأَلُواْ } من أرباب الإيمان العياني { عَنْ أَشْيَاء } غيبية وحقائق لا تعلم إلا بالكشف { إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } تهلككم لقصوركم عن معرفتها فيكون ذلك سبباً لإنكاركم والله سبحانه غيور وإنه ليغضب لأوليائه كما يغضب الليث للحرب . وفي هذا كما قيل تحذير لأهل البداية عن كثرة سؤالهم من الكاملين عن أسرار الغيب وإرشاد لهم إلى الصحبة مع التسليم { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن } الجامع للظاهر والباطن المتضمن لما سئلتم عنه { تُبْدَ لَكُمْ } [ المائدة : 101 ] بواسطته .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.