قوله تعالى : { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين }
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى رغب الأمم في قبول دعوة الأنبياء عليهم السلام بالتخويف أولا ثم بالترغيب ثانيا على ما بيناه ، والترغيب إنما كان لأجل التنبيه على كثرة نعم الله تعالى على الخلق ، فبدأ في شرح تلك النعم بقوله : { ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش } ثم أتبعه بذكر أنه خلق أبانا آدم وجعله مسجودا للملائكة ، والإنعام على الأب يجري مجرى الإنعام على الابن فهذا هو وجه النظم في هذه الآيات ، ونظيره أنه تعالى قال في أول سورة البقرة : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } فمنع تعالى من المعصية بقوله : { كيف تكفرون بالله } وعلل ذلك المنع بكثرة نعمه على الخلق ، وهو أنهم كانوا أمواتا فأحياهم ، ثم خلق لهم ما في الأرض جميعا من المنافع ، ثم أتبع تلك المنفعة بأن جعل آدم خليفة في الأرض مسجودا للملائكة ، والمقصود من الكل تقرير أن مع هذه النعم العظيمة لا يليق بهم التمرد والجحود فكذا في هذه السورة ذكر تعالى عين هذا المعنى بغير هذا الترتيب فهذا بيان وجه النظم على أحسن الوجوه :
المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى ذكر قصة آدم عليه السلام مع قصة إبليس في القرآن في سبعة مواضع : أولها : في سورة البقرة ، وثانيها : في هذه السورة ، وثالثها : في سورة الحجر ، ورابعها : في سورة بني إسرائيل ، وخامسها : في سورة الكهف ، وسادسها : في سورة طه ، وسابعها : في سورة ص .
إذا عرفت هذا فنقول : في هذه الآية سؤال ، وهو أن قوله تعالى : { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } يفيد أن المخاطب بهذا الخطاب نحن .
ثم قال بعده : { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } وكلمة { ثم } تفيد التراخي ، فظاهر الآية يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا وتصويرنا ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، فلهذا السبب اختلف الناس في تفسير هذه الآية على أربعة أقوال : الأول : أن قوله : { ولقد خلقناكم } أي خلقنا أباكم آدم وصورناكم ، أي صورنا آدم { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } وهو قول الحسن ويوسف النحوي وهو المختار ، وذلك لأن أمر الملائكة بالسجود لآدم تأخر عن خلق آدم وتصويره ، ولم يتأخر عن خلقنا وتصويرنا أقصى ما في الباب أن يقال : كيف يحسن جعل خلقنا وتصويرنا كناية عن خلق آدم وتصويره ؟ فنقول : إن آدم عليه السلام أصل البشر ، فوجب أن تحسن هذه الكناية نظيره قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور } أي ميثاق أسلافكم من بني إسرائيل في زمان موسى عليه السلام ، ويقال : قتلت بنو أسد فلانا ، وإنما قتله أحدهم . قال عليه السلام : ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل ، وإنما قتله أحدهم ، وقال تعالى مخاطبا لليهود في زمان محمد صلى الله عليه وسلم : { وإذ أنجيناكم من آل فوعون } { وإذ قتلتم نفسا } والمراد من جميع هذه الخطابات أسلافهم ، فكذا ههنا . الثاني : أن يكون المراد من قوله : { خلقناكم } آدم { ثم صورناكم } أي صورنا ذرية آدم عليه السلام في ظهره ، ثم بعد ذلك قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، وهذا قول مجاهد . فذكر أنه تعالى خلق آدم أولا ، ثم أخرج أولاده من ظهره في صورة الذر ، ثم بعد ذلك أمر الملائكة بالسجود لآدم .
الوجه الثالث : خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، فهذا العطف يفيد ترتيب خبر على خبر ، ولا يفيد ترتيب المخبر على المخبر .
والوجه الرابع : أن الخلق في اللغة عبارة عن التقدير ، كما قررناه في هذا الكتاب ، وتقدير الله عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته لتخصيص كل شيء بمقداره المعين فقوله : { خلقناكم } إشارة إلى حكم الله وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم . وقوله : { صورناكم } إشارة إلى أنه تعالى أثبت في اللوح المحفوظ صورة كل شيء كائن محدث إلى قيام الساعة على ما جاء في الخبر أنه تعالى قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فخلق الله عبارة عن حكمه ومشيئته ، والتصوير عبارة عن إثبات صور الأشياء في اللوح المحفوظ ، ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله تعالى آدم وأمر الملائكة بالسجود له وهذا التأويل عندي أقرب من سائر الوجوه .
المسألة الثالثة : ذكرنا في سورة البقرة أن هذه السجدة فيها ثلاثة أقوال : أحدها : أن المراد منها مجرد التعظيم لا نفس السجدة . وثانيها : أن المراد هو السجدة ، إلا أن المسجود له هو الله تعالى ، فآدم كان كالقبلة . وثالثها : أن المسجود له هو آدم ، وأيضا ذكرنا أن الناس اختلفوا في أن الملائكة الذين أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم هل هم ملائكة السماوات والعرش أو المراد ملائكة الأرض ، ففيه خلاف ، وهذه المباحث قد سبق ذكرها في سورة البقرة .
المسألة الرابعة : ظاهر الآية يدل على أنه تعالى استثنى إبليس من الملائكة ، فوجب كونه منهم وقد استقصينا أيضا هذه المسألة في سورة البقرة ، وكان الحسن يقول : إبليس لم يكن من الملائكة لأنه خلق من نار والملائكة من نور ، والملائكة لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ولا يعصون ، وليس كذلك إبليس ، فقد عصى واستكبر ، والملائكة ليسوا من الجن ، وإبليس من الجن ، والملائكة رسل الله ، وإبليس ليس كذلك ، وإبليس أول خليقة الجن وأبوهم ، كما أن آدم صلى الله عليه وسلم أول خليقة الإنس وأبوهم . قال الحسن : ولما كان إبليس مأمورا مع الملائكة استثناه الله تعالى ، وكان اسم إبليس شيئا آخر ، فلما عصى الله تعالى سماه بذلك وكان مؤمنا عابدا في السماء حتى عصى ربه فأهبط إلى الأرض .
{ وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم } تذكير لنعمة أخرى ، وتأخيره عن تذكير ما وقع ( بعده ) من نعمة التمكن في الأرض إما لأنها فائضة على المخاطبين بالذات وهذه بالواسطة ، وإما للإيذان بأن كلا منهما نعمة مستقلة ، والمراد خلق آدم عليه السلام وتصويره كما يقتضيه ظاهر العطف الآتي لكن لما كان مبتدأ للمخاطبين جعل خلقه خلقاً بهم ونزل منزلته فالتجوز على هذا في ضمير الجمع بجعل آدم عليه السلام كجميع الخلق لتفرعهم عنه أو في الإسناد إذ أسند ما لآدم الذي هو الأصل والسبب إلى ما تفرع عنه وتسبب . وجعل بعضهم الكلام على تقدير المضاف ، وذهب الإمام إلى أنه كناية عن خلق آدم عليه السلام ، والمعنى خلقنا أباكم آدم عليه السلام طيناً غير مصور ثم صورناه أبدع تصوير وأحسن تقويم سار ذلك إليكم . وجوز أن يكون التجوز في الفعل ، والمراد ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا آدم ثم صورناه ، ويعود هذا إلى ابتداء خلق الجنس وابتداء خلق كل جنس بإجاد أول أفراده . فهو نظير قوله تعالى : { خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ } [ السجدة : 7 ] .
وعلى هذين الوجهين يظهر وجه العطف بثم في قوله تعالى : { ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ } وزعم الأخفش أن { ثُمَّ } هنا بمعنى الواو ، وتعقبه الزجاج بأنه خطأ لا يجيزه الخليل وسيبويه ولا من يوثق بعلمه لأن ثم للشيء الذي يكون بعد المذكور قبله لا غيره ، وإنما المعنى إنا ابتدأنا خلق آدم عليه السلام من تراب ثم صورناه أي هذا أصل خلقكم ثم بعد الفراغ من أصلكم قلنا الخ ، وقيل : إن { ثُمَّ } لترتيب الأخبار لا للترتيب الزماني حتى يحتاج إلى توجيه ، والمعنى خلقناكم يا بني آدم مضغاً غير مصورة ثم صورناكم بشق السمع والبصر وسائر الأعضاء كما روي عن يمان أو خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء كما روي عن عكرمة ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة الخ وإلى هذا ذهب جماعة من النحويين منهم علي بن عيسى والقاضي أبو سعيد السيرافي وغيرهما ، وقال الطيبي : يمكن أن تحمل { ثُمَّ } على التراخي في الرتبة لأن مقام الامتنان يقتضي أن يقال : إن كون أبيهم مسجوداً للملائكة أرفع درجة من خلقهم وتصويرهم .
وفيه تلويح إلى شرف العلم وتنبيه للمخاطبين على تحصيل ما فاز به أبوهم من تلك الفضيلة ، ومن ثم عقب في البقرة الأمر بالسجود مسألة التحدي بالعلم . وعن ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة والسدي أن المعنى خلقنا آدم عليه السلام ثم صورناكم في ظهره ثم قلنا الخ . وقد تقدم الكلام في المراد بالملائكة المأمورين بالسجود ، وكذا الكلام في المراد بالسجود .
/ وذكر بعض المحققين أن الظاهر أن يقال : ثم أمرنا الملائكة بالسجود لآدم إلا أنه عدل عن ذلك لأن الأمر بالسجود كان قبل خلق آدم عليه السلام على ما نطق به قوله تعالى :
{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ساجدين } [ الحجر : 29 و ص : 72 ] والواقع بعد تصويره إنما هو قوله سبحانه : { اسجدوا لاِدَمَ } وذلك لتعيين وقت السجدة المأمور بها قبل ، والحاصل أنه سبحانه أمرهم أولاً أمراً معلقاً ثم أمرهم ثانياً أمراً منجزاً مطابقاً للأمر للأمر السابق فلذا جعله حكاية له ، وفي ذلك ما لا يخفى من الاعتناء بشأن آدم عليه السلام .
{ فَسَجَدُواْ } أي الملائكة عليهم السلام بعد القول من غير تلعثم كلهم أجمعون { إِلاَّ إِبْلِيسَ } استثناء متصل سواء قلنا : إن إبليس من الملائكة حقيقة أم لا ، أما على الأول : فظاهر ، وأما على الثاني : فلأنه لما كان جنياً مفرداً مغموراً بألوف من الملائكة متصفاً بغالب صفاتهم غلبوا عليه في { سَجَدُواْ } ثم استثنى استثناء واحد منهم . وقيل : منقطع بناء على أنه من الجن وأنهم ليسوا من جنس الملائكة ولا تغليب ، والأول هو المختار .
وذكر قوله تعالى : { لَمْ يَكُن مّنَ الساجدين } أي ممن سجد لآدم عليه السلام مع أنه علم من الاستثناء عدم السجود لأن المعلوم من الاستثناء عدم العموم لا عموم العدم ، والمراد الثاني أي أنه لم يصدر منه السجود مطلقاً لا معهم ولا منفرداً . وهذا إنما يفيده التنصيص كذا قيل ، ونظر فيه بأن التنصيص المذكور لا يفيد عموم الأحوال والأوقات فلا يتم ما ذكر ، وتحقيق هذا المقام على ما ذكره المولى سري الدين أن يقال : إن القوم اختلفوا في أن الاستثناء من النفي إثبات أم لا ، فقال الشافعي : نعم فيكون نقيض الحكم ثابتاً للمستثنى بطريق العبارة ، ويوافقه ظاهر عبارة «الهداية » . وذهب طائفة من الحنفية إلى أنه بطريق الإشارة . وذهب آخرون إلى أن المستثنى في حكم المسكوت عنه ، وإنما يستفاد الحكم بطريق مفهوم المخالفة . واختار صاحب «البحر » أنه منطوق إشارة تارة وعبارة أخرى .
وإذا تقرر هذا فيمكن أن يقال في الجواب : إن المقام لما كان مقام التسجيل على إبليس بعدم السجود والتشهير والتوبيخ بتلك القبيحة الهائلة كان خليقاً بالتصريح جديراً بالاحتياط لضعف التعويل على القرينة لائقاً بكمال الإيضاح والتقرير فعدل عن طريق الحذف ، وإن كان الكلام دالاً على المحذوف إلى منهج الذكر والتصريح به ، وهذا على رأي الشافعي ومن وافقه ظاهر وإليه أشار السراج الهندي في مباحث الاستثناء من «شرح المغني » ، وأما على باقي المذاهب فالأمر أظهر لأن الحكم على المستثنى بنقيض حكم المستثنى منه إما بطريق الإشارة أو مفهوم المخالفة ، وعلى كل فالمقام يأبى الاكتفاء بمثل ذلك ويقتضي التصريح بذكر الحكم .
وادعى مولانا ابن الكمال أن هذه الجملة إنما جيء بها لانقطاع الاستثناء وأنه لو كان الاستثناء متصلاً يكون الاتيان بها ضائعاً لأن عدم كون إبليس من الساجدين يفهم من الاستثناء على تقدير اتصاله . ولا يخفى ما فيه على من أحاط علماً بما ذكرنا . واعترضه البعض أيضاً بأنه على تقدير الانقطاع يكون ذلك ضائعاً أيضاً بناء على ما ظنه فإن ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى غير مختص بالمتصل ، ولذا لا نراهم يذكرون مع المستثنى المنقطع أيضاً نقيض حكم المستثنى منه إلا قليلاً ، ولو تم ما ذكره لوجب ذكر الخبر مع كل منقطع فليفهم .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم } أي ابتدأنا ذلك بخلق آدم عليه السلام وتصويره { ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ } فإنه المظهر الأعظم ، وفي الخبر «خلق الله آدم على صورته » وفي رواية «على صورة الرحمن » { فَسَجَدُواْ } وانقادوا للحق { إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مّنَ الساجدين } [ الأعراف : 11 ] لنقصان بصيرته