قوله تعالى : { قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين }
اعلم أنه تعالى لما بين فساد طريقة أهل الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في هذا الباب ، فقال : { قل لا أجد فيما أوحي إلي } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة { إلا أن تكون } بالتاء { ميتة } بالنصب على تقدير : إلا أن تكون العين أو النفس أو الجثة ميتة . وقرأ ابن عامر إلا أن تكون بالتاء { ميتة } بالرفع على معنى إلا أن تقع ميتة أو تحدث ميتة والباقون { إلا أن يكون ميتة } أي إلا أن يكون المأكول ميتة ، أو إلا أن يكون الموجود ميتة .
المسألة الثانية : لما بين الله تعالى أن التحريم والتحليل لا يثبت إلا بالوحي قال : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه } أي على آكل يأكله ، وذكر هذا ليظهر أن المراد منه هو بيان ما يحل ويحرم من المأكولات . ثم ذكر أمورا أربعة . أولها : الميتة ، وثانيها : الدم المسفوح ، وثالثها : لحم الخنزير فإنه رجس ، ورابعها : الفسق وهو الذي أهل به لغير الله ، فقوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } إلا هذه الأربعة مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة وذلك لأنه لما ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرمات والمحللات إلا بالوحي ، وثبت أنه لا وحي من الله تعالى إلا إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، وثبت أنه تعالى يأمره أن يقول : إني لا أجد فيما أوحي إلي محرما من المحرمات إلا هذه الأربعة كان هذا مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة .
واعلم أن هذه السورة مكية ، فبين تعالى في هذه السورة المكية أنه لا محرم إلا هذه الأربعة ثم أكد ذلك بأن قال في سورة النحل : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } وكلمة { إنما } تفيد الحصر فقد حصلت لنا آيتان مكيتان يدلان على حصر المحرمات في هذه الأربعة ، فبين في سورة البقرة وهي مدنية أيضا أنه لا محرم إلا هذه الأربعة فقال : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله } وكلمة { إنما } تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة لتلك الآية المكية لأن كلمة { إنما } تفيد الحصر ، فكلمة { إنما } في الآية المدنية مطابقة لقوله : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } إلا كذا وكذا في الآية المكية ، ثم ذكر تعالى في سورة المائدة قوله تعالى : { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم } وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله : { إلا ما يتلى عليكم } هو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل ، وهو قوله : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم } وكل هذه الأشياء أقسام الميتة وأنه تعالى إنما أعادها بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل ، فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها كانت مستقرة على هذا الحكم وعلى هذا الحصر .
فإن قال قائل : فيلزمكم في التزام هذا الحصر تحليل النجاسات والمستقذرات ، ويلزم عليه أيضا تحليل الخمر ، وأيضا فيلزمكم تحليل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة مع أن الله تعالى حكم بتحريمها .
قلنا : هذا لا يلزمنا من وجوه : الأول : أنه تعالى قال في هذه الآية : { أو لحم خنزير فإنه رجس } ومعناه أنه تعالى إنما حرم لحم الخنزير لكونه نجسا ، فهذا يقتضي أن النجاسة علة لتحريم الأكل فوجب أن يكون كل نجس يحرم أكله ، وإذا كان هذا مذكورا في الآية كان السؤال ساقطا . والثاني : أنه تعالى قال في آية أخرى : { ويحرم عليهم الخبائث } وذلك يقتضي تحريم كل الخبائث ، والنجاسات خبائث ، فوجب القول بتحريمها . الثالث : أن الأمة مجمعة على حرمة تناول النجاسات ، فهب أنا التزمنا تخصيص هذه السورة بدلالة النقل المتواتر من دين محمد في باب النجاسات فوجب أن يبقى ما سواها على وفق الأصل تمسكا بعموم كتاب الله في الآية المكية والآية المدنية ، فهذا أصل مقرر كامل في باب ما يحل وما يحرم من المطعومات ، وأما الخمر فالجواب عنه : أنها نجسة فيكون من الرجس فيدخل تحت قوله : { رجس } وتحت قوله : { ويحرم عليهم الخبائث } وأيضا ثبت تخصيصه بالنقل المتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم في تحريمه ، وبقوله تعالى : { فاجتنبوه } وبقوله : { وإثمهما أكبر من نفعهما } والعام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، فتبقى هذه الآية فيما عداها حجة . وأما قوله ويلزم تحليل الموقوذة والمتردية والنطحية .
فالجواب عنه من وجوه : أولها : أنها ميتات فكانت داخلة تحت هذه الآية . وثانيها : أنا نخص عموم هذه الآية بتلك الآية ، وثالثها : أن نقول إنها إن كانت ميتة دخلت تحت هذه الآية ، وإن لم تكن ميتة فنخصصها بتلك الآية .
فإن قال قائل : المحرمات من المطعومات أكثر مما ذكر في هذه الآية فما وجهها ؟
أجابوا عنه من وجوه : أحدها : أن المعنى لا أجد محرما مما كان أهل الجاهلية يحرمه من البحائر والسوائب وغيرها إلا ما ذكر في هذه الآية ، وثانيها : أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن تحريم غير ما نص عليه في هذه الآية ثم وجدت محرمات أخرى بعد ذلك . وثالثها : هب أن اللفظ عام إلا أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز فنحن نخصص هذا العموم بأخبار الآحاد . ورابعها : أن مقتضى هذه الآية أن نقول إنه لا يجد في القرآن ، ويجوز أن يحرم الله تعالى ما سوى هذه الأربعة على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام . ولقائل أن يقول : هذه الأجوبة ضعيفة .
أما الجواب الأول : فضعيف لوجوه : أحدها : لا يجوز أن يكون المراد من قوله : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } ما كان يحرمه أهل الجاهلية من السوائب والبحائر وغيرها إذ لو كان المراد ذلك لما كانت الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب داخلة تحته ، ولو لم تكن هذه الأشياء داخلة تحت قوله : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } لما حسن استثناؤها ، ولما رأينا أن هذه الأشياء مستثناة عن تلك الكلمة ، علمنا أنه ليس المراد من تلك الكلمة ما ذكروه . وثانيها : أنه تعالى حكم بفساد قولهم في تحريم تلك الأشياء ، ثم إنه تعالى في هذه الآية خصص المحرمات في هذه الأربعة وتحليل تلك الأشياء التي حرمها أهل الجاهلية لا يمنع من تحليل غيرها ، فوجب إبقاء هذه الآية على عمومها لأن تخصيصها يوجب ترك العمل بعمومها من غير دليل ، وثالثها : أنه تعالى قال في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم } وذكر هذه الأشياء الأربعة ، وكلمة { إنما } تفيد الحصر وهذه الآية في سورة البقرة غير مسبوقة بحكاية أقوال أهل الجاهلية في تحريم البحائر والسوائب فسقط هذا العذر .
وأما جوابهم الثاني : وهو أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرما إلا هذه الأربعة .
فجوابه من وجوه : أولها : أن قوله تعالى في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله } آية مدنية نزلت بعد استقرار الشريعة ، وكلمة { إنما } تفيد الحصر فدل هاتان الآيتان على أن الحكم الثابت في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام من أولها إلى آخرها ليس إلا حصر المحرمات في هذه الأشياء ، وثانيها : أنه لما ثبت بمقتضى هاتين الآيتين حصر المحرمات في هذه الأربعة كان هذا اعترافا بحل ما سواها ، فالقول بتحريم شيء خامس يكون نسخا ، ولا شك أن مدار الشريعة على أن الأصل عدم النسخ ، لأنه لو كان احتمال جريان الناسخ معادلا لاحتمال بقاء الحكم على ما كان ، فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في إثبات شيء من الأحكام لاحتمال أن يقال : إنه وإن كان ثابتا إلا أنه زال ، ولما اتفق الكل على أن الأصل عدم النسخ ، وأن القائل به والذاهب إليه هو المحتاج إلى الدليل علمنا فساد هذا السؤال .
وأما جوابهم الثالث : وهو أنا نخصص عموم القرآن بخبر الواحد . فنقول : ليس هذا من باب التخصيص ، بل هو صريح النسخ ، لأن قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه } مبالغة في أنه لا يحرم سوى هذه الأربعة ، وقوله في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم الميتة } وكذا وكذا ، تصريح بحصر المحرمات في هذه الأربعة ، لأن كلمة { إنما } تفيد الحصر ، فالقول بأنه ليس الأمر كذلك يكون دفعا لهذا الذي ثبت بمقتضى هاتين الآيتين أنه كان ثابتا في أول الشريعة بمكة ، وفي آخرها بالمدينة ، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز .
وأما جوابهم الرابع : فضعيف أيضا ، لأن قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إلي } يتناول كل ما كان وحيا ، سواء كان ذلك الوحي قرآنا أو غيره ، وأيضا فقوله في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم الميتة } يزيل هذا الاحتمال . فثبت بالتقرير الذي ذكرنا قوة هذا الكلام ، وصحة هذا المذهب ، وهو الذي كان يقول به مالك بن أنس رحمه الله ، ومن السؤالات الضعيفة أن كثيرا من الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( ما استخبثه العرب فهو حرام ) وقد علم أن الذي يستخبثه العرب فهو غير مضبوط ، فسيد العرب بل سيد العالمين محمد صلوات الله عليه ، لما رآهم يأكلون الضب قال : «يعافه طبعي » ثم إن هذا الاستقذار ما صار سببا لتحريم الضب . وأما سائر العرب فمنهم من لا يستقذر شيئا ، وقد يختلفون في بعض الأشياء ، فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون ، فعلمنا أن أمر الاستقذار غير مضبوط ، بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم ؟
المسألة الثالثة : اعلم أنا قد ذكرنا المسائل المتعلقة بهذه الأشياء الأربعة في سورة البقرة على سبيل الاستقصاء ، فلا فائدة في الإعادة . فأولها : الميتة ، ودخلها التخصيص في قوله عليه الصلاة والسلام : ( أحلت لنا ميتتان السمك والجراد ) وثانيها : الدم المسفوح ، والسفح الصب يقال : سفح الدم سفحا ، وسفح هو سفوحا إذا سال وأنشد أبو عبيدة لكثير :
أقول ودمعي واكف عند رسمها *** عليك سلام الله والدمع يسفح
قال ابن عباس : يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء ، وما يخرج من الأوداج عند الذبح ، وعلى هذا التقدير : فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما ، ولا ما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل ، وسئل ابن مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم . وعن القدرى : يرى فيها حمرة الدم ، فقال لا بأس به ، إنما نهي عن الدم المسفوح . وثالثها : لحم الخنزير فإنه رجس . ورابعها : قوله : { أو فسقا أهل لغير الله به } وهو منسوق على قوله : { إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا } فسمى ما أهل لغير الله به فسقا لتوغله في باب الفسق كما يقال : فلان كرم وجود إذا كان كاملا فيهما ، ومنه قوله تعالى :
{ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } .
وأما قوله تعالى : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم } فالمعنى أنه لما بين في هذه الأربعة أنها محرمة ، بين أن عند الاضطرار يزول ذلك التحريم ، وهذه الآية قد استقصينا تفسيرها في سورة البقرة . وقوله عقيب ذلك : { فإن ربك غفور رحيم } يدل على حصول الرخصة .
{ قُلْ } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إلزام المشركين وتبكيتهم وبيان أن ما يتقولونه في أمر التحريم افتراء بحت بأن يبين لهم ما حرم عليهم . وقوله سبحانه : { لا أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } الخ كناية عن عدم الوجود ، وفيه إيذان بأن طريق التحريم ليس إلا التنصيص من الله تعالى دون التشهي والهوى ، وتنبيه كما قيل على أن الأصل في الأشياء الحل ، و { مُحَرَّمًا } صفة لمحذوف دل عليه ما بعد وقد قام مقامه بعد حذفه فهو مفعول أول لأجد ومفعوله الثاني { فِيمَا * أُوحِىَ } قدم للاهتمام لا لأن المفعول الأول نكرة لأنه نكرة عامة بالنفي فلا يجب تقديم المسند الظرف ، وليس المفعول الأول محذوفاً أي لا أجد ريثما تصفحت ما أوحي إلي قرآناً وغيره على ما يشعر به العدول عن أنزل إلى { أُوحِىَ } أو ما أوحي إليّ من القرآن طعاماً محرماً من المطاعم التي حرمتموها { على طَاعِمٍ } أي طاعم كان من ذكر أو أنثى رداً على قولهم : { مُحَرَّمٌ * على أزواجنا } [ الأنعام : 139 ] وقوله تعالى : { يَطْعَمُهُ } في موضع الصفة لطاعم جيء به كما في قوله سبحانه : { طَائِرٍ يَطِيرُ } [ الأنعام : 38 ] قطعاً للمجاز . وقرىء { يَطْعَمُهُ } بالتشديد وكسر العين ، والأصل يطتعمه فأبدلت التاء طاء وأدغمت فيها الأولى ، والمراد بالطعم تناول الغذاء ، وقد يستعمل طعم في الشراب أيضاً كما تقدم الكلام عليه ، والمتبادر هنا الأول ، وقد يراد به مطلق النفع ، ومنه ما في حديث بدر «ما قتلنا أحداً به طعم ما قتلنا إلا عجازاً طلعاً » أي قتلنا من لا منفعة له ولا اعتداد به ، وإرادة هذا المعنى هنا بعيد جداً ولم أر من قال به ، نعم قيل : المراد سائر أنواع التناولات من الأكل والشرب وغير ذلك ، ولعل إرادة غير الأكل فيه بطريق القياس ، وكذا حمل الطاعم على الواجد من قولهم : رجل طاعم أي حسن الحال مرزوق وإبقاء { يَطْعَمُهُ } على ظاهره أي على واجد يأكله فلا يكون الوصف حينئذٍ لزيادة التقرير على ما أشرنا إليه .
{ إِلا أَن يَكُونَ } ذلك الطعام أو الشيء المحرم { مَيْتَةً } المراد بها ما لم يذبح ذبحاً شرعياً فيتناول المنخنقة ونحوها . وقرأ ابن كثير وحمزة { تَكُونُ } بالتاء لتأنيث الخبر ، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر { يَكُونَ مَيْتَةً } بالياء ورفع { مَيْتَةً } وأبو جعفر يشدد أيضاً على أن كان هي التامة { أَوْ دَمًا } عطف على { مَيْتَةً } أو على أن مع ما في حيزه . وقوله سبحانه : { مَّسْفُوحًا } أي مصبوباً سائلاً كالدم في العروق صفة له خرج به الدم الجامد كالكبد والطحال .
وفي الحديث " أحلت لنا ميتتان السمك والجراد ودمان الكبد والطحال " وقد رخص في دم العروق بعد الذبح ، وإلى ذلك ذهب كثير من الفقهاء . وعن عكرمة أنه قال : لولا هذا القيد لاتبع المسلمون من العروق ما اتبع اليهود .
{ أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ } أي اللحم كما قيل لأنه المحدث عنه أو الخنزير لأنه الأقرب ذكراً . وذكر اللحم لأنه أعظم ما ينتفع به منه فإذا حرم فغيره بطريق الأولى ، وقيل وهو خلاف الظاهر : الضمير لكل من الميتة والدم ولحم الخنزير على معنى فإن المذكور { رِجْسٌ } أي قذر أو خبيث مخبث { أَوْ فِسْقًا } عطف على { لَحْمَ خِنزِيرٍ } على ما اختاره كثير من المعربين وما بينهما اعتراض مقرر للحرمة { أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } صفة له موضحة . وأصل الإهلال رفع الصوت . والمراد الذبح على اسم الأصنام . وإنما سمي ذلك فسقاً لتوغله في الفسق . وجوز أن يكون ( فسقاً ) مفعولاً له لأهل وهو عطف على { يَكُونَ } و { بِهِ } قائم مقام الفاعل . والضمير راجع إلى ما رجع إليه المستكن في { يَكُونَ } . قال أبو حيان : «وهذا إعراب متكلف جداً ( والنظم عليه ) خارج عن الفصاحة وغير جائز على قراءة من قرأ { إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً } بالرفع ( لأن ) ضمير { بِهِ } ليس له ما يعود عليه ، ولا يجوز أن يتكلف ( له موصوف ) محذوف يعود عليه الضمير ( أي ) شيء أهل لغير الله به لأن مثل هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر » اه . وعنى بذلك كما قال الحلبي أنه لا يحذف الموصوف والصفة جملة إلا إذا كان في الكلام من التبعيضية نحو منا أقام ومنا ظعن أي فريق أقام وفريق ظعن فإن لم يكن فيه من كان ضرورة كقوله
: ترمى بكفي كان من أرمى البشر *** أراد بكفي رجل كان الخ . وهذا كما حقق في موضعه رأي بعض ، وأما غيره فيقول : متى دل دليل على الموصوف حذف مطلقاً فيجوز أن يرى المجوز هذا الرأي ومنعه من حيث رفع الميتة كما قال السفاقسي فيه نظر لأن الضمير يعود على ما يعود عليه بتقدير النصب والرفع لا يمنع من ذلك ، نعم الإعراب الأول أولى كما لا يخفى .
{ فَمَنِ اضطر } أي أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شيء من ذلك { غَيْرَ بَاغٍ } أي طالب ما ليس له طلبه بأن يأخذ ذلك من مضطر آخر مثله . وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين . وقال الحسن : أي غير متناول للذة ؛ وقال مجاهد : غير باغ على إمام { وَلاَ عَادٍ } أي متجاوز قدر الضرورة { فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } مبالغ في المغفرة والرحمة لا يؤاخذه بذلك .
وهذا جزاء الشرط لكن باعتبار لازم معناه وهو عدم المؤاخذة . وبعضهم قال بتقدير جزاء يكون هذا تعليلاً له ولا حاجة إليه .
ونصب { غَيْرِ } على أنه حال . وكذا ما عطف عليه . وليس التقييد بالحال الأولى لبيان أنه لو لم يوجد القيد بالمعنى السابق لتحققت الحرمة المبحوث عنها بل للتحذير من حرام آخر وهو أخذه حق مضطر آخر فإن من أخذ لحم ميتة مثلاً من مضطر آخر فأكله فإن حرمته ليست باعتبار كونه لحم الميتة بل باعتبار كونه حقاً للمضطر الآخر . وأما الحالة الثانية : فلتحقيق زوال الحرمة المبحوث عنها قطعاً فإن التجاوز عن القدر الذي يسد به الرمق حرام من حيث إنه لحم الميتة . وفي التعرض لوصفي المغفرة والرحمة إيذان بأن المعصية باقية لكن الله تعالى يغفر له ويرحمه وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر ولا تغفل .
واستشكلت هذه الآية بأنها حصرت المحرمات من المطعومات في أربعة : الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير والفسق الذي أهل لغير الله تعالى به ، ولا شك أنها أكثر من ذلك . وأجيب بأن المعنى لا أجد محرماً مما كان أهل الجاهلية يحرمونه من البحائر والسوائب كما أشرنا إليه . وحينئذ يكون استثناء الأربعة منه منقطعاً أي لا أجد ما حرموه لكن أجد الأربعة محرمة . وهذا لا دلالة فيه على الحصر . والاستثناء المنقطع ليس كالمتصل في الحصر كما نبهوا عليه وهو مما ينبغي التنبه له . فإن قلت : المستثنى ليس ميتة بل كونه ميتة وذلك ليس من جنس الطعام فيكون الاستثناء منقطعاً لا محالة فلا حاجة إلى ذلك التقييد . قال القطب : نعم كذلك إلا أن المقصود إخراج الميتة من الطعام المحرم يعني لا أجد محرماً إلا الميتة فلولا التقييد كان في الحقيقة استثناء متصلاً وورد الإشكال . وضعف ذلك الجواب بأوجه . منها أنه تعالى قال في سورة البقرة ( 173 ) وسورة النحل ( 115 ) { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } وإنما تفيد الحصر ، وقال سبحانه في سورة المائدة : ( 1 ) { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله عز وجل : { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } قوله تعالى : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } [ المائدة : 3 ] وأما المنخنقة والموقوذة وغيرهما فهي أقسام الميتة . وإنما أعيدت بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل فالآيتان تدلان على أن لا محرم إلا الأربعة وحينئذ يجب القول بدلالة الآية التي نحن بصددها على الحصر لتطابق ذلك وأن لا تقييد مع أن الأصل عدم التقييد .
وأجيب عن الإشكال بأن الآية إنما تدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يجد فيما أوحي إليه إلى تلك الغاية محرماً غير ما نص عليه فيها ، وذلك لا ينافي ورود التحريم في شيء آخر قيل : وحينئذ يكون الاستثناء من أعم الأوقات أو أعم الأحوال مفرغاً بمعنى لا أجد شيئاً من المطاعم محرماً في وقت من الأوقات أو حال من الأحوال إلا في وقت أو حال كون الطعام أحد الأربعة فإني أجد حينئذ محرماً فالمصدر( {[284]} ) المتحصل من أن يكون للزمان أو الهيئة .
واعترض الإمام هذا الجواب بأن ما يدل على الحصر من الآيات نزل بعد استقرار الشريعة فيدل على أن الحكم الثابت في الشريعة المحمدية من أولها إلى آخرها ليس إلا حصر المحرمات في هذه الأشياء وبأنه لما ثبت بمقتضى ذلك حصر المحرمات في الأربعة كان هذا اعترافاً بحل ما سواها والقول بتحريم شيء خامس يكون نسخاً . ولا شك أن مدار الشريعة على أن الأصل عدم النسخ لأنه لو كان احتمال طريان النسخ معادلاً لاحتمال بقاء الحكم على ما كان فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في إثبات شيء من الأحكام لاحتمال أن يقال : إنه وإن كان ثابتاً إلا أنه زال2 .
وما قيل في الاستثناء يرد عليه أن المصدر المؤول من أن والفعل لا ينصب على الظرفية ولا يقع حالاً لأنه معرفة وبعضهم قال لاتصال الاستثناء : إن التقدير إلا الموصوف بأن يكون أحد الأربعة على أنه بدل من { مُحَرَّمًا } وفيه تكلف ظاهر ، وقيل : التقدير على قراءة الرفع إلا وجود ميتة والإضافة فيه من إضافة الصفة إلى الموصوف أي ميتة موجودة .
وأجيب أيضاً عن الإشكال بأن الآية وإن دلت على الحصر إلا أنا نخصصها بالأخبار . وتعقبه الإمام أيضاً «بأن هذا ليس من باب التخصيص بل هو صريح النسخ لأنها لما كان معناها أن لا محرم سوى الأربعة فإثبات محرم آخر قول بأن الأمر ليس كذلك وهو رفع للحصر ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز » . وأجاب عن ذلك القطب الرازي بأنه لا معنى للحصر ههنا إلا أن الأربعة محرمة وما عداها ليس بمحرم وهذا عام فإثبات محرم آخر تخصيص لهذا العام وتخصيص العام بخبر الواحد جائز .
وقد احتج بظاهر الآية كثير من السلف فأباحوا ما عدا المذكور فيها فمن ذلك الحمر الأهلية . أخرج البخاري عن عمرو بن دينار قلت لجابر بن عبد الله : أنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر فقال : قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أبى ذلك البحر يعني ابن عباس وقرأ { قُل لا أَجِدُ * فِيمَا * أُوحِىَ إِلَىَّ } الآية . وأخرج أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن أكل القنفذ فقرأ الآية ، وأخرج ابن أبي حاتم وغيرهم بسند صحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير قالت { قُل لا أَجِدُ } الخ .
وأخرج عن ابن عباس قال : ليس من الدواب شيء حرام إلا ما حرم الله تعالى في كتابه { قُل لا أَجِدُ } الآية ، وقوى الإمام الرازي القول بالظاهر فإنه قال بعد كلام «فثبت بالتقرير الذي ذكرناه قوة هذا الكلام وصحة هذا المذهب وهو الذي كان يقول به مالك بن أنس ؛ ثم قال : ومن السؤالات الضعيفة أن كثيراً من الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه صلى الله عليه وسلم قال : " ما استخبثته العرب فهو حرام " وقد علم أن الذي تستخبثه غير مضبوط فسيد العرب بل سيد العالمين عليه الصلاة والسلام لما رآهم يأكلون الضب قال : " يعافه طبعي " ولم يكن ذلك سبباً لتحريمه . وأما سائر العرب ففيهم من لا يستقذر شيئاً وقد يختلفون في بعض الأشياء فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون فعلم أن أمر الاستقذار غير مضبوط بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم » انتهى . ولا يخفى ما فيه .
واستدل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه { على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } على أنه إنما حرم من الميتة أكلها وأن جلدها يطهر بالدبغ ، أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال : ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو أخذتم مسكها فقالت نأخذ مسك شاة قد ماتت ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : إنما قال الله تعالى { قُل لا أَجِدُ * فِيمَا * أُوحِىَ *إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً } وإنكم لا تطعمونه أن تدبغوه تنتفعوا به " . واستدل الشافعية بقوله سبحانه : { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } على نحاسة الخنزير بناء على عود الضمير على خنزير لأنه أقرب مذكور .