قوله تعالى : { والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون }
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن من جملة أحوال القيامة السؤال والحساب ، بين في هذه الآية أن من جملة أحوال القيامة أيضا وزن الأعمال ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : { الوزن } مبتدأ و{ يومئذ } ظرف له و{ الحق } خبر المبتدأ ، ويجوز أن يكون { يومئذ } الخبر و{ الحق } صفة للوزن ، أي والوزن الحق ، أي العدل يوم يسأل الله الأمم والرسل .
المسألة الثانية : في تفسير وزن الأعمال قولان : الأول : في الخبر أنه تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها ، ثم قال ابن عباس : أما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة ، فتوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته ، فذلك قوله : { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون } الناجون قال وهذا كما قال في سورة الأنبياء : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا } وأما كيفية وزن الأعمال على هذا القول ففيه وجوه : أحدهما : أن أعمال المؤمن تتصور بصورة حسنة ، وأعمال الكافر بصورة قبيحة ، فتوزن تلك الصورة : كما ذكره ابن عباس . والثاني : أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد مكتوبة ، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يوزن يوم القيامة فقال : «الصحف » وهذا القول مذهب عامة المفسرين في هذه الآية ، وعن عبد الله بن سلام ، أن ميزان رب العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة ، والأخرى على جهنم ، ولو وضعت السماوات والأرض في إحداهما لوسعتهن ، وجبريل آخذ بعموده ينظر إلى لسانه ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يؤتي برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتي له بتسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله يوضع في الأخرى فترجح ) وعن الحسن : بينما الرسول صلى الله عليه وسلم ذات يوم واضع رأسه في حجر عائشة رضي الله عنها قد أغفى فسالت الدموع من عينها فقال : «ما أصابك ما أبكاك ؟ » فقالت : ذكرت حشر الناس وهل يذكر أحد أحدا ، فقال لها : ( يحشرون حفاة عراة غرلا ) { لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه } لا يذكر أحد أحدا عند الصحف ، وعند وزن الحسنات والسيئات ، وعن عبيد بن عمير يؤتى بالرجل العظيم الأكول الشروب فلا يكون له وزن بعوضة .
والقول الثاني : وهو قول مجاهد والضحاك والأعمش ، أن المراد من الميزان العدل والقضاء وكثير من المتأخرين ذهبوا إلى هذا القول ، وقالوا حمل لفظ الوزن على هذا المعنى سائغ في اللغة والدليل عليه فوجب المصير إليه . وأما بيان أن حمل لفظ الوزن على هذا المعنى جائز في اللغة ، فلأن العدل في الأخذ والإعطاء ، لا يظهر إلا بالكيل والوزن في الدنيا فلم يبعد جعل الوزن كناية عن العدل ، ومما يقوي ذلك أن الرجل إذا لم يكن له قدرة ولا قيمة عند غيره يقال : إن فلانا لا يقيم لفلان وزنا قال تعالى :
{ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } ويقال أيضا فلان استخف بفلان ، ويقال هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه ، أي يعادله ويساويه مع أنه ليس هناك وزن في الحقيقة قال الشاعر :
قد كنت قبل لقائكم ذا قوة *** عندي لكل مخاصم ميزانه
أراد عندي لكل مخاصم كلام يعادل كلامه فجعل الوزن مثلا للعدل .
إذا ثبت هذا فنقول : وجب أن يكون المراد من هذه الآية هذا المعنى فقط والدليل عليه أن الميزان ، إنما يراد ليتوصل به إلى معرفة مقدار الشيء ، ومقادير الثواب والعقاب لا يمكن إظهارها بالميزان ، لأن أعمال العباد أعراض وهي قد فنيت وعدمت ، ووزن المعدوم محال ، وأيضا فبتقدير بقائها كان وزنها محالا ، وأما قولهم الموزون صحائف الأعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال . فنقول : المكلف يوم القيامة ، إما أن يكون مقرا بأنه تعالى عادل حكيم أو لا يكون مقرا بذلك فإن كان مقرا بذلك ، فحينئذ كفاه حكم الله تعالى بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب وإن لم يكن مقرا بذلك لم يعرف من رجحان كفة الحسنات على كفة السيئات أو بالعكس حصول الرجحان لاحتمال أنه تعالى أظهر ذلك الرجحان لا على سبيل العدل والإنصاف فثبت أن هذا الوزن لا فائدة فيه ألبتة ، أجاب الأولون وقالوا إن جميع المكلفين يعلمون يوم القيامة أنه تعالى منزه عن الظلم والجور ، والفائدة في وضع ذلك الميزان أن يظهر ذلك الرجحان لأهل القيامة ، فإن كان ظهور الرجحان في طرف الحسنات ، ازداد فرحه وسروره بسبب ظهور فضله وكمال درجته لأهل القيامة وإن كان بالضد فيزداد غمه وحزنه وخوفه وفضيحته في موقف القيامة ، ثم اختلفوا في كيفية ذلك الرجحان ، فبعضهم قال يظهر هناك نور في رجحان الحسنات ، وظلمة في رجحان السيئات ، وآخرون قالوا بل بظهور رجحان في الكفة .
المسألة الثالثة : الأظهر إثبات موازين في يوم القيامة لا ميزان واحد والدليل عليه قوله : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } وقال في هذه الآية : { فمن ثقلت موازينه } وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان ، ولأفعال الجوارح ميزان ، ولما يتعلق بالقول ميزان آخر . قال الزجاج : إنما جمع الله الموازين ههنا ، فقال : { فمن ثقلت موازينه } ولم يقل ميزانه لوجهين : الأول : أن العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد . فيقولون : خرج فلان إلى مكة على البغال . والثاني : أن المراد من الموازين ههنا جمع موزون لا جمع ميزان وأراد بالموازين الأعمال الموزونة ولقائل أن يقول هذان الوجهان يوجبان العدول عن ظاهر اللفظ ، وذلك إنما يصار إليه عند تعذر حمل الكلام على ظاهره ولا مانع ههنا منه فوجب إجراء اللفظ على حقيقته فكما لم يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة ، فما الموجب لترك الظاهر والمصير إلى التأويل .
{ والوزن } أي وزن الأعمال والتمييز بين الراجح منها والخفيف والجيد والرديء ، وهو مبتدأ وقوله تعالى : { يَوْمَئِذٍ } متعلق بمحذوف خبره ، وقوله تعالى : { الحق } صفته أي والوزن الحق ثابت يوم إذ يكون السؤال والقص . واختار هذا بعض من المعربين ، وقيل : الظاهر أن { الحق } خبر و { يَوْمَئِذٍ } ظرف للوزن لئلا يقع الفصل بين الصفة والموصوف . ولعل وجه عدم اختيار هذا أن فيه أعمال المصدر المعرف وهو قليل . وفي «الكشف » ليس المعنى على أن الوزن هو الحق بل أن الوزن الحق يكون يومئذ ألا يرى إلى قوله سبحانه : { وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة } [ الأنبياء : 47 ] وذكر الأصفهاني في شرح اللمع لابن جني أن ( الحق ) بدل من الضمير المستتر في الظرف ، وهو وجه حسن إلا أن الأول رجح جانب المعنى ولم يبال بالفصل بالخبر لاتحاده من وجه بالمبتدأ لا سيما والظرف يتوسع فيه . وجوز أبو البقاء أن يكون ( الحق ) خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل : ما ذلك الوزن ؟ فقيل : هو الحق أي العدل السوي . وأن يكون ( الوزن ) خبر مبتدأ محذوف أيضاً أي هذا الوزن وهو كما ترى . وقرىء { القسط } «والوزن كما قال الراغب معرفة قدر الشيء يقال : وزنته وزنا وزنة ، والمتعارف فيه عند العامة ما يقدر ( بالقسطاس ) والقبان » . واختلف في كيفيته يوم القيامة .
والجمهور كما قال القاضي على أن صحائف الأعمال هي التي توزن بميزان له لسان وكفتان لينظر إليه الخلائق إظهاراً للمعادلة وقطعاً للمعذرة كما يسألون عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وجوارحهم . ولا تعرض لهم لماهية هاتيك الصحائف والله تعالى أعلم بحقيقتها . ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مد البصر فيقول سبحانه : أتنكر من هذا شيئا ؟ أظلمك كتبتي الحافظون فيقول : لا يا رب فيقول سبحانه أفلك عذر أو حسنة ؟ فيهاب الرجل فيقول لا يا رب فيقول جل شأنه : بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فيقول : يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقال : إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات ثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء "
وهذه الشهادة على ما قاله القرطبي نقلاً عن الحيكم الترمذي ليست شهادة التوحيد لأن من شأن الميزان أن يوضع في إحدى كفتيه شيء وفي الأخرى ضده فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة ومن المستحيل أن يؤتى لعبد واحد بكفر وإيمان معاً فيستحيل أن توضع شهادة التوحيد في الميزان أما بعد الإيمان فإن النطق بهذه الكلمة الطيبة حسنة فتوضع في الميزان كسائر الحسنات . وأيد ذلك بقوله جل وعلا في الحديث : " إن لك عندنا حسنة " دون أن يقول سبحانه : إيماناً . وجوز أن يكون المراد هذه الكلمة إذا كانت آخر كلامه في الدنيا . وجوز غيره أن تكون كلمة التوحيد ، ومنع لزوم وضع الضد في الكفة الأخرى ليلزم المحال فتدبر .
وجاء في خبر آخر أخرجه ابن أبي الدنيا والنميري في كتاب «الإعلام » عن عبد الله أيضاً قال : إن لآدم عليه السلام من الله عز وجل موقفا في فسح من العرش عليه ثوبان أخضران كأنه نخلة سحوق ينظر إلى من ينطلق به من ولده إلى الجنة ومن ينطلق به إلى النار فبينا آدم على ذلك إذ نظر إلى رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ينطلق به إلى النار فينادي آدم عليه السلام يا أحمد يا أحمد فيقول عليه الصلاة والسلام : لبيك يا أبا البشر فيقول : هذا رجل من أمتك ينطلق به إلى النار قال صلى الله عليه وسلم : فأشد المئزر وأسرع في أثر الملائكة فأقول : يا رسل ربي قفوا فيقولون . نحن الغلاظ الشداد الذين لا نعصي الله تعالى ما أمرنا ونفعل ما نؤمر فإذا أيس النبي صلى الله عليه وسلم قبض على لحيته بيده اليسرى واستقبل العرش بوجهه فيقول : يا رب قد وعدتني أن لا تخزيني في أمتي فيأتي النداء من قبل العرش أطيعوا محمداً وردوا هذا العبد إلى المقام فيخرج صلى الله عليه وسلم بطاقة بيضاء كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى وهو يقول بسم الله فترجح الحسنات على السيئات فينادي المنادي سعد وسعد جده وثقلت موازينه انطلقوا به إلى الجنة فيقول يا رسل ربي : قفوا حتى أسأل هذا العبد الكريم على ربه فيقول : يا بني أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك من أنت ؟ فقد أقلتني عثرتي ورحمت عبرتي فيقول عليه الصلاة والسلام . أنا نبيك محمد وهذه صلاتك التي كنت تصلي علي وفيتكها أحوج ما تكون إليها انتهى .
ولعل فعل مثل هذا إذا صح الخبر مبالغة في إظهار كرامة النبي صلى الله عليه وسلم على ربه عز وجل بين الأولين والآخرين . وقيل : توزن الأشخاص ، واحتجوا له بما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : «إنه ليؤتى العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله تعالى جناح بعوضة ولا أدري على هذا ما يوضع في الكفة الأخرى من الميزان إذا وضع المذنب في إحداهما ، ووضع شخص في مقابلة شخص لا أراه إلا كما ترى ، والخبر ليس نصاً في الدعوى كما لا يخفى ، وقيل : إن هذه الأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصور عرضية تظهر في النشأة الآخرة بصور جوهرية مناسبة لها في الحسن والقبح ، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وصححه غير واحد وقال : إن عليه الاعتقاد ، وفي الآثار ما يؤيده .
فقد أخرج ابن عبد البر عن إبراهيم النخعي قال : يجاء بعمل الرجل فيوضع بكفة ميزانه يوم القيامة فيخف فيجاء بشيء أمثال الغمام فيوضع في كفة ميزانه فيرجحه فيقال له : أتدري ما هذا ؟ فيقول : لا فيقال له : هذا فضل العلم الذي كنت تعلمه الناس ، وأخرج ابن المبارك عن حماد بن أبي سليمان بمعناه .
وقيل : الوزن عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل ، واستعمال لفظ الوزن في هذا المعنى شائع في اللغة والعرف بطريق الكتاية وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك ، وإليه ذهب المعتزلة إلا أن منهم من جوز الوزن بالمعنى المتعارف عقلاً وإن لم يقض بثبوته كالعلاف وبشر بن المعتمر ، ومنهم من أحاله لأن الأعمال أعراض وهي مما لا تبقى ومما لا يمكن إعادتها ، سلمنا بقاءها أو إمكان إعادتها لكنها أعراض والأعراض يمتنع وزنها إذ لا توصف بثقل ولا خفة ، سلمنا إمكان وزنها لكن لا فائدة في ذلك إذ المقصود إنما هو العلم بتفاوت الأعمال والله تعالى عالم بذلك وما لا فائدة فيه ففعله قبيح والرب تعالى منزه عن فعل القبيح ، وجوابه يعلم مما قدمنا .
وفسر هؤلاء الميزان بالعدل والإنصاف . واعترض الآمدي على ذلك بأن الميزان موصوف بالثقل والخفة ، والعدل والإنصاف لا يوصفان بذلك ، وفي الأخبار ما هو صريح في أن الميزان جسماني ، فقد أخرج الحاكم وصححه عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسع فتقول الملائكة : يا رب من يزن هذا ؟ فيقول الله تعالى : من شئت من خلقي فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك " وفي رواية ابن المبارك واللالكائي عنه قال : يوضع الميزان وله كفتان لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعه فتقول الملائكة من يزد هذا ؟ الحديث . وأخرج ابن مردويه عن عائشة " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «خلق الله تعالى كفتيْ الميزان مثل السموات والأرض فقال الملائكة : يا ربنا من تزن بهذا ؟ فقال : أزن به من شئت " وفي بعض الآثار " أن الله تعالى كشف عن بصر داود عليه السلام فرأى من الميزان ما هاله حتى أغمي عليه فلما أفاق قال : يا رب من يملأ كفة هذا حسنات فقال جل شأنه : يا داود إذا رضيت عن عبد ملأتها بشق تمرة تصدق بها "
إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة . فالأولى كما قال الزجاج اتباع ما جاء في الأحاديث ولا مقتضي للعدول عن ذلك ، فإن قيل : إن المكلف يوم القيامة إما مؤمن بأنه تعالى حكيم منزه عن الجور فيكفيه حكمه تعالى بكيفيات الأعمال وكمياتها وإما منكر له فلا يسلم حينئذ أن رجحان بعض الأعمال على بعض لخصوصيات راجعة إلى ذوات تلك الأعمال بل يسنده إلى إظهار الله تعالى إياه على ذلك الوجه فما الفائدة في الوزن ؟ أجيب بأنه ينكشف الحال يومئذ وتظهر جميع الأشياء بحقائقها على ما هي عليه وبأوصافها وأحوالها في أنفسها من الحسن والقبح وغير ذلك وتنخلع عن الصور المستعارة التي بها ظهرت في الدنيا فلا يبقى لأحد ممن يشاهدها شبهة في أنها هي التي كانت في الدنيا بعينها وإن كل واحد منها قد ظهر في هذه النشأة بصورته الحقيقية المستتبعة لصفاته ولا يخطر بباله خلاف ذلك قاله بعض المحققين والله تعالى أعلم بحقيقة الحال .
{ فَمَن ثَقُلَتْ موازينه } تفصيل للأحكام المترتبة على الوزن ، والموازين إما جمع ميزان وجمعه مع أن المشهور الصحيح أن الميزان مطلقاً واحد باعتبار تعدد الأوزان أو الموزونات ، وكذا إذا قلنا بأن ميزان كل شخص واحد وفي الكلام مضاف مقدر أي كفة موازينه ، وإما جمع موزون وإضافته للعهد ، لترتب الفلاح على ذلك فالمراد الحسنات ، والجمع على هذا ظاهر ، وكذا لو قلنا إن لكل عمل ميزاناً { فَأُوْلَئِكَ } إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة ، والجمعية باعتبار معناه كما أن إفراد ضمير { موازينه } العائد إليه باعتبار لفظه ، وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة ، وهو مبتدأ و { هُمْ } إما ضمير فصل يفصل به بين الخبر والصفة ويؤكد النسبة ويفيد اختصاص المسند بالمسند إليه و { المفلحون } أي الفائزون بالنجاة والثواب خبر . وإما مبتدأ ثان و { المفلحون } خبره والجملة خبر المبتدأ الأول ، وتعريف المفلحين للدلالة على أنهم الناس الذين بلغك أنهم مفلحون في الآخرة أو إشارة إلى ما يعرفه كل أحد من حقيقة المفلحين وخصائصهم . { وَمَنْ خَفَّتْ موازينه فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } بتضييع فطرة الإسلام التي ما من مولود إلا يولد عليها أو فطرة الخير الذي هو أصل الجبلة .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ والوزن يَوْمَئِذٍ الحق } [ الأعراف : 8 ] هو عند كثير من الصوفية اعتبار الأعمال . وذكروا أن لسان ميزان الحق هو صفة العدل وإحدى كفتيه هو عالم الحس والكفة الأخرى هو عالم العقل فمن كانت مكاسبه من المعقولات الباقية والأخلاق الفاضلة والأعمال الخيرية المقرونة بالنية الصادقة ثقلت أي كانت ذا قدر وأفلح هو أي فاز بالنعيم الدائم ومن كانت مقتنياته من المحسوسات الفانية واللذات الزائلة والشهوات الفاسدة والأخلاق الرديئة خفت ولم يعتن بها وخسر هو نفسه لحرمانه النعيم هلاكه