ثم قال تعالى : { ثمانية أزواج } وفيه بحثان :
البحث الأول : في انتصاب قوله : { ثمانية } وجهان : الأول : قال الفراء : انتصب ثمانية بالبدل من قوله : { حمولة وفرشا } .
والثاني : أن يكون التقدير : كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج .
البحث الثاني : الواحد إذا كان وحده فهو فرد ، فإذا كان معه غيره من جنسه سمي زوجا ، وهما زوجان بدليل قوله : { خلق الزوجين الذكر والأنثى } وبدليل قوله : { ثمانية أزواج } ثم فسرها بقوله : { من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } .
ثم قال : { ومن الضأن اثنين } يعني الذكر والأنثى ، والضأن ذوات الصوف من الغنم . قال الزجاج : وهي جمع ضائن وضائنة مثل تاجر وتاجرة ويجمع الضأن أيضا على الضئين بكسر الضاد وفتحها وقوله : { ومن المعز اثنين } قرئ { ومن المعز } بفتح العين ، والمعز ذوات الشعر من الغنم ويقال للواحد : ماعز وللجمع : معزى . فمن قرأ { المعز } بفتح العين فهو جمع ماعز ، مثل خادم وخدم وطالب وطلب ، وحارس وحرس . ومن قرأ بسكون العين فهو أيضا جمع ماعز كصاحب وصحب ، وتاجر وتجر ، وراكب وركب . وأما انتصاب اثنين فلأن تقدير الآية أنشأ ثمانية أزواج أنشأ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين وقوله : { قل آلذكرين حرم أم الأنثيين } نصب الذكرين بقوله : { حرم } والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله . قال المفسرون : إن المشركين من أهل الجاهلية كانوا يحرمون بعض الأنعام ، فاحتج الله تعالى على إبطال قولهم بأن ذكر الضأن والمعز والإبل والبقر وذكر من كل واحد من هذه الأربعة زوجين ، ذكرا وأنثى .
ثم قال إن كان حرم منها الذكر وجب أن يكون كل ذكورها حراما وإن كان حرم الأنثى ، وجب أن يكون كل إناثها حراما ، وقوله : { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } تقديره : إن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وجب تحريم الأولاد كلها لأن الأرحام تشتمل على الذكور والإناث ، هذا ما أطبق عليه المفسرون في تفسير هذه الآية ، وهو عندي بعيد جدا ، لأن لقائل أن يقول : هب أن هذه الأنواع الأربعة ، أعني : الضأن ، والمعز ، والإبل ، والبقر ، محصورة في الذكور والإناث ، إلا أنه لا يجب أن تكون علة تحريم ما حكموا بتحريمه محصورة في الذكورة والأنوثة ، بل علة تحريمها كونها بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حاما أو سائر الاعتبارات ، كما أنا إذا قلنا : أنه تعالى حرم ذبح بعض الحيوانات لأجل الأكل . فإذا قيل : إن ذلك الحيوان إن كان قد حرم لكونه ذكرا وجب أن يحرم كل حيوان ذكر ، وإن كان قد حرم لكونه أنثى وجب أن يحرم كل حيوان أنثى ، ولما لم يكن هذا الكلام لازما علينا ، فكذا هذا الوجه الذي ذكره المفسرون في تفسير هذه الآية ، ويجب على العاقل أن يذكر في تفسير كلام الله تعالى وجها صحيحا فأما تفسيره بالوجوه الفاسدة فلا يجوز والأقرب عندي فيه وجهان : أحدهما : أن يقال : إن هذا الكلام ما ورد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم ، بل هو استفهام على سبيل الإنكار يعني أنكم لا تقرون بنبوة نبي ، ولا تعرفون شريعة شارع ، فكيف تحكمون بأن هذا يحل وأن ذلك يحرم ؟ وثانيهما : أن حكمهم بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام مخصوص بالإبل ، فالله تعالى بين أن النعم عبارة عن هذه الأنواع الأربعة ، فلما لم تحكموا بهذه الأحكام في الأقسام الثلاثة ، وهي : الضأن والمعز والبقر ، فكيف خصصتم الإبل بهذا الحكم على التعيين ؟ فهذا ما عندي في هذه الآية والله أعلم بمراده .
ثم قال تعالى : { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا } والمراد هل شاهدتم الله حرم هذا إن كنتم لا تؤمنون برسول ؟ وحاصل الكلام من هذه الآية : أنكم لا تعترفون بنبوة أحد من الأنبياء ، فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة ؟ ولما بين ذلك قال : { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم } قال ابن عباس : يريد عمرو بن لحي ، لأنه هو الذي غير شريعة إسماعيل ، والأقرب أن يكون هذا محمولا على كل من فعل ذلك ، لأن اللفظ عام والعلة الموجبة لهذا الحكم عامة ، فالتخصيص تحكم محض . قال المحققون : إذا ثبت أن من افترى على الله الكذب في تحريم مباح استحق هذا الوعيد الشديد ، فمن افترى على الله الكذب في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والنبوات والملائكة ومباحث المعاد كان وعيده أشد وأشق . قال القاضي : ودل ذلك على أن الإضلال عن الدين مذموم ، لا يليق بالله ، لأنه تعالى إذا ذم الإضلال الذي ليس فيه إلا تحريم المباح ، فالذي هو أعظم منه أولى بالذم .
وجوابه : أنه ليس كل ما كان مذموما منا كان مذموما من الله تعالى ألا ترى أن الجمع بين العبيد والإماء وتسليط الشهوة عليهم وتمكينهم من أسباب الفجور مذموم منا وغير مذموم من الله تعالى فكذا ههنا .
ثم قال : { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } قال القاضي : لا يهديهم إلا ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها . وقال أصحابنا : المراد منه الإخبار بأنه تعالى لا يهدي أولئك المشركين ، أي لا ينقلهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، والكلام في ترجيح أحد القولين على الآخر معلوم .
{ ثمانية أزواج } الزوج يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة ويطلق على مجموعهما ، والمراد به هنا الأول وإلا كانت أربعة . وإيرادها بهذا العنوان وهذا العدد أوفق لما سيق له الكلام . و { ثمانية } على ما قاله الفراء واختاره غير واحد من المحققين بدل من { حَمُولَةً وَفَرْشًا } [ الأنعام : 142 ] منصوب بما نصبهما وهو ظاهر على تفسير الحمولة والفرش بما يشمل الأزواج الثمانية أما لو خص ذلك بالإبل ففيه خفاء . وجوز أن يكون التقدير وأنشأ ثمانية وأنه معطوف على { جنات } [ الأنعام : 141 ] وحذف الفعل وحرف العطف ، وضعفه أبو البقاء ووجهه لا يخفى . وأن يكون مفعولاً لكلوا الذي قبله والتقدير كلوا لحم ثمانية أزواج { وَلاَ تَتَّبِعُواْ } [ الأنعام : 142 ] جملة معترضة . وأن يكون حالاً من ما مراداً بها الأنعام ويؤول بنحو مختلفة أو متعددة ليكون بياناً للهيئة ، وهو عند من يشترط في الحال أن يكون مشتقاً أو مؤولاً به ظاهر . وتعقب ذلك شيخ الإسلام «بأنه يأباه جزالة النظم الكريم لظهور أنه مسوق لتوضيح حال الأنعام بتفصيلها أولاً إلى حمولة وفرش ثم تفصيلها إلى ثمانية أزواج حاصلة من تفصيل الأول إلى الإبل والبقر وتفصيل الثاني إلى الضأن والمعز ثم تفصيل كل من الأقسام الأربعة إلى الذكر والأنثى كل ذلك لتحرير المواد التي تقولوا فيها عليه سبحانه بالتحليل والتحريم ثم تبكيتهم بإظهار كذبهم وافترائهم في كل مادة مادة من تلك المواد بتوجيه الإنكار إليها مفصلة » انتهى . وفيه منع ظاهر .
وقوله سبحانه : { مّنَ الضأن اثنين } على معنى زوجين اثنين الكبش والنعجة . ونصب { اثنين } قيل : على أنه بدل من { ثمانية أزواج } بدل بعض من كل أو كل من كل إن لوحظ العطف عليه منصوب بناصبه والجار متعلق به . وقال العلامة الثاني : الظاهر أن { مّنَ الضأن } بدل من { الانعام } [ الأنعام : 142 ] و { اثنين } من { حَمُولَةً وَفَرْشًا } [ الأنعام : 142 ] أو من { ثمانية أزواج } إن جوزنا أن يكون للبدل بدل ، وجوز أن يكون البدل { اثنين } ومن الضأن حال من النكرة قدمت عليها . وقرىء { اثنان } على أنه مبتدأ خبره الجار والمجرور ، والجملة بيانية لا محل لها من الإعراب ، والضأن اسم جنس كالإبل جمع ضئين كأمير وكعبيد أو جمع ضائن كتاجر وتجر ، وقرىء بفتح الهمزة وهو لغة فيه .
{ وَمِنَ المعز } زوجين { اثنين } التيس والعنز . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن عامر بفتح العين وهو جمع ماعز كصاحب وصحب وحارس وحرس . وقرأ أبي { وَمِنْ } وهو اسم جمع معز ، وهذه الأزواج الأربعة على ما اختاره شيخ الإسلام تفصيل للفرش قال : «ولعل تقديمها في التفصيل مع تأخر أصلها في الإجمال لكون هذين النوعين عرضة للأكل الذي هو معظم ما يتعلق به الحل والحرمة وهو السر في الاقتصار على الأمر به في قوله تعالى :
{ وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } [ الأنعام : 142 ] من غير تعرض للانتفاع بالحمل والركوب وغير ذلك مما حرموه في السائبة وأخواتها . ومن الناس من علل التقديم بأشرفية الغنم ولهذا رعاها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو لا يناسب المقام كما لا يخفى .
{ قُلْ } تبكيتاً لهم وإظهاراً لعجزهم عن الجواب { ءآلذَّكَرَيْنِ } ذكر الضأن وذكر المعز { حَرَّمَ } الله تعالى { أَمِ الانثيين } أي أنثى ذينك الصنفين ، ونصب الذكرين والأنثيين بحرم { أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الانثيين } أي أم الذي حملته إناث النوعين ذكراً كان أو أنثى . { نَبّئُونِي بِعِلْمٍ } أي أخبروني بأمر معلوم من جهته تعالى جاءت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يدل على أنه تعالى حرم شيئاً مما ذكر أو نبئوني تنبئة متلبسة بعلم صادرة عنه { إِن كُنتُمْ صادقين } في دعوى التحريم عليه سبحانه وتعالى ، والأمر تأكيد للتبكيت وإظهار الإنقطاع .