مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ} (3)

قوله تعالى : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون }

اعلم أن أمر الرسالة إنما يتم بالمرسل وهو الله سبحانه وتعالى والمرسل وهو الرسول ، والمرسل إليه ، وهو الأمة ، فلما أمر في الآية الأولى الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي ، وعزم صحيح أمر المرسل إليه . وهم الأمة بمتابعة الرسول . فقال : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال الحسن : يا ابن آدم ، أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله .

واعلم أن قوله : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } يتناول القرآن والسنة .

فإن قيل : لماذا قال : { أنزل إليكم } وإنما أنزل على الرسول .

قلنا : إنه منزل على الكل بمعنى أنه خطاب للكل .

إذا عرفت هذا فنقول : هذه الآية تدل على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس لا يجوز لأن عموم القرآن منزل من عند الله تعالى . والله تعالى أوجب متابعته ، فوجب العمل بعموم القرآن ولما وجب العمل به امتنع العمل بالقياس ، وإلا لزم التناقض .

فإن قالوا : لما ورد الأمر بالقياس في القرآن . وهو قوله : { فاعتبروا } كان العمل بالقياس عملا بما أنزل الله .

قلنا : هب أنه كذلك إلا أنا نقول : الآية الدالة على وجوب العمل بالقياس إنما تدل على الحكم المثبت بالقياس ، لا ابتداء بل بواسطة ذلك القياس . وأما عموم القرآن ، فإنه يدل على ثبوت ذلك الحكم ابتداء لا بواسطة ، ولما وقع التعارض كان الذي دل عليه ما أنزله الله ابتداء أولى بالرعاية من الحكم الذي دل عليه ما أنزله الله بواسطة شيء آخر ، فكان الترجيح من جانبنا . والله أعلم .

المسألة الثانية : قوله تعالى : { ولا تتبعوا من دونه أولياء } قالوا معناه ولا تتولوا من دونه أولياء من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع . ولقائل أن يقول : الآية تدل على أن المتبوع إما أن يكون هو الشيء الذي أنزله الله تعالى أو غيره .

أما الأول : فهو الذي أمر الله باتباعه .

وأما الثاني : فهو الذي نهى الله عن اتباعه ، فكان المعنى أن كل ما يغاير الحكم الذي أنزله الله تعالى فإنه لا يجوز إتباعه .

إذا ثبت هذا فنقول : إن نفاة القياس تمسكوا به في نفي القياس . فقالوا الآية تدل على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله تعالى والعمل بالقياس متابعة لغير ما أنزله الله تعالى ، فوجب أن لا يجوز .

فإن قالوا : لما دل قوله فاعتبروا على العمل بالقياس كان العمل بالقياس عملا بما أنزله الله تعالى أجيب عنه بأن العمل بالقياس ، لو كان عملا بما أنزله الله تعالى ، لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافرا لقوله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } وحيث أجمعت الأمة على عدم التكفير علمنا أن العمل بحكم القياس ليس عملا بما أنزله الله تعالى ، وحينئذ يتم الدليل .

وأجاب عنه مثبتو القياس : بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وما ذكرتموه تمسك بظاهر العموم ، وهو دليل مظنون والقاطع أولى من المظنون .

وأجاب : الأولون بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله : { ويتبع غير سبيل المؤمنين } وعموم قوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } وعموم قوله : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } وبعموم قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا تجتمع أمتي على الضلالة وعلى هذا فإثبات كون الإجماع حجة ، فرع عن التمسك بالعمومات ، والفرع لا يكون أقوى من الأصل .

فأجاب مثبتو القياس : بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في أثبات القياس قويت القوة وحصل الترجيح . والله أعلم .

المسألة الثالثة : الحشوية الذين ينكرون النظر العقلي والبراهين العقلية ، تمسكوا بهذه الآية وهو بعيد لأن العلم بكون القرآن حجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية ، فلو جعلنا القرآن طاعنا في صحة الدلائل العقلية لزم التناقض وهو باطل .

المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر { قليلا ما تذكرون } بالياء تارة والتاء أخرى . وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء وتخفيف الذال ، والباقون بالتاء وتشديد الذال . قال الواحدي رحمه الله : تذكرون أصله تتذكرون فأدغم تاء تفعل في الذال لأن التاء مهموسة ، والذال مجهورة والمجهور أزيد صوتا من المهموس ، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد ، وما موصولة بالفعل وهي معه بمنزلة المصدر . فالمعنى : قليلا تذكركم ، وأما قراءة ابن عامر { يتذكرون } بياء وتاء فوجهها أن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي قليلا ما يتذكر هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب ، وأما قراءة حمزة والكسائي وحفص ، خفيفة الذال شديدة الكاف ، فقد حذفوا التاء التي أدغمها الأولون ، وذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة والله أعلم . قال صاحب «الكشاف » : وقرأ مالك بن دينار ولا تبتغوا من الابتغاء من قوله تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ} (3)

{ اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } خطاب لكافة المكلفين ، والمراد بالموصول الكتاب المنزل إليه صلى الله عليه وسلم كما روي عن قتادة إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر وجعل منزلاً إليهم لتأكيد وجوب الاتباع ؛ وقيل : المراد به ما يعم الكتاب والسنة فليس من وضع المظهر موضع المضمر . وإيثاره لفائدة التعميم وتشميم من أسلوب قول الأنمارية هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها وتتميم لشرح الصدر فإنه لما شجع أمر الجميع باتباع جميع ما يرسمه ليكون أدعى لانشراح صدره عليه الصلاة والسلام ورحب ذراعه . ولا يخفى أن هذا الحمل بعيد . نعم يعم السنة بأقسامها الحكم بطريق الدلالة لا بطريق العبارة ، و { مِنْ } متعلقة بأنزل على أنها لابتداء الغاية مجازاً أو بمحذوف وقع حالاً من الموصول أو من ضميره في الصلة ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين مزيد لطف بهم وترغيب لهم في الامتثال بما أمروا به وتأكيد لوجوبه إثر تأكيد .

{ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } الضمير المجرور عائد إلى { رَبُّكُمْ } والجار متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل فعل النهي أي ولا تتبعوا متجاوزين ربكم الذي أنزل إليكم ما يهديكم إلى الحق أولياء من الشياطين والكهان بأن تقبلوا منهم ما يلقونه إليكم من الأباطيل ليضلوكم عن الحق بعد إذ جاءكم ويحملوكم على البدع والأهواء الزائغة . ويجوز أن يكون الجار متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من { أَوْلِيَاء } قدم عليه لكونه نكرة أي أولياء كائنة غيره تعالى ، وأن يكون متعلقاً بالفعل قبله أي تعدلوا عنه سبحانه إلى غيره . ولما كان اتباع ما أنزله سبحانه جل وعلا اتباعاً له عز شأنه عقب الأمر السابق بهذا النهي ، وقيل : الضمير لما أنزل على حذف مضاف في { أَوْلِيَاء } أي لا تتبعوا من دون ما أنزل أباطيل أولياء ، وكأنه قيل : ولا تتبعوا من دون دين ربكم دين أولياء ، وذلك التقدير لأنه لا يحسن وصف المنزل بكونه دونهم ، وجوز كون الضمير للمصدر أي لا تتبعوا أولياء اتباعاً من دون اتباعكم ما أنزل إليكم وفيه بعد . وقرأ مجاهد { تَبْتَغُواْ } بالغين المعجمة من الابتغاء .

{ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أي تذكراً قليلاً أو زماناً قليلاً تذكرون لا كثيراً حيث لا تتأثرون بذلك ولا تعملون بموجبه وتتركون الحق وتتبعون غيره ، فقليلاً نعت مصدر أو زمان محذوف أقيم مقامه ونصبه بالفعل بعده وقدم عليه للقصر ، و { مَا } مزيد لتأكيد القلة لأنها تفيدها في نحو أكلت أكلاً ما فهي ههنا قلة على قلة ، والظاهر من القلة معناها ، وجوز أن يراد بها العدم كما في قوله تعالى : { فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ }

[ البقرة : 88 ] وأجيز أن يكون { قَلِيلاً } نعت مصدر لتتبعوا أي اتباعاً قليلاً ، قيل : ويضعفه أنه لا معنى حينئذٍ لقوله سبحانه : { تَذَكَّرُونَ } وأما النهي عن الاتباع القليل فلا يضر لأنه يفهم منه غيره بالطريق البرهاني ، وأن يكون حالاً من فاعل { لاَ تَتَّبِعُواْ } و ( ما ) مصدرية أو موصولة فاعل له كما قيل ذلك في قوله تعالى : { كَانُواْ قَلِيلاً مّن اليل مَا يَهْجَعُونَ } [ الذاريات : 17 ] والنهي متوجه إلى القيد والمقيد جميعاً واعترض بأنه لا طائل تحت معناه وأن وجه بما وجه ، وأن يكون ( ما ) مصدرية أو موصولة مبتدأ ، و { قَلِيلاً } على معنى زماناً قليلاً خبره ، وقيل : إن ( ما ) نافية و { قَلِيلاً } معمول لما بعده ، والكوفيون يجوزون عمل ما بعد ( ما ) النافية فيما قبلها ، والمعنى ما تذكرون قليلاً فكيف تذكرون كثيراً وليس بشيء .

وقرأ حمزة والكسائي وحفص { تَذَكَّرُونَ } بحذف إحدى التاءين وذال مخففة . وقرأ ابن عامر { يَتَذَكَّرُونَ } بياء تحتية ومثناة فوقية وذال مخففة ، وفي طريق شاذة عنه بتاءين فوقيتين . وقرأ الباقون بتاء فوقية وذال مشددة على إدغام التاء المهموسة في الذال المجهورة ، والجملة على ما قاله غير واحد اعتراض تذييلي مسوق لتقبيح حال المخاطبين ، والالتفات على القراءة المشهورة عن ابن عامر للإيذان باقتضاء سوء حالهم في عدم الامتثال بالأمر والنهي صرف الخطاب عنهم ، وحكاية جناياتهم لغيرهم بطريق المباتة ولا حجة في الآية لنفاة القياس كما لا يخفى .