غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ} (3)

1

ثم كما أمر الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي وعزم صحيح أمر المرسل إليهم وهم الأمة بالمتابعة فقال : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } ومعنى كونه منزلاً إليهم أنهم مخاطبون بذلك مكلفون به وإلا فهو بالحقيقة منزل على الرسول ، قالت العلماء : المنزل متناول للقرآن والسنة جميعاً . عن الحسن : يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله . وفي الآية دلالة على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس غير جائز لأن متابعة المنزل واجبة فلو عمل بالقياس لزم التناقض . فإن قيل : العمل بالقياس لكونه مستفاداً من القرآن وهو قوله : { فاعتبروا } [ الحشر : 2 ] عمل بالقرآن أيضاً . قلنا : بعد التسليم إن الترجيح معنا لأن العمل بالمنزل ابتداء أولى من العمل بالمنزل بواسطة ، ثم أكد الأمر المذكور بقوله : { ولا تتبعوا من دونه } أي لا تتخذوا من دون الله { أولياء } من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع . ويجوز أن يكون الضمير في { من دونه } لما أنزل أي لا تتبعوا من دون الله أولياء . احتج نفاة القياس بأن الآية دلت على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله تعالى والعمل بالقياس . متابعة غير ما أنزل فلا يجوز . لا يقال العمل بالقياس عمل بالمنزل لقوله : { فاعتبروا } [ الحشر : 2 ] لأنا نقول : لو كان الأمر كذلك لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافراً لقوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [ الكافرون : 44 ] وقد أجمعت الأمة على عدم تكفيره . أجاب مثبتو القياس بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وظاهر العموم دليل مظنون فلا يعارض القاطع . وزيف بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله { ويتبع غير سبيل المؤمنين } [ النساء : 115 ] { تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } [ آل عمران : 110 ] وبعموم قوله صلى الله عليه وآله «لا تجتمع أمتي على الضلالة » والفرع لا يكون أقوى من الأصل . أجاب المثبتون بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في إثبات القياس قوي الظن وحصل الترجيح . ومن الحشوية من أنكر النظر في البراهين العقلية تمسكاً بالآية . وأجيب بأن العلم بكون القرآن لحجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية فكيف تنكر . ثم ختم المخاطبة بنوع معاتبة فقال : { قليلاً ما تذكرون } أي تذكرون تذكراً قليلا . و«ما » مزيدة لتوكيد القلة .

/خ10