مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ} (83)

قوله تعالى : { فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين }

اعلم أن قوله { فأنجيناه وأهله } يحتمل أن يكون المراد من أهله أنصاره وأتباعه الذين قبلوا دينه ويحتمل أن يكون المراد المتصلين به بالنسب . قال ابن عباس : المراد ابنتاه . وقوله : { إلا امرأته } أي زوجته . يقال : امرأة الرجل بمعنى زوجته . ويقال : رجل المرأة بمعنى زوجها لأن الزوج بمنزلة المالك لها ، وليست المرأة بمنزلة المالك للرجل ، فإذا أضيفت إلى الرجل بالاسم العام ، عرفت الزوجية . وملك النكاح ، والرجل إذا أضيف إلى المرأة بالاسم العام ، تعرف الزوجية . وقوله : { كانت من الغابرين } يقال : غبر الشيء يغبر غبورا ، إذا مكث وبقي . قال الهذلي :

فغبرت بعدهم بعيش ناصب *** وأخال أني لاحق مستتبع

يعني بقيت فمعنى الآية : أنها كانت من الغابرين عن النجاة أي من الذين بقوا عنها ولم يدركوا النجاة يقال فلان غبر هذا الأمر أي لم يدركه ، ويجوز أن يكون المراد أنها لم تسر مع لوط وأهله ، بل تخلفت عنه وبقيت في ذلك الموضع الذي هو موضع العذاب .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ} (83)

{ فأنجيناه وَأَهْلَهُ } أي من اختص به واتبعه من المؤمنين سواء كانوا من ذوي قرابته عليه السلام أم لا . وقيل : ابنتاه ريثا ويغوثا . وللأهل معان ولكل مقام مقال ، وهو عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه في باب الوصية الزوجة للعرف ولقوله سبحانه : { قَالَ لاِهْلِهِ امكثوا } [ القصص : 29 ] { وَسَارَ بِأَهْلِهِ } [ القصص : 29 ] فتدفع الوصية لها إن كانت كتابية أو مسلمة وأجازت الورثة . وعند الإمامين أهل الرجل كل من في عياله ونفقته غير مماليكه وورثته ، وقولهما كما في «شرح التكملة » استحسان . وأيده ابن الكمال بهذه الآية لأنه لا يصح فيها أن يكون بمعنى الزوجة أصلاً لقوله سبحانه : { إِلاَّ امرأته } فإنه استثناء من أهله وحينئذ لا يصح الاستثناء ، وأنت تعلم أن الكلام في المطلق على القرينة لا في الأهل مطلقاً واسم امرأته عليه السلام واهلة وقيل : والهة .

{ كَانَتْ مِنَ الغابرين } أي بعضاً منهم فالتذكير للتغليب ولبيان استحقاقها لما يستحقه المباشرون للفاحشة وكانت تسر الكفر وتوالي أهله فهلكت كما هلكوا . وجوز أن يكون المعنى كانت مع القوم الغابرين فلا تغليب . والغابر بمعنى الباقي ومنه قول الهذلي

: فغبرت بعدهم بعيش ناصب *** ويجيء بمعنى الماضي والذاهب . ومنه قوله الأعشى

: في الزمن الغابر *** فهو من الأضداد كما في «الصحاح » وغيره . ويكون بمعنى الهالك أيضاً . وفي بقاء امرأته مع أولئك القوم روايتان ثانيتهما أنه عليه السلام أخرجها مع أهله ونهاهم عن الالتفات فالتفتت هي فأصابها حجر فهلكت . والآية هنا محتملة للأمرين . والحسن وقتادة يفسران الغبور هنا بالبقاء في عذاب الله تعالى . وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة لهذا الكلام . والجملة استئناف وقع جواباً نشأ عن الاستثناء كأنه قيل : فما كان حالها ؟ فقيل : كانت من الغابرين .