مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (86)

قوله تعالى : { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين }

اعلم أن شعيبا عليه السلام ضم إلى ما تقدم ذكره من التكاليف الخمسة أشياء . الأول : أنه منعهم من أن يقعدوا على طرق الدين ومناهج الحق ، لأجل أن يمنعوا الناس عن قبوله وفي قوله : { ولا تقعدوا بكل صراط } قولان : الأول : يحمل الصراط على الطريق الذي يسلكه الناس . روي أنهم كانوا يجلسون على الطرقات ويخوفون من آمن بشعيب عليه السلام . والثاني : أن يحمل الصراط على مناهج الدين ، قال صاحب «الكشاف » : { ولا تقعدوا بكل صراط } أي ولا تقتدوا بالشيطان في قوله : { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } قال والمراد بالصراط كل ما كان من مناهج الدين ، والدليل على أن المراد بالصراط ذلك قوله : { وتصدون عن سبيل الله } وقوله : { بكل صراط } يقال قعد له بمكان كذا وعلى مكان كذا ، وفي مكان كذا ، وهذه الحروف تتعاقب في هذه المواضع لتقارب معانيها ، فإنك إذا قلت قعد بمكان كذا ، فالباء للإلصاق ، وهو قد التصق بذلك المكان .

وأما قوله : { توعدون } فمحله ومحل ما عطف عليه النصب على الحال ، والتقدير : ولا تقعدوا موعدين ولا صادين عن سبيل الله ولا أن تبغوا عوجا في سبيل الله ، والحاصل : أنه نهاهم عن القعود على صراط الله حال الاشتغال بأحد هذه الأمور الثلاثة . واعلم أنه تعالى لما عطف بعض هذه الثلاثة على البعض . وجب حصول المغايرة بينها فقوله : { توعدون } يحصل بذلك إنزال المضار بهم وأما الصد ، فقد يكون بالإيعاد بالمضار ، وقد يكون بالوعد بالمنافع بما لو تركه ، وقد يكون بأن لا يمكنه من الذهاب إلى الرسول ليسمع كلامه .

أما قوله : { وتبغونها عوجا } فالمراد إلقاء الشكوك والشبهات والمراد من الآية أن شعيبا منع القوم من أن يمنعوا الناس من قبول الدين الحق بأحد هذه الطرق الثلاثة . وإذا تأملت علمت أن أحدا لا يمكنه منع غيره من قبول مذهب أو مقالة إلا بأحد هذه الطرق الثلاثة .

ثم قال : { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } والمقصود منه أنهم إذا تذكروا كثرة إنعام الله عليهم فالظاهر أن ذلك يحملهم على الطاعة والبعد عن المعصية ، قال الزجاج : وهذا الكلام يحتمل ثلاثة أوجه ، كثر عددكم بعد القلة ، وكثركم بالغنى بعد الفقر ، وكثركم بالقدرة بعد الضعف ، ووجه ذلك أنهم إذا كانوا فقراء أو ضعفاء فهم بمنزلة القليل ، في أنه لا يحصل من وجودهم قوة وشوكة . فأما تكثير عددهم بعد القلة ؛ فهو أن مدين بن إبراهيم تزوج رئيا بنت لوط ، فولدت حتى كثر عددهم .

ثم قال بعده : { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } والمعنى تذكروا عاقبة المفسدين وما لحقهم من الخزي والنكال ، ليصير ذلك زاجرا لكم عن العصيان والفساد ، فقوله : { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } المقصود منه أنهم إذا تذكروا نعم الله عليهم انقادوا وأطاعوا ، وقوله : { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } المقصود منه أنهم إذا عرفوا أن عاقبة المفسدين المتمردين ليست إلا الخزي والنكال ، احترزوا عن الفساد والعصيان وأطاعوا ، فكان المقصود من هذين الكلامين حملهم على الطاعة بطريق الترغيب أولا والترهيب ثانيا .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (86)

{ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صراط } أي طريق من الطرق الحسية { تُوعَدُونَ } أي تخوفون من آمن بالقتل كما نقل عن الحسن وقتادة ومجاهد وروي عن ابن عباس أن بلادهم كانت يسيرة وكان الناس يمتارون منهم فكانوا يقعدون على الطريق ويخوفون الناس أن يأتوا شعيباً ويقولون لهم : إنه كذاب فلا يفتنكم عن دينكم . ويجوز أن يكون القعود على الصراط خارجاً مخرج التمثيل كما فيما حكي عن قول الشيطان : { لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم } [ الأعراف : 16 ] أي ولا تقعدوا بكل طريق من طرق الدين كالشيطان ، وإليه يشير ما روي عن مجاهد أيضاً . والكلية مع أن دين الله الحق واحد باعتبار تشعبه إلى معارف وحدود وأحكام وكانوا إذا رأوا أحداً يشرع في شيء منها منعوه بكل ما يمكن من الحيل . وقيل : كانوا يقطعون الطريق فنهوا عن ذلك . وروي ذلك عن أبي هريرة وعبد الرحمن بن زيد ، ولعل المراد به ما يرجع إلى أحد القولين الأولين وإلا ففيه خفاء وإن قيل : إن في الآية عليه مبالغة في الوعيد وتغليظ ما كانوا يرومونه من قطع السبيل .

{ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } أي الطريق الموصلة إليه وهي الإيمان أو السبيل الذي قعدوا عليه فوضع المظهر موضع المضمر بياناً لكل صراط ( و ) دلالة على عظم ما ( يصدون عنه ) وتقبيحاً لما كانوا عليه ، وقوله سبحانه : { مَنْ ءامَنَ بِهِ } مفعول { تَصُدُّونَ } على إعمال الأقرب لا { تُوعَدُونَ } خلافاً لما يوهمه كلام الزمخشري إذ يجب عند الجمهور في مثل ذلك حينئذٍ إظهار ضمير الثاني . ولا يجوز حذفه إلا في ضرورة الشعر فيلزم أن يقال : تصدونهم وإذا جعل { تَصُدُّونَ } بمعنى تعرضون يصير لازماً ولا يكون مما نحن فيه . وضمير { بِهِ } لله تعالى أو لكل صراط أو سبيل الله تعالى لأن السبيل يذكر ويؤنث كما قيل ، وجملة { تُوعَدُونَ } وما عطف عليه في موضع الحال من ضمير { تَقْعُدُواْ } أي موعدين وصادين : وقيل : هي على التفسير الأول استئناف بياني ، والأظهر ما ذكرنا .

{ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } أي وتطلبون لسبيل الله تعالى عوجاً بإلقاء الشبه أو بوصفها للناس بما ينقصها وهي أبعد من شائبة الإعوجاج : وهذا إخبار فيه معنى التوبيخ وقد يكون تهكماً بهم حيث طلبوا ما هو محال إذ طريق الحق لا يعوج . وفي الكلام ترق كأنه قيل : ما كفاكم أنكم توعدون الناس على متابعة الحق وتصدونهم عن سبيل الله تعالى حتى تصفونه بالاعوجاج ليكون الصد بالبرهان والدليل . وعلى ما روي عن أبي هريرة وابن زيد جاء أن يراد بتبغونها عوجاً عيشهم في الأرض واعوجاج الطريق عبارة عن فوات أمنها . وذكر الطيبي أن معنى هذا الطلب حينئذٍ معنى اللام في قوله سبحانه :

{ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [ القصص : 8 ] وعلى سائر الأوجه في الكلام الحذف والإيصال .

{ واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً } عددكم { فَكَثَّرَكُمْ } فوفر عددكم بالبركة في النسل كما روي عن ابن عباس . وحكي أن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله تعالى في نسلها البركة والنماء فكثروا وفشوا . وجوز الزجاج أن يكون المعنى إذ كنتم مقلين فقراء فجعلكم مكثرين موسرين ، أو كنتم أقلة أذلة فأعزكم بكثرة العدد والعدد . و { إِذْ } مفعول { اذكروا } أو ظرف لمقدر كالحادث أو النعم أي أذكروا ذلك الوقت أو ما فيه { وانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } أي آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود واعتبروا بهم .